الأمل القاتل


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لقد سبق تثبيت قاعدة \"الخوف والرجاء\" في الوعظ، والموازنة بين الترغيب والترهيب وانبعث عنها ميزان الفرصة المفتوحة، والتفاؤل الثر في العمل الدعوي، إلا أنه لا بد من موازنته، بالحذر الشديد من الإفراط فيه، حتى لا تقع في الأمل القاتل، والأمل القاتل نوع من استدراج الشيطان، والقناعة بالقليل، والالتهاء ببعض المظاهر دون الجوهر، فهو نوع من الاغترار، ولهاث وراء السراب، سواء أكان نوع الاغترار بالمعاصي عندما يرى نعمة الله عليه وعندئذ فهو من الاستدراج، أو الاغترار بالعمل الزائف، الذي ليس تحته حد، ولهاث ليس بعده ثمرة، ولا بد من التميز بين هذه الغرة، وبين الثقة فهي السكون المستند إلى أدلة وأمارات وتبنى على التجارب، والممارسات وعلى صدق الفراسة، وقوة الإلهام، والمبنيين على عمق الإخلاص، وحسن التوجه، وكثرة العبادة لله - عز وجل -.

 

\"وأما العزة، فهي حال المغتر الذي غرته نفسه، وشيطانه، وهواه، وأمله الخائب الكاذب بربه، حتى اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني\".

 

والغرور: ثقتك بمن لا يوثق به، وسكونك إلى من لا يسكن إليه، ورجاؤك النفع من المحل الذي لا يأتي بخير، كحال المغتر بالسراب، قال - تعالى -: {و الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب}.

 

وقال - تعالى - في وصف المغترين: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً}.

 

وهؤلاء إذا انكشف الغطاء، وثبتت حقائق الأمور علموا أنهم لم يكونوا على شيء {و بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون}، فالمغتر بالشيطان مغتر بوعوده، وأمانيه وقد ساعده اغتراره بدنياه ونفسه، فلا يزال كذلك، حتى يتردى في آبار الهلاك.

 

والداعية يعيش الأمل بالله، مع انتباه إلى عدم اختراق حاجز الأمل الذي يلهي والمطامع التي تغري، والعمر الذي يمضي، والفرص التي تضيع، وقد يقترب بعد الكسل الطويل، والفتور الدائم إلى الأمل القاتل، الذي حذر الله - تعالى - منه حيث يتحول الإنسان فيه إلى حياة بهيمية، فهدد - سبحانه وتعالى - الكفار الذين يعيشون مثل هذه الحياة: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}.

 

وصورة الأمل الملهي صورة إنسانية حية، فالأمل البراق ما يزال يخايل هذا الإنسان، وهو يجري وراءه، وينشغل به، ويستغرق فيه، حتى يجاوز المنطقة المأمونة، وحتى يغفل عن الله وعن القدر وعن الأجل، وحتى ينسى أن هناك واجباً، وأن هناك محظوراً، وهي صورة كريهة، توضع حتى يذهب عنها المؤمن بعيداً بعيداً، تترك بصماتها على الداعية، ليتابع المسير دون الالتهاء بالأماني الكاذبة.

 

إن التو زان بين الخوف والرجاء وبين التفاؤل والتشاؤم أو بين الفرصة المفتوحة والانسحاب المفرط، ليقود بالضرورة ـ أيضاً ـ موازنة الابتعاد عن الأمل القاتل بالابتعاد عن الحزن، إذ أن الحزن من منازل العوام، وقد قيل في تعريفه:\"هو انخلاع عن السرور، وملازمة الكآبة لتأسف عن فائت، أو توجع لممتنع، وإنما كان من منازل العوام، لأن فيه نسيان المنة، والبقاء في رق الطبع، لأن معرفة الله جلا نورها كل ظلمة، وكشف سرورها كل غمة، فبذلك فليفرحوا\".

 

والمؤمن، وإن كان يحزن لتفريطه، وتقصيره، أو على تورطه، وتفريطه ن وهذا من تمام صحة الإيمان في قلبه، إلا أن عليه أن لا يجعل الحزن مسيطراً عليه، إذ أنه لا يجدي، بل ويضيع عليها المزيد، ويقوده إلى تقصير أشد، وتفريط أكبر، والأصل أن يستقبل المؤمن الخير، ويجد في المسير، ويبذل الجهد، ويشمر عن ساعد اليقظة، {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا} وقد صار الحزن من مسالك الشيطان لما يقوده إليه من الكسل، ولذلك لم يثن عليه في النصوص، بل ونهى عنه في مواطن عدة، منها قوله - تعالى -: {و لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} والعجز والكسل قرينان،فإن تخلف مصلحة العبد وبعدها عنه إن كان من عدم القدرة، فهو عجز، وإن كان من عدم الإرادة فهو كسل.

 

وبناء على هذا، فالداعية المخلص ـ وهو يتخلص من سراب الأمل القاتل ـ عليه أن لا يحزن بل أن يكون قلبه مشبعاً بالفرح، وينال هذه المنزلة، التي هي من منازل السائرين إلى الله - تعالى - والفرح لذة تقع في القلب بإدراك المحبوب، ونيل المشتهى، فيتولد من إدراكه حاسة تسمى الفرح، والسرور، وسرور قلب المؤمن إنما تجلبه هزتان، هزة سرور ذوق، يذهب بثلاثة أحزان، حزن أورثه خوف الانقطاع، وحزن هاجته ظلمة الجهل، وحزن بعثته وحشة التفرق أما هزة الطرب الثانية، فهي هزة سرور سماع الإجابة، وهو سرور يمحو آثار الوحشة، وفي منزلة الفرح قال الله - تعالى -: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}.

 

وهذا الفرح هو الذي أمر الله به، وكان أولى للداعية أن يتصف به، فإن من فرح بما وصل إليه من جواد كريم محسن، يكون فرحه بمن أوصل ذلك إليه أولى وأحرى.

 

فما أشد حاجة الداعية اليوم لهذا المفهوم التربوي، حيث التو زان بين ترك الأمل القاتل، وعدم التشاؤم، وبين الرجاء بأمل الله الواسع، وترك الحزن، وتشبع القلب بالفرح الدائم برحمة الله - تعالى - ومعرفة حقيقة الحياة.

 

و لا ينال القلب حقيقة الحياة، حتى يجد طعم هذه الفرحة، والبهجة، فيظهر سرورها في قلبه ونضرتها في وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة، حيث لقاهم الله نضرة وسروراً، فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فهذا هو العلم الذي شمر إليه أولو الهمم والعزائم واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم.

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply