بالتكنولوجيا أم بترقيص البنات ؟!


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المؤسسات البحثية و المؤسسات التعليمية الفعالة، هي وحدها المرشحة للقيام بإخراجنا من دائرة التخلف، ولابد من مشاركة الإعلام في خلق المثال والقدوة التي يتجه إليها الشباب بأبصارهم وضمائرهم، أسوة تعمد إلى تفعيل قواهم واستنهاض هممهم، والكف عن توجيه الأضواء صوب النماذج غير الفاعلة التي لا محل لها في وقت شدة الأمة واستنهاض الهمة وحشد الطاقات. فالأمة الآن تحارب معركة وجودها، وتناضل ضد أعداء يريدون إهلاكها، ومن العبث والسفه مواجهة ذلك بنقر الدفوف وهز الوسط والنفخ في المزامير وترقيص البنات شبه عاريات في فضائياتنا. فالقدوة التي تُحتذى هي العالِم والباحث والتقني والمهندس والمثقف والمبتكر والحرفي وكل من يشارك في إعلاء قيمة العمل والعلم. ومن الأهمية بمكان التنبه إلى تأثير الإعلام في إحلال قيم بديلة سلبية في المجتمع، مثل تعظيم قيمة المال والثراء والكسب، حتى غير المشروع، بدلا من تعظيم العلم والعلماء، فتلك كارثة تعطل المد العلمي وترسخ التخلف.

 

فبعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، اعترف عقلاؤها بأن هزيمتهم بدأت في المختبر \"المعمل \" ويتعين على عقلائنا القول بأن أمتنا الإسلامية مهزومة في المدرسة والجامعة والمختبر والمصنع والحقل والإعلام ومركز البحث العلمي. ولا يكفى تعليل هذه الهزائم بنظرية المؤامرة على صحتها إذ ينبغي الإقرار بمساهمتنا الوافرة في هزيمة أنفسنا بأنفسنا. وجامعاتنا لا تنتج أي معارف جديدة، ولا تعلم طلابها سوى القديم، شأنها في ذلك شأن باقي جامعات العالم الثالث المتخلف والتي قد تكون جهود علمائها القليلين مفيدة في غير بلادهم، وهى متقاعسة أي الجامعات عن أداء أهم أدوارها وهو الاضطلاع بالنشاط البحثي. ولابد من الإقرار بأن البحث العلمي لدينا في مأزق شديد ولكي نقيله من عثرته يجب الشروع فوراً في بناء بنية تحتية لتدريس العلوم وإجراء الأنشطة البحثية، وبناء المختبرات والمكتبات العلمية، وتكوين الجماعات العلمية الوطنية، والقضاء على الأمية العلمية، واللحاق بالأفكار العلمية الجديدة، ومن الأهمية بمكان تفعيل دور الجامعة كمؤسسة بحثية فإن الغرب لن ينقل إلينا التكنولوجيا التي أنفق الكثير للحصول عليها ما لم تكن من تكنولوجيا الماضي التي تقادمت، ومن يريد تكنولوجيا الحاضر عليه إعادة اكتشافها بنفسه، فالغرب لن يبيع لنا تكنولوجيا الحاضر التي تمثل له الدجاجة التي تبيض ذهباً.

 

وليعلم رجال السياسة والسلطان أنه ما من قوة حقيقية دون علم وبحث علمي يولد القدرة التكنولوجية، فالتكنولوجيا هي ابنة العلم. وعندما حاول السلطان العثماني سليم الثالث منافسة الغرب في صناعة المدافع وقع في خطأ طلب التكنولوجيا من دون نقل العلم الذي تقوم عليه هذه التكنولوجيا، وهو الخطأ الشائع الذي مازالت تقع فيه بلدان العالم الثالث إذ تقوم \"باستيراد\" التكنولوجيا أو شراء المصانع \"تسليم مفتاح\"، بدون الإحاطة بالقواعد العلمية التي تولدت منها هذه التكنولوجيا، لذا يتعذر على هذه البلدان تطوير هذه التكنولوجيا إذ جهلت الأسس العلمية التي قامت عليها. وكان السلطان سليم الثالث قد افتتح في سنة 1799 مدارس لتدريس الرياضيات والتعدين وعلوم المقذوفات، وجلب من فرنسا والسويد مدرسين للتدريس في هذه المدارس بقصد مجاراة أوروبا في صناعة المدافع، وهذا طيب، ولكنه اكتفى بذلك دون إحداث قاعدة للبحث العلمي تتولى إحداث تطوير تكنولوجي يمكّنه من التفوق، فلم يحقق أهدافه المرادة في التفوق على الغرب ومنافسته، وإن اقتصر الأمر على مجاراته لبعض الوقت. تُرى أين نحن الآن من ذلك كله؟

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply