النصيحة الذهبية


 

بسم الله الرحمن الرحيم 

لو سأل سائل: ما بال مؤسساتنا المتخصصة في الدراسات الجامعية والعليا عاجزة عن أن تُهديَ لأمتنا رجالاً مثل عبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري، والإمام مالك؟ ولماذا يتخرج منها كثير من حملة الشهادات العليا وإلمامهم بتخصصهم خفيف، واطلاعهم على بقية العلوم ضعيف، مع أن الوسائل المادية, والموارد المالية أكثر توفراً من ذي قبل؟ ثم ما الذي يجعل الطلاب في الحلقات العلمية بالمساجد أكثر نبوغاً, وأشد رسوخاً من طلاب الجامعات؟ فإن برز في الجامعة أحد وكان نبيهاً نبيلاً نزيهاً كان غالباً خريج شيوخ العلم الراسخين، وحلقات المساجد المباركة، ومن ذوي الإجازات العلمية, والأخلاق النبوية الكريمة.

فما الذي يجعل جامعاتنا عامرة مثمرة، مثل منارات الهدى في تاريخ الإسلام، كـ( الدار الأشرفية) و (الأزهر) و ( القرويين) و ( الزيتونة)، فقد ضاعت هيبة الأمة, واستحل حماها منذ غُيِّبت تلك الصروح العلمية المباركة عن تخريج رجال الأمة, وصناعة أمجادها, والقيام بأعباء الدعوة، واستُبدلت مناهج بعضها، وعُطِّل بعضها سنين عدداً و (لله الأمر من قبل ومن بعد).

فأول ما ينبغي تحصيله في نفس طالب العلمº أن يخلص النية، ويقصد من وراء ذلك تخليص نفسه من النار، وتحصيل السعادة في الدنيا والآخرة،

ومن طلب الحسناء لم يغلها المهر

فالطامع في صحبة الصادقين لا يألو جهداً في التشبه بهم، حتى لا يقال له:

لقد صاحبتَ أعلاماً كباراً              ولم أَرَكَ اقتديتَ بمن صحبتا

وناداك الكتاب فلم تجبه               ونبَّهك المشيب فما انتبهتا

فملاك الأمر الصدق مع الله في القول والعمل، وقد أنف أبو سفيان في جاهليته أن يأثروا عليه كذباً، ولم ينتفع كعب بن مالك في قصة تبوك، ولا جعفر وصحبه رضي الله عنهم في هجرة الحبشة بمثل الصدق فـ (إن الصدق يهدي إلى البر) و (إن الكذب يهدي إلى الفجور). فكيف إذا جمع الله الخلائق (ليسأل الصادقين عن صدقهم)؟ وقد ترجم البخاري -رحمه الله- في كتاب الأدب (باب قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)).

وثاني الواجبات أن نزرع بذرة الدين في نفوس طلابنا، مهما تنوّعت فروعهم العلميةº بحيث يستشعر كلُّ منهم أنه أمين على أعظم كنوز الدنيا، وهو العلم ميراث الأنبياء، فيجتهد في الطاعات، ويسارع إلى الخيرات، وقد تعجب أحمد بن حنبل من طالب العلم الذي بات عنده ولم يصلِّ بالليل، فقال: \"سبحان الله! طالب علم ليس له ورد من الليل!\"، ويستحضر أنه مسؤول عن المسلمين كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (المحيا محياكم والممات مماتكم)، فواجبه أن يخدم الإخوان, ويعلِّمهم, ويخلص لهم النصح، ويسدي إليهم الإحسان, ويكون أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كما نقل الذهبي - رحمه الله - في ترجمة ذي النون المصري في (الميزان) قوله: \"اللهم لا تؤاخذني بكبد جائعة, ولا جسد عارٍ,\"  وليكن شعاره قول الشاعر:0

وإن أُعطِيت فيه طويل باعٍ,                 0       وقال الناس إنّك قد علمتا

فلا تأمن سؤال الله عنه                          بتوبيخ: علمتَ فهل عملتا؟

فرأس العلم تقوى الله حقاً                       وليس بأن يُقال: لقد رؤستا!

إذا ما لم يُفِدك العلم خيراً                        فخيرٌ منه أن لو قد جهلتا!

وإن ألقاك علمك في مهاوٍ,                        فليتك ثم ليتك ما علمتا!

وثالث ما يسعى لتحصيله الاعتناء بالفهم، إذ هو دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لحبر الأمة: (اللهم فقِّهه في الدين علِّمه التأويل)، وهو الخير المراد من رواية السنة: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) و (رُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع) و (إن الشاهد عسى أن يبلِّغ من هو أوعى منه)، وقال عن قصة الوحي: (فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال...ويكلِّمني فأعي ما يقول)، وضرب مثلاً بأرض (نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير)، وقال: (ذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعلَّم)، وأجاب علي - رضي الله عنه - أبا جحيفة لماّ سأله: \"هل عندكم من كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله أو فهمٌ أُعطيَه رجل مسلم...)، وترجم البخاري (باب الفهم في العلم) ضمن كتابه البديع (كتاب العلم). وليس ببعيد شأن عمر مع ابن عباس - رضي الله عنهم - في تفسير سورة النصر، ولا حال الصدِّيق - رضي الله عنه - لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنّ عبداً خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده)º فبكى أبو بكر وقال: \"فديناك بآبائنا وأمهاتنا\"، قال أبو سعيد: \"فكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو المخيَّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به\".

ولو راجعتَ حال اليهود والنصارى وتأملتَ تاريخ سائر الفرق الضالة لوجدتَ ـ مع الهوى ـ قلة الفهم سبب ضلالهم، وضحالة العلم سمة غالبة عليهم، حتى قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد المعتزلي: \"من العُجمة أُتِيتَ\". وكم ترى في حصاد الفكر الإنساني قديماً وحديثاً بما فيها من فلسفات, ونظريات من تخبط عن النهج العلمي, وعجز عن امتلاك أدوات الاستنباط, وجمود على الظواهر, وإلغاء للمقاصد.

ورابع المهمات: التزام الإنصاف, والتجرٌّد, والبحث عن الحق، والحذر من غلبة الهوى والعصبياتº فإنّ ذلك يقود إلى الوقوع في الأفاضل, وليِّ أعناق النصوص, والتحيل لأجل مخالفة السنن، وكل ذلك يعكِّر على الإخلاص في العلم. وقد روى أبو سلمة كما في صحيح مسلم عن أبي أسيد الساعدي بعد أن روى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: (خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير) قال: \"أُتهم أنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ لو كنت كاذباً لبدأت بقومي بني ساعدة\". وفي صحيح مسلم أيضاً تفضيل أسلم, وغفار, ومزينة على بني تميم, وبني عامر, وأسد, وغطفان, وراوي ذلك تميمي كما قال شعبة: \"حدثني سيد بني تميم محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضبي..\". وفي مدارج السالكين للعلامة ابن القيم - رحمه الله - شرح منازل السائرين لشيخ الإسلام الهروي قال ابن القيم: \"شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحبٌّ إلينا منه\".

وخامسها وهو ختامها: رعاية العهد مع الله، ومراقبة النفس، ومعرفة الواجب، اللائق بالانتساب إلى أهل العلم

قد رشّحوكَ لأمرٍ, لو فطنتَ له                    فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَلِ

ورحم الله الخطيب البغدادي حيث قال في الجامع: \"ليكن حفظك الحديث حفظ رعاية، فإن رواة العلم كثير، ورعاته قليل\"!

وجميع هذه الوصايا النافعة والنصائح الجامعة من لدن رجل من صالحي هذه الأمة، وأكابر علمائها الراسخين الذين جمعوا علوم القرءان, والحديث, والتراجم, والتاريخ، وهي نصيحة مربٍّ, جرَّبَ, ونقَّبَ, وأدَّبَ, وخرَّجَ من مدرسته التاج السبكي, والصلاح الصفدي, وغيرهما، إنه الإمام شيخ الإسلام شمس الدين الذهبي حافظ الدنيا. فقد قال - رحمه الله تعالى - في ترجمة الصدِّيق - رضي الله عنه -  من تذكرة الحُفّاظ: \"إن آنست يا هذا من نفسك فهماً, وصدقاً, وديناً, وورعاً، وإلا فلا تتعنَّ. وإن غلب عليك الهوى والعصبيةº لمذهب, و لرأي فبالله لا تتعب! وإن عرفتَ أنك مُخبِّطٌ مُخَلِّطٌ مُهمِلٌ لحدود الله فأَرِحنا منك، فبعد قليلٍ, ينكشف البهرج, وينكبٌّ الزغل (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) فقد نصحتك!).

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply