ميراث الأنبياء


 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله على آلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أرضه ولا في سمائه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً دائمةً إلى يوم لقائه، وبعد،

 

فإنه لا شك أن الله ما خلق هذا الخلق عبثاً - سبحانه -: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين)، بل خلقه لغاية عظيمةº وهي عبادته - سبحانه وتعالى -. وهذه العبادة لا تأتي إلاّ بعلم: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)، لذلك حثّ الله - تعالى - على العلم وموالاة العلماء، كما أخبر بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية –- رحمه الله - فقال: \"فيجب على المسلمين بعد موالاة الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه و سلم - موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصاً العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهمº إذ كل أمةٍ, قبل مبعث نبينا محمد - صلى الله عليه و سلم - فعلماؤها شرارها إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم وإنهم خلفاء الرسول - صلى الله عليه و سلم - في أمته والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبهم قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا\".

 

فضل العلم والعلماء:

ويتضح ذلك في قوله - تعالى -: (شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط..) ففي هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء فإنه لو كان أحدٌ أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء، وقد قال - جلّ شأنه - في شرف العلم لنبيه - صلى الله عليه و سلم -: (وقل رب زدني علماً)، فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله - تعالى - نبيه أن يستزيده منه. وقال - صلى الله عليه و سلم - فيما رواه أحمد والترمذي: (العلماء ورثة الأنبياء)، وهذا شرف للعلماء عظيم ومحل لهم في الدين خطير.

 

ومن أشرف ما جاء في العلم أنه من صفاته - سبحانه تعالى -، فقد وصف نفسه - جل وعلا - بالعلم فقال: (أنزله بعلمه والملائكة يشهدون)، وقال: (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله)، وقال: (فَلَنَقُصَّنَّ عليهم بعلم)، وقال: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه).

 

فضل طالب العلم:

جاء في الحديث: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع)، أي تخضع وتتواضع، وإنما تفعل ذلك لأهل العلم خاصةً من بين سائر عباد الله لأن الله - تعالى - ألزمها ذلك مع آدم - عليه السلام -، وتأدّبت بذلك الأدب، فكلما ظهر لها علمٌ في بشرٍ, خضعت له وتواضعت وتذلّلتº إعظاماً للعلم وأهله، ورضاً منها بالطلب له والشغل به، هذا في شأن الطلاب! فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم؟!

 

همة السلف في طلب العلم:

قال جرير بن حازم: \"جلست إلى الحسن سبع سنين – متواصلة لم أخرم منها يوماً واحداً\".

 

وقال الإمام ابن الجوزي محدِّثاً عن نفسه: \"كتبت بأصبعي ألفي مجلّد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم عشرون ألفاً\".

 

وقال أبو حامد الإسفراييني: \"لو رحل رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب التفسير لمحمد بن جرير لم يكن ذلك كثيراً\".

 

وجوب نشر العلم وتحريم كتمانه:

قال - تعالى -: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينُنَّه للناس ولا تكتمونه)، قال قتادة والحسن: \"هي في كل من أوتي علم شيءٍ, من الكتاب، فمن علم شيئاً فليعلّمه، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة\".

 

وقال محمد بن كعب: \"لا يحل للعالم أن يسكت على علمه ولا للجاهل أن يسكت على جهله\".

 

وقال الحسن بن عمارة: \" أتيت الزهري بعدما ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت له: إني رأيت أن تحدثني، فقال: أما عملت أني تركت الحديث، فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك، قال: حدثني، قلت: حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى الجزار قال سمعت عليّ بن أبي طالبٍ, يقول: \"ما أخذ الله العهد على الجاهلين أن يتعلَّموا حتى أخذ العهد على العلماء أن يُعلِّموا)، قال: فحدثني أربعين حديثاً\".

 

التحذير من الرياء وطلب الدنيا بالعلم:

روى أبو داود والترمذي أنه - صلى الله عليه و سلم - قال: (من تعلم علماً مما يُبتغى به وجهُ الله لا يتعلّمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) يعني ريحها.

 

قال القرطبي - رحمه الله -: \"فيجب على حامل القرآن وطالب العلم أن يتقي الله في نفسه، ويخلص العمل له، فإن كان تقدم له شيء مما يُكره فليبادر للتوبة والإنابة وليُبدِ الإخلاص في الطلب وعمله، فالذي يلزم حامل القرآن من التحفظ أكثر مما يلزم غيرهº كما له من الأجر ما ليس لغيره\".

 

وروى علقمة عن ابن مسعودٍ, - رضي الله عنه - قال: \"كيف أنتم إذا لبستكم فتنةُ يربو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، وتُتخذ سنة مبتدعة يجري عليها الناس فإذا غُيِّر منها شيءٌ قيل: قد غُيِّرت السنة. قيل: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كَثُر قُراؤكم، وقلَّ فقهاؤكم، وكَثُر أمراؤكم، وقلَّ أمناؤكم، والتُمِست الدنيا بعمل الآخرة، وتُفُقِّهَ لغير الدين\".

 

الحذر من القول على الله - تعالى - بغير علم:

الواجب على من سُئِل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، ولا أدرى، اقتداءً بالملائكة: (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا).

 

روى البستي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - (أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه و سلم -: أي البقاع شر؟ قال: لا أدري حتى أسأل جبريل، فسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل فجاء فقال: خير البقاع المساجد وشرّها الأسواق).

 

وكان علي - رضي الله عنه - يقول: \"وا بَردها على الكبد ثلاث مرات، قالوا: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: أن يُسأل الرجل عمّا لا يعلم فيقول الله أعلم\".

 

وسأل رجلٌ ابنَ عمر - رضي الله عنهما - عن مسألةٍ, فقال لا علم لي بها فلما أدبر الرجل قال ابنُ عمر: نِعم ما قال ابن عمر! سُئِل عما لا يعلم فقال لا علم لي به.

 

وقال مالك بن أنس - رحمه الله -: \"سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورَّث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلاً في أيديهم فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال لا أدري\".

 

وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك:

 

إذا ما تحدثتُ في مجلسٍ, = تناهى حديثي إلى ما علمتُ

 

ولم أَعدُ علمي إلى غيره = وكان إذا ما تناهى سَكَتٌّ

 

 

توقير العلماء واحترامهم:

روى البخاري عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: (كنا جلوساً في المسجد إذ خرج رسول الله - صلى الله عليه و سلم - عليه وسلم فجلس إلينا فكأن على رؤوسنا الطير لا يتكلم أحد منا).

 

وهذا عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - مع جلالته ومنزلته، كان يأخذ بركاب دابة زيد بن ثابت الأنصاري ويقول: \"هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا\" أخرجه الحاكم.

 

وكان كثير من السلف يقول: \"ما صليت إلا ودعوت لوالدي ولمشايخي جميعا\".

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وإذا كان الرجل قد علمه أستاذº عرف قدر إحسانه وشكره\".

 

وهذا الإمام مالك - رحمه الله - يقول لفتى من قريش: \"يا ابن أخي تعلّم الأدب قبل أن تتعلم العلم\". ولما أشرف الليث بن سعد على بعض أصحاب الحديث فرأى منهم شيئاً قال: ما هذا؟! أنتم إلى يسير من الأدب أحوج منكم إلى كثير من العلم\".

 

قال الإمام الشافعي - رحمه الله -: \"لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن مَن طلبه بذلِّ النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح\".

 

نسأل الله أن يجعلنا من العلماء العاملين، إنه خير مسئول وأكرم مأمول، والحمد لله رب العالمين.

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply