المقالة الأدبية هل تجاوزها الزمن ؟


 

بسم الله الرحمن الرحيم

فن كتابة \"المقالة\" الذي ازدهر خلال العصور الإسلامية الأولى واستمر إلى أوائل سنوات القرن المنصرم، تشهد حاليًا تراجعًا كبيرًا سواء في جانب الاهتمام بها أو ممارستها من قبل الكتّاب والأدباء الذين انصرفوا عنها إلى أشكال أدبية أخرى كالقصة والرواية والمقالة الصحفية، مع أنهم يؤكدون على أن \"المقالة\" هي صنف أدبي مميز وعالي القيمة.

 

وفي هذا الحوار مع الدكتور عبد الله الحيدري الأديب والأكاديمي السعودي حول دور المقالة في الحياة الأدبية العربية وكيفية اكتسابها، يذهب الحيدري إلى أن عدم تناول النقاد للمقالة في كتاباتهم النقدية والانصراف عن تحليلها ساهم في اندثار المقالة الأدبية حتى لم يتبق إلا قليل من الأدباء الذين يمارسون هذا الفن! ورأى الأديب السعودي أن مستقبل \"المقالة\" واعد إذا قام عليها المبدعون، وأوصى الناشئة من المتحمسين لفن المقالة بالقراءة المكثفة في عيون الأدب العربي، والكتاب الرائدون في المقالة أمثال الطنطاوي وطه حسين والعقاد..

 

عُنيت في بحوثك الأكاديمية والأدبية بفن المقالة في رأيك لماذا لم تجد المقالة ذات الزخم الذي وجدته فنون أدبية أخرى كالشعر والقصة؟

 

المقالة بطبيعتها مباشرة تقترب أحيانًا من الخطبة، ويهدف كتابها في الغالب إلى مناقشة القضايا السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية بأسلوب سهل وقريب إلى النفس دون تكثيف ورمزية، كما هو الحال معظم النصوص الشعرية والقصصيةº ولذلك يجد النقاد في لون المثالة وبخاصة في هذا الزمن الذي هيمنت فيه المقالة الصحفية على الأدبية مجالاً للتحليل والكشف والتوقف والتأمل، فانصرفوا عن دراستها، لكن ذلك لا يعني خلو الساحة تمامًا من نصوص جيدة تستحق الدرس والتحليل.

 

 

هل يمكن لكتابة المقالة أن تكون مهارة مكتسبة، أم أن الموهبة تبقى مربط الفرس؟

 

ربما ترتبط الموهبة بجنس الشعر أكثر من أي جنس أدبي آخر، فالشاعر يولد شاعرًا، ولا يحتاج إلى تعلم العروض حتى يتقن كتابة الشعر، بل قد يكون الشعر وراثة، في حين لا نجد الأجناس الأدبية الأخرى تصل إلى الأشخاص بالوراثة!

 

صحيح أن الثقافة والقراءة والاطلاع روافد مهمة جدًّا للشاعر لكي يصبح شاعرًا فصيحًا لا يكتب بعاميته وسليقته، ولكن الأجناس الأدبية الأخرى تحتاج إلى شيء من الموهبة وحب الكتابة، ويشعل فتيلها الإصرار والاطلاع المستمر على الجيد من الإنتاج الأدبي في هذا اللون أو ذاك.

وبالنسبة للمقالة، فإجادة كتابتها تتطلب التثقيف الذاتي المتواصل، وقراءة عيون المقالات لكبار الكتّاب في القديم والحديث، مع حسّ مرهف يلتقط الأشياء ويصورها ويحللها ويناقشها بتسلسل وانسيابية.

 

أين تكمن عناصر الإبداع في المقالة؟

 

قد يكون ذلك في عنوان لافت، وقد يكون ذلك مطلع مشرق يكسر الرتابة في بدء المقالة، وقد يكون في فكرة جيدة يطرحها الكاتب بأسلوب غير مباشر، وبرمزية شفيفة، مع سخرية مقبولة، ولغة عالية تتخلص من التراكيب والألفاظ المستهلكة، ولا تتجه إلى الغريب من الألفاظ أو الحواشي من التراكيب!

 

هل لعبت المقالة دورها المطلوب في ظل المستجدات الثقافية والفكرية الراهنة؟

لو تصدى لهذا الجنس الأدبي كتّاب ماهرون لوجدوا منافذ للنشر لا تُحصى بما فيها المرتبطة بالمستجدات الثقافية الراهنة كمواقع الإنترنت وسواها، المهم الكاتب وليس الوسيلة.

 

هل يمكن أن يؤدي البحث عن الإثارة إلى ابتذال المقالة وتجريدها من مضمونها؟ وكيف يمكن تلافي ذلك؟

 

ثمة فرق بين الإثارة والتشويقº فالأولى قد تناسب بعض التحقيقات الصحفية، ولكنها حتمًا لا تناسب المقالة التي تحتاج إلى تشويق وإمتاع وقوة أسلوب وعرض جيد.

 

كيف ترى المقالة السعودية في العقدين الأخيرين؟

هناك تراجع واضح لهذا الفن في القرن الخامس عشر عنه في القرن الماضي، لقد افتقدنا في العقدين الأخيرين المقالة الأدبية الصرفة التي كان يكتبها في القرن الماضي الزيدان والسرحان وعبد القدوس الأنصاري وابن خميس، في حين لا نكاد نعثر حاليًا على هذا اللون من الكتابة الراقية أسلوبًا. المقالة الصحفية حاليًا هي السائدة، باستثناء مقالات تظهر فيها لمحات من المقالة الأدبية كتلك التي نجدها في مقالات الدكتور حسن الهويمل، والدكتور حمد الدخيل، وغيرهما من الكتّاب المجيدين.

 

كيف تنظر لمستقبل فن المقالة خلال الفترات القادمة؟ وبم تنصح الجيل الجديد من كتابها؟

مادام هناك صحافة، فالمستقبل للمقالة، لأنها تعتمد عليها بشكل كبير، وتستكتب بشكل دائم، بل إن عددًا من الأكاديميين حولتهم الصحافة بفضل إغرائها إلى كتّاب مقالة، على أن هناك تفاوتًا واضحًا بين مستويات الكتّاب، وأصبحت الصحف تطلب من عدد ممن يهوى الكتابة الالتزام بعمود يومي أو أسبوعي يتكلف طرح بعض الموضوعات، أو تتحول المقالة لديه إلى مناقشة قضايا وهموم عادية لا تستحق الطرح.

 

أما الجيل الجديد فأوصيهم بالقراءة المكثفة لأعلام المقالة في القديم والحديث، مثل: الطنطاوي، وطه حسين، والعقاد، والزيات، ومن السعوديين: ابن خميس، ومحمد حسين زيدان، وحسين سرحان، وغيرهم.

 

وتأتي الخطوة الثانية بعد ذلك حينما تستقيم لغتهم وتقوى أساليبهم بأن يحاولوا التجديد في شكل المقالة، مع انتقاء الأفكار الجديدة، وتناول القديم منها بأسلوب وعرض مختلف.

 

كما أن هناك دورات مهمة ينهض بها نادي الرياض الأدبي كل عام في الأجناس الأدبية المختلفة، وقبل فترة أعد دورة عن كتابة المقالة، فهذه الفرص تساعد الناشئة على تنمية مهاراتهم في كتابة المقالة، ومن المفيد هنا أن أذكر أن كل المناشط الأدبية التي تُقام في السعودية تلقى تفاعلاً واهتمامًا من قبل الطلبة والموظفين والمدرسين على السواء، بمعنى أن هناك تعطشًا لمثل هذه المناشط التثقيفية، بحيث نجد ما يزيد على أربعين مستفيدًا يمثلون شرائح مختلفة، وقد شرفني النادي بالإشراف على دورة كتابة المقالة، وسعدت بمعرفة عدد من الشباب المتحمس لكتابة هذا اللون من الأدب، وكنت في غاية الارتياح لتفاعلهم واهتمامهم.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply