الدكتور عبد الرحمن الوزان : كتب الإدارة والتطوير . . تبيع الوهم


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

- يمكن للإنسان أن يتجاوز بقدراته كل الحدود إذا رعاها بالتطوير.

- المهارات الشخصية عامل رئيس في نجاح الفرد.

- عدم وجود بيانات عن احتياجات سوق العمل ساهم في تفشي البطالة.

- التدريب والعلم هما الوسيلة الوحيدة لاكتساب المهارات.

 

أكد خبير سعودي في تنمية المهارات الشخصية أن الشباب السعودي الذي يعاني الآن من البطالة كان ضحية لغياب التخطيط والتوجيهº إذ لم تقم الجهات المختصة بعمليات مسح لاحتياجات سوق العمل ليتوجّه الشباب للتخصصات المطلوبة والمرغوبة ويتخلص من شبح البطالة.

وطالب الدكتور عبد الرحمن بن حسين الوزان -الخبير في معهد الإدارة العامة بالرياض- الجهات المختصة بعمل مسوحات في سوق العمل والكشف عن التخصصات التي تحتاجها الساحة السعودية حتى يستطيع الشباب بناءً عليها تحديد خياراتهم العملية والمهنية، مؤكدًا أنه إذا تُرك الأمر للشباب لتحديد خياراتهم دون رؤية علمية فإنه قد يتعرض للإخفاق والإحباط عندما يتخرج، ولا يجد الوظيفة المناسبة.

وأكد الدكتور الوزان -مدير البرامج الإدارية بالمعهد- في حوار مع (الإسلام اليوم) أن مقدرات الإنسان تستطيع أن \"تتخطى الحدود\" متى ما اهتم الشخص بتطوير نفسه، وتمسك بقيم الجدية والمثابرة.

وقلل الخبير السعودي في الحوار من أهمية الكتيبات الإدارية التي تعج بها الأسواق في الوقت الراهن، وقال: إنها لا تكسب الإنسان أي مهارات أوسلوكيات نافعة، مبيناً أن التدريب والمراس مع العلم هما السبيل الوحيد لاكتساب المهارات والاحترافية في العمل.

 

كثير من الشباب يواجه صعوبات كبيرة فيما يتعلق بكيفية اختيار المجال الوظيفي الملائم له.. بصفتكم متخصصاً في علوم الإدارة ومشرفاً للبرامج.. كيف يمكن للشباب أن يخرج من هذا المأزق؟

ترتبط عملية اختيار المسار الوظيفي بعدة عوامل يعود بعضها بشكل مباشر إلى الفرد نفسه والأخرى إلى عوامل محيطه به. فالعوامل التي ترتبط بالفرد تبدأ باكراً، وذلك من النشأة الأسرية ودور الوالدين واهتماماتهم الشخصية في مستقبل الأبناءº إذ يعمد كثير من الآباء والأمهات إلى تشكيل أبنائهم وظيفياً منذ الصغر من خلال زرع الاهتمام المستقبلي في جانب من جوانب الحياة العملية، ولذا نسمع كثيراً السؤال المتكرر على الأسماع: ماذا تريد أن تكون عندما تكبر؟.. هذا الاهتمام الوالدي غالباً ما يُصاحب بنوع من الرعاية والتوجيهº إذ يبدأ الآباء في التركيز على توجيه الأبناء تربوياً وتعليمياً فيما يخدم هذا المسار. وفي الجانب الآخر تظهر علامات الميل نحو مهنة معينة أو محددة لدى الأبناء منذ الصغرº إذ يتقمص كثير من الأبناء طبيعة مهنة معينة كالطب أو المحاماة أو التعليم أو الهندسة وغيرها، وإن كان هذا الشعور غير موجه أو غير عملي غير أنه يلعب دوراً مهماً في التأثير في عملية اختيار المجال الوظيفي المستقبلي، ويرى علماء التربية والنفس ضرورة إذكاء هذا الاهتمام من خلال مساعدة الطلبة في مراحل الدراسة الأولى على وضع تصور أو رؤية مستقبلية لحياتهم العملية. أيضاً هناك عوامل مرتبطة بالجماعة المرجعية للشخص من أصدقاء أو صحبة أو غيرهماº إذ تلعب درواً ريادياً في تشكيل اهتمامات الشخص باكراً.

أما فيما يتعلق بالمعطيات والعوامل الخارجية الأخرى فتتعدّد بدءاً من العامل التربوي إلى الفرص المتاحة في سوق العمل. وهنا تلعب المدرسة دوراً بارزاً ومهماً في اكتشاف وتوجيه مسار الطلبة في المراحل المتقدمة (الثانوية العامة وما في حكمها من المعاهد والمراكز التأهيلية الخاصة) ولذا قسمت هذه المراحل على شكل مسارات تأهيلية تخدم العملية الوظيفية لكل دارس أو متدرب أوطالب، ومنها: المسار الأدبي، والمسار العلمي، والمسار الشرعي، والمسار التقني، والمسار الصحي، وغيرها كثيرº إذ يتم مساعدة الدارس على اكتشاف الرغبة وتوجيهها، ومن ثم الإعداد والتأهيل لهذا الاختصاص.

أيضاً من العوامل الخارجية الأخرى، فرص الوظائف المتاحة في سوق العمل وتصميم البرامج التأهيلية والتدريبية وتوجيه الطلبة لها عامل مساعد في اختيار المسار الوظيفي. أيضاً عامل التوجيه والإرشاد من القائمين على العملية التعليمية داخل المدارس من جهة، ومن جهات الإشراف الحكومية على توظيف واستيعاب الخريجينº إذ يتحتم على تلك الجهات القيام بدراسات تُوائم بين احتياج السوق الفعلي من الوظائف، وربطها ببرامج التأهيل والإعداد في المدارس والمعاهد والجامعات وتوجيه الشباب لها، ونعني بذلك القرار المسبق في اختيار المسار الوظيفي من قبل الدارس في تلك المعاهد أو الجامعات.

وما أريد أن أقوله أن عملية اختيار المسار الوظيفي ليست عملية سهلةº فهي قرار شخصي في الدرجة الأولى، لكنها في المقابل محصلة مجموعة من المعطيات الموجهة للاختيار أو التحديد. وهنا تجدر الإشارة إلى ما تتبناه الحكومة في المملكة في الفترة الأخيرة من حملات ومشروعات توظيف في القطاع الخاصº إذ رُبطت هذه الجهود بدراسات ميدانية قامت بها وزارة العمل، تمثلت في توجيه أو إعادة تدريب وتوجيه الشباب من طالبي العمل، والذين لا تتناسب تخصصاتهم مع المعروض في سوق العمل.

 

 يجد بعض الطلاب أنفسهم في نزاع داخلي بين رغباتهم الأكاديمية، وبين احتياجات السوق.. فقد يرغب أحدهم مثلاً في دراسة الآداب لكنه يجد السوق محتاجاً إلى التقنيين والمبرمجين وما شابه ذلك.. فهل تنصحون بتلبية الرغبات أم الانقياد لاحتياجات سوق العمل؟

هذا صحيح فقد يقع الطالب بين مفارقات الرغبة في اختصاص معين وبين الاحتياج الفعلي لسوق العمل، وهنا نقول من المستحسن الأخذ بجدية الاحتياج الفعلي لسوق العمل، وعدم الانجراف للتقديرات الشخصية، وغير العقلانية في بعض الأحيان. ولذا نجد كثيراً من الشباب لجأ إلى عملية إعادة التأهيل والتدريب بعد التخرج في ظل احتياج سوق العمل الفعلي، وهذا فيه هدر للوقت والجهد، وهنا تجدر الإشارة إلى أن كثيراً من الجامعات والمعاهد والمراكز المتخصصة أعادت تصميم برامجها الأكاديمية والتعليمية بما يخدم سوق العمل، ويوفر الوقت والجهد على الطالب الذي قد تفوته كثير من التقديرات السليمة والدقيقة في رسم حياته الوظيفية.

ومع أن هنالك اهتمامات شخصية وجانبية لكل فرد، ولكن ليس من الضروري ربطها بمعطيات العملº فكل إنسان متكامل بمجاله المهني واهتماماته الشخصية، لذا أؤكد على أهمية القرار العقلاني في هذا الموضوع، وتحييد الجوانب العاطفية، والاهتمامات الشخصية، ولنا في واقع سوق العمل العربي والإسلامي النموذج الأكبرº حيث تزداد نسبة خريجي التخصصات النظرية مقابل التدني في التخصصات الصحية والتقنية والمعرفية الأخرى مقارنة مع الدول الصناعية المتقدمة.

 

هل ترى بأن أزمة البطالة التي يعايشها الشباب حالياً ترجع إلى عدم الدراسة المتناسبة مع سوق العمل؟

لعله من المستحسن استبدال مصطلح البطالة بمصطلح طالبي العملº إذ إن البطالة مفهوم واسع وفضفاض، ويشتمل عند تناوله في البحث على أبعاد مختلفة لا يتسع المقام إلى نقاشها. أما فيما يختص بتزايد أعداد طالبي العمل في المجتمع العربي والإسلامي فيعود في أحد أسبابه الرئيسة إلى الفجوة مابين احتياج سوق العمل الفعلي، وما يُقدّم من برامج في الجامعات والمعاهد والمراكز المتخصصة، وكذا رغبة الطالب غير الموجهة في كثير من الأحيان. ففي تقديري أن أجهزة التخطيط والتنمية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية تتحمل المسؤولية الكبرى في ذلكº إذ إن برامج الجامعات والمعاهد يجب أن تُربط وتُوجّه وتُحدّث بشكل دائم ومستمر مع احتياج سوق العمل.

ففي الغرب مثلاً هناك بيانات ومنشورات تُحدّث ومتاحة في المكتبات العامة والجامعية حول احتياجات سوق العمل من الوظائف، وحجم الطلب والمرتبات المالية المتاحة لكل اختصاص، وغيرها من التفاصيل التي تساعد الطلبة على تحديد المسار التخصصي، ومن ثم المهني أو العملي، ولقصور مثل هذه الإستراتيجيات الحكومية في البلدان العربية والإسلامية أصبحنا نعايش ونلمس كثيراً من الإشكالات المرتبطة بزيادة أعداد طالبي العمل، وأكبر دليل على ذلك ما تعيشه بعض الدول العربية والإسلامية من ارتفاع عالٍ, في نسبة أعداد طالبي العمل، بمن فيهم ذو والتأهيل العالي من حملة الماجستير والدكتوراه، غير أنها في اختصاصات نظرية غير مطلوبة، أو أنها تفوق مستوى الاحتياج الفعلي للمهارات المطلوبة في سوق العمل.

 

هل هناك وسائل معينة تجعل الشباب العربي والمسلم أكثر قدرةً على المنافسة في سوق العمل العالمي؟

هناك وسائل عده تجعل من الشباب العربي والمسلم أكثر قدرة على المنافسة في سوق العمل، أولها: التأهيل المبني على الدراية والمعرفة التخصصية مع حسن اختيار مجال المنافسة في سوق العمل، وأرشح هنا التخصصات التطبيقية والفنية والهندسية والمجالات الصحيةº إذ يتعطش السوق وبشكل كبير إلى هذه التخصصات في بلداننا العربية والإسلامية، وكذا المهارات الجانبية المساندة كإتقان اللغة الإنجليزية، ومهارات الحاسب الآلي، وقيم العمل، والمهنية، والقدرة على الاتصال، والتفاعل مع الآخرين في بيئة العمل. وثانيها: السمات الشخصية، ومنها: حسن المظهر، والجدية، والأمانة في العمل والرغبة في التعلم، والتطور والقناعة في البداية بالأجور البسيطة، وعدم المغالاة في النقد والتذمر، وإظهار الإصرار على العمل، والتجلد على ذلك مع احترام الزملاء والرؤساء وعملاء الجهة التي يعمل بها.

 

تنتشر في كثير من البلاد العربية الآن كتب ودراسات تتحدث عن النجاح وتقنياته، وكيف تكون \"مديراً ناجحاً، مفاوضاً ناجحاً.. الخ.. \" هل تعتقد بأن هذه الكتب مفيدة بالنسبة للناشئة والشباب، أم أنها \"تبيع الأوهام\"؟

ليس هناك غضاضة في ذلك، غير أن من المؤكد أنها ليست الوسيلة المُثلى لتلقي المعرفة واكتساب المهارة. فالمهارات المهنية والاحتراف يُكتسب من المراس الموجّه بالتدريب والتعليم في المراكز والمعاهد والجامعات المتخصصة، وعلى أيدي علماء وخبراء ذوي علم وتجربة في ذلك، وقد أحضر لي العديد من الطلبة شيئاً من تلك المطبوعات الإدارية، وقد استحسنت بعضاً منها، وهي مواد تثقيفية في الدرجة الأولى أكثر منها مواد تدريبية، لذا أؤكد على أهمية التدريب والتطبيق المقرون بالتوجيه من ذوي الخبرة في مجال الاختصاص، وبما يقلل حجم الخطأ والاجتهاد الشخصي.

 

في رأيكم ما أهم المهارات الشخصية التي يجب أن يتحلّى بها الشخص للنجاح في حياته العملية؟

كما أشرت سلفاً فالمهارات الشخصية عامل رئيس وهام في نجاح الفرد في الحياة العملية والوظيفيةº إذ لا تقل أهمية عن العوامل المهنية والتخصصية بل قد تتفوق عليها، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر تنمية وتطوير مهارات الاتصال والتفاعل مع الآخرين، واللباقة وحسن الأداء والأمانة في العمل، ومراقبة الله - سبحانه وتعالى - في السر والعلن، والإصرار والعزيمة على تطوير النفس وتنمية القدرات، أيضاً حسن تقدير الزملاء والعاملين بغض النظر عن اللون أو الجنس، وكذا الرؤساء أو المديرون وحسن تقدير الأمور وعواقبها. كما أؤكد على أهمية الاهتمام بالسلوكيات العامة، ومنها: الملبس، والمظهر الحسن، والبعد عن السلوكيات المنفرة كالتدخين، أو ما شابه ذلك من إضاعة الوقت في متابعة الإنترنت والتجمعات الفرعية في العمل، وعدم التقيد بأوقات الدوام الرسمي من الحضور، أو الانصراف والخروج في أوقات الدوامº لأن ذلك أمانة يُحاسب عليها الإنسان أمام خالقه.

 

 نسمع كثيراً عن برامج قياس الصفات الشخصية والقدرات، كذلك نعرف أن هناك مراكز تقوم بإجراء هذه الاختبارات، فهل تعتقد أن هذه الاختبارات ذات جدوى، ومفيدة فعلاً تساعد الشخص على معرفة نفسه، وبالتالي تحديد مجال العمل المناسب له؟

في اعتقادي أن هذا مبالغ فيه، ولا يجب الاعتماد والاعتداد بهذا كثيراًº فبرامج قياس الشخصية قد تعطي دلالات معينة، لكن هذا ليس الفيصل في الإيمان بأن قدرات فردٍ, ما قد لا تتجاوز هذا الحد، فالإنسان طاقة وملكة ومنحة من الله - سبحانه وتعالى – تنمو وتتطور بالمراس الموجّه بالتدريب والعلم.

 

 ما أهم النصائح التي يمكن أن تقدمها للشباب؟

أكرر مرة أخرى أن النجاح في الحياة العلمية والعملية محصلة توافر وتكامل العديد من العوامل الشخصية والمهنية، والتي يجب الأخذ بها كلها، وأن عوامل الصبر والتأهيل الجيد والمراس المستمر وحسن التعامل مع الآخرين عوامل محفزة للنجاح إذا قُرنت بالتوكل على الله، وحسن النية.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply