مأساة طفل


 

بسم الله الرحمن الرحيم

ليل غشى بظلامه فجراً أغر *** وكهولة برزت على عهد الصغر

وطفولة سيمت عناءً في الصبا *** وهلال يوم ذاق خسفاً كالقمر

وربيع عمر في بدايته انتهى *** وشعاع نجم في مجرته طفر

ونهاية عند البداية أقبلت *** وبداية دون النهاية تحتضر

ليل تلبد بالمآسي وانتضى *** بقساوة تطوي البوادي والحضر

مأساة طفل في حداثة سنه *** رسمت معالمها الليالي والغير

صور تشيب لها الرؤوس تأسّفاً *** ويذوب وجداً عند رؤيتها الحجر

موت يحوم حول طفل يانع *** من كل ناحية تداعى وانهمر

من خلفه نذر الحروب تتابعت *** وأمامه دقت نواقيس الخطر

طفل صغير لم يجاوز أربعاً *** من عمره أًنّى يعي معنى الحذر

هو مسلم الأبوين لاشك اعتلى *** مجدافه موج المآسي فانكسر

هو مسلم زرع الأعادي حوله *** سبل الهلاك وأشعلوا جواً وبر

هو مسلم لاشك قد عصفت به *** تلك الحروب ولم يجد منها مفر

فقد الأقارب كلهم وجثى هنا *** يستقبل الموت المحقق إذ حضر

أطرافه توحي ببؤس مزمن *** أوهى قواه وهَدّه فجثى وخر

فقراته برزت لتحكي للورى *** قصصاً من الإرهاب في أجلى الصور

أضلاعه تنبي بوضع مؤلم *** وجثوه ينبي بأشياء أخر

والنسر يقبع خلفه متربصاً *** متشوقاً يرنوا لوعد منتظر

يبدو رحيماً رغم قسوة طبعه *** مترفّقاً رغم الشراسة بالفطر

لم يقترب من جسمه مسترهباً *** لم يشقه حياً كما فعل البشر

أعطى الأمان لروحه مستعظماً *** إزهاقها حتى يوافيها القدر

هو ميّت والموت صار لمثله *** أولى وأرحم من حياة في سقر

إن لم يمت بالجوع مات بغيره *** ليل المنايا حول مرقده انتشر

إن لم يمت فلسوف يحيى ميتاً *** في قبضة التنصير في حلو أمر

سيباع في سوق الرقيق ويشترى *** ليعود مسموم المبادئ والفكر

هو ميت في الحالتين وفقده *** روحاً أعز من الحياة بلا وطر

ماذا جنى؟ ما جرمه حتى دنى؟ *** منه الشقاء المستطير من الصغر

فيما العناء وعمره لم يرتكب *** جرماً ولا حتى على قلبٍ, خطر

لم ينتهك عرضاً ولم يسفك دماً *** لم يفتعل حرباً ولم يوقد شرر

لم يقترف إثماً ولم يسلك غوى *** لم يقتلع نبتاً ولم يقطف زهر

ببراءة الأطفال عاش ولم يزل *** يمضي إلى ميعاده زاكٍ, أبر

ما ذنبه؟ ما إثمه؟ ما جرمه؟ *** لج السؤال ولم يوافيه الخبر

الذنب ذنب القائمين بأمره *** العاكفين على التسالي والسهر

الجاعلين من الكراسي غاية *** أسمى وأغلى من تعاليم السور

ألقوا به وبغيره في غابة *** مملوءة رعباً وشراً مستطر

هذه المآسي بعض بعض ذنوبهم *** وذنوبهم شتى فأنّى تغتفر

أين العدالة؟ أين من شدقوا بها *** أين النظام العالمي المبتكر

أوليس ما يلقاه هذا الطفل في *** قاموسهم ظلماً بمختلف الصور؟

أوليس ما يجري انتهاكاً صارخاً *** لحقوق إنسان وشيئاً لا يقر؟

أوليس ما يجري يعد جريمة *** في حق عالمنا بشكل مختصر؟

أم أن حق المسلمين وأرضهم *** ودماءهم في حكم شرعته هدر

أمن العدالة أن تدان ضحية *** ويكرم الجاني بدعم مستمر

أمن العدالة أن تشرّد أمة *** ويقال للمحتل قولاً معتبر

الحق أن العدل في منظوره *** أمن اليهود وما سواه فلا ضرر

هذا النظام العالمي وإنه *** ثديٌ إذا لمسته إسرائيل در

هذا النظام العالمي ومن رأى *** فيه الخلاص من العناء فقد قصر

أين الذين به تغنوا واحتفوا *** من قومنا وسعوا إليه بلا حذر

أين الذين دعوا إليه ومَجّدوا *** وبه أشادوا دون وعي أو بصر

هل يا ترى هذي المشاهد كلها *** تكفي لتجعلهم يعيدون النظر

هل يا ترى هذي المشاهد كلها *** تكفي لتصبح في مسيرتهم عبر

هل يا ترى هذه المآسي كلها *** يبقى لها في قلبهم أدنى أثر

قست القلوب ولم يعد في لينها *** أمل ولو كانت حديداً لانصهر

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply