أم زائرة ولا مزور (1/3 )


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 نظرات أدبية في قصيدة "أم زائرة ولا مزور"! للدكتور/ يوسف القرضاوي

وهي قصيدة مطولة تعكس بعمق أدبي ونفسي وبلاغي كثيرًا من الأحداث التي تتوالي وتطفو على السطح بين الحين والحين، ابتداء بالفترة الزمنية المؤسفة التي عبرت عنها القصيدة، وهي فترة الخمسينيات من القرن الماضي، ومرورًا بأحداث سجن أبو غريب وغيره من سجون الاحتلال في العراق وفلسطين...

يذكر شاعرنا الدكتور يوسف القرضاوي في ديوانه "المسلمون قادمون" أن أُماً ترملت على وحيدها بعد وفاة زوجها، تركه لها برعما في سنواته الأولى، فرعته حق الرعاية، وكان لها بمثابة يومها وغدها وكل شيء في حياتها، حتى غدا رجلا ملء السمع والبصر… ثم تخطفته "كلاب الصيد" سنة 1954، وذهبوا به إلى أتون العذاب في السجن الحربي، وانقطعت أخباره، فلا زيارة ولا مراسلة، حتى تحسنت الأحوال شيئًا ما في سنة 1956، وسمح ببعض الزيارات في بعض المناسبات، وخصوصًا للأمهات.

ويوم العيد جاءت الأم لزيارة وحيدها وفلذة كبدها.. فكانت المفاجأة التي تصورها هذه القصيدة.

وقد أشار شاعرنا في أحد أبيات القصيدة إلى أن في هذه القصة عبرة ونفعًا، وذلك حين قال:

 

فاسمع لقصتها، ففيها عبرة *** تروى إلى الأجيال عبر قصيدي

 

والآن إلى أبيات القصيدة:

لهفة أُم

افتتح الشاعر قصيدته بأبيات صور فيها حالة الفرح التي انتابت الأم بعد طول يأسها من رؤية ولدها:

 

قدِمت تزور وحيدها في العيد *** في السجن بعد الحظر والتشديد

 

أُم براها الشوق للغالي، ولم *** تعرف سوى الآهات والتسهيد

 

اليوم أثمر صبرها ودعاؤها *** فدنا لها ما كان جد بعيد

 

بسِم الزمان لها، وأظهر وده *** ولطالما عرفته غير ودود

 

زفت لها البشرى، فزغرد قلبها *** طربا بلقيا كنزها المرصود

 

ردت إليها الروح، أشرق وجهها *** كالبدر، والمرآة خير شهيد

 

وطوت كتاب الأمس، يحدوها غد *** ترنو إليه بقلب غير حقود

 

أتُرى الزمانُ صفا لها أم يا تُرى *** هو حلم ظمأى في سراب البيد؟

 

وبعد هذا التمهيد والافتتاح تدعوك كلماته التالية إلى سماع قصتها العجيبة..

 

فاسمع لقصتها، ففيها عبرة *** تروى إلى الأجيال عبر قصيدي

 

جريمة خطف

ويبدأ الشاعر في وصف الحالة التي اختطف فيها ذلك الفتى، وكيف أن أمه منعت من زيارته ومراسلته:

يقول عن والدته:

 

هي أم ذاك الفارسِ البطلِ الذي *** غالته أنياب العهود السود

 

لم تنس ساعة جاء زوار الدجى *** ومضوا ليخفوه وراء سدود

 

سرقوه منها جهرة، بل عنوة *** ورأته وهو مكبل بحديد

 

والسارق حين يكون جرئيًا متبجحًا إلى حد لا يراعي فيه حرمة ولا إنسانية من يسرقه على الملأ، يكون حينها أسوأ ما يكون..

وإيغالاً في كسر إرادتها وتحطيم معنوياتها كبل هؤلاء الأوغاد ابنها بالحديد أمام عينيها وساقوه إلى جهلة مجهولة..

إن هذه الأم تشعر الآن بحسرات ومرارات تستعصي على الوصف، فلقد ظلت سنين طويلة وهي ترعاه وتربيه لتجني ثمرة تعبها بعد أن يكبر ويشب أمام عينها، وها هي اليوم تفقده وهي قليلة الحيلة عاجزة عن إنقاذه..

 

جهِدت سنين تحوطه وتربٌّه *** واليوم تفقده بلا مجهود!

 

في ليلة سوداء لم يطلع لها *** فجر، وقد طالت بغير حدود

 

عشرون شهرا وهي تكتم همها *** في صدرها من عاذل وحسود

 

لا تشتكي إلا لمالك أمرها *** ما بال عبد يشتكي لعبيد؟!

 

غاب الحبيب، وغيبت أخباره *** عنها، كشأن محارب مفقود

 

لكن تشبيه الشاعر هنا حالة الشاب الغائب عن أهله، والذي اختطفته "كلاب الصيد"، في قوله: (كشأن محارب مفقود) قد لا يتسق مع جو الصورة المرسومة هناº لأن المقام هنا فيما أرى مختلف تمامًاº وذلك لأن المحارب إنما يذهب إلى ميدان القتال وهو مجهز بالعتاد، مهيأ النفس، يحمل روحه على راحته، فإن أظهره الله على عدوه فذلك فضل من الله ونعمه، وإن قُتل فهو شهيد في سبيل الله وله من الأجر ما تقر به عينه وتستريح له نفسه من النعيم المقيم والحور العين، وصحبة النبيين والصديقين.

إلا إذا كان الشاعر هنا يقصد بقوله: "مفقود" أنه وقع في الأسر، أو لم يعرف عنه خبر، ففي هذه الحالة يستقيم المعنى لي، وربما - في الغالب - هو يقصد ذلك.

 

ألم.. وأمل

إن هؤلاء الجبابرة لم يراعوا في الناس شيئًا من الآدمية والإنسانية، فحتى الزيارة لمجرد الرؤية والاطمئنان على الفتى الحبيس لم يسمحوا بها..

 

لم يسمحوا يومًا لها بزيارة *** تروي الغليل بنظرة وشهود

 

لكن هذا لم يفت من عضد الأم الصابرة لأنها تعلم أن دوام الحال من المحال.. فظلت صابرة محتسبة حتى أتتها البشرى..

 

لكنها عاشت على أمل اللقا *** فالبغي لا يبقى على التأبيد!

 

حتى أتاها من يزف بشارة *** أحيت موات كيانها المهدود

 

ومع تخوفها من عدم مصداقية الخبر، وأن يكون كل هذا سرابا يلوح للعطشان من بعيد، كما في قول شاعرنا:

 

أتُرى الزمانُ صفا لها أم يا ترى *** هو حلم ظمأى في سراب البيد؟

 

فإنها آثرت أن تعيش على الأمل، ولم تستسلم لليأسº لأن "البغي لا يبقى على التأبيد".

 

قالوا: الزيارة أطلقت لك مرة

 

وجاء البشير يخبر بأن الزيارة قد سُمح بها، وأن صبرها أثمر على مرارته، وصدق قول القائل: البغي لا يبقى على التأبيد!

 

قالوا الزيارة أطلقت لك مرة *** في العيد بعد المنع والتقييد

 

انفراجة وفرحة

وظهرت آثار الفرح على وجهها نضرة وبهجة بقرب اللقاء:

 

عاد الشباب لها ونضر وجهها *** قرب اللقاء بحبها المنشود

 

وغدت كوجه الصبح أشرق نوره *** أو كالخميلة جُملت بورود

 

ثم راحت تعد وتجهز لهذا اللقاء المنشود، الذي طال انتظاره.

ومن الطريف أن يستفيض الشاعر في وصف الخلجات والنزاعات النفسية الداخلية، ويتتبع على عادته دائما في منهجه الأدبي والعلمي كل صغيرة وكبيرة ليبرزها ويسلط الضوء عليها، حتى لا يكاد يدع زيادة لمستزيد بعده. أو كأنه هو الذي يعيش تلك الأحزان والمآسي، وقد أُعطي ملكة الشعر والإفصاح فأخذ بوصف ما يجده من أشواق وآمال وآلام تموج في نفسه موجًا يعلو تارة ويهبط أخرى، لكنه لا ينقطع كما لا تنقطع أمواج البحار.

وفي الأبيات التالية ينوع الشاعر بين وصف حالة الأم حين استعدادها للذهاب لزيارة ابنها، ويمزج مع ذلك تلك الحوارات الداخلية، أو ما يطلق عليه "المونولوج" التي توجهها الأم لذاتها، ليكشف من خلالها عن عميق الشوق ولوعة الفراق:

 

قبل لقاء الحبيب..

ومضت تعد لحِبها ما يشتهي *** من مطعم أو ملبس ونقود

 

تشدو: غدا عيد جديد وجهه *** يشفي الجوى، ولقا حبيبي عيدي

 

غدا الذي أخفته أسوار الأذى *** عني تراه العين غير بعيد

 

ومن فرط شوقها فهي لا تدري عدد القبلات التي ستطفئ بها نيران الشوق بين جوانحها، وأيضا لا تستطيع أن تعلم إلى أي مدى يمكن أن تضمه بين ذراعيها المتعبتين من طول الأسى:

 

كم قبلةٍ, سأزفها لجبينه *** كم ضمةٍ, بذراعي المكدود

 

ومع قسوة الفترة الماضية وطولها فإن الدقائق التالية والثواني الآتية تمر عليها ببطء شديد، كذلك النوم: لا يعرف لجفنها طريقًا:

 

باتت تعد دقائقا وثوانيا ***هيهات ينعم مثلها برقود

 

ولذلك فقد ظلت طوال ليلها تستعجل مضيه ليشرق صبح العيد الذي يملؤه تكبير وتحميد المصلين، وحينئذ تستطيع الذهاب لولدها:

 

باتت تحث الليل يُسرع خَطوَهُ *** للصبح ذي التكبير والتحميد

 

وفيما أعلم، فإن وصف صبح يوم العيد بأنه ذو التكبير والتحميد وصف جديد، ربما يكون الشاعر من السابقين إليه.

 

ساعات اللقاء.. تقترب

وتنفس الصبح المرجَّى مؤذنا *** بقدوم يوم ليس بالمعهود

 

ومضت تناجي نفسها في نشوة: *** قد عاد لي عيدي وخضرة عودي

 

ومن اللطيف هنا: هذا الجناس الناقص بين كلمتي: عيدي وعودي، وهو جناس غير متكلف، ويعكس حالة البهجة والفرح التي تترقبها الأم.

 

كم فات من عيد، وعيدٌ قبله *** ما كنت فيه أحس بالتعييد

 

كم من صباح مر لم أدرك له ***طعما، فلم يك فيه أي جديد

 

واليوم يوم العمر، يوم الملتقى *** اليومَ أُبعث بعد طول همود

 

وهذه وقفات زمنية يقتطعها الشاعر من السياق الزمنيº كأنه يضغط على زر ساعة الإيقاف ليقتطع وقتًا من زمن هذا السباق غير المتكافئ بين لهفة الأم وعقارب الساعة التي تزحف ببطء ممل ورتيب.. الأم هنا تستدعي من ذكرياتها الأليمة ما تتوقع له رأبًا ورتقًا بعد ساعات قليلة، ومن فرط طغيان تلك المآسي على أحاسيسها ومشاعرها لا تستطيع أن تزيحها عن تفكيرها في هذا الحين.

وهنا ظهر تأثر الشاعر ببعض ما يشيع من ألفاظ أو تركيبات شعبية في البيئة المصريةº فمن المعلوم أن الناس يعبرون عن ليلة الزفاف أو الزواج بأنها "ليلة العمر"، استشعارًا منهم بأن فرحة هذه الليلة لا تعدلها فرحة. والشاعر هنا ينحت - قياسًا على هذا - تركيب "يوم العمر" ليعكس حالة الأم وهي ترقب لقاءها المنتظر مع ابنها.

 

اليوم صالحني الزمان، وجاد لي *** بالوصل بعد تمنع وصدود

 

وعلى عادة الشاعر - كما أسلفت - في منهجه الأدبي والعلمي، فإنه يتتبع كل شاردة في وصف الحالة التي هو بصددها، حتى لا يترك زيادة لمستزيد. فعلى عكس ما كان عليه الحال من قبل، حين جاء هؤلاء الأوغاد في "ليلة سوداء لم يطلع لها فجر"… الآن تغير الحال: فاليوم صالحني الزمان وجاد لي بالوصل بعد تمنع وصدود.

ولا يزال الموقف هنا في الوقت المستقطع..

 

عامان مرّا، كل يوم منهما *** دهر يطول عليّ جِد شديد

 

أقضي نهاري في التفكر والأسى *** وأبيت ليلي في جوى وسهود

 

ألم يميت القلب لو لم يحيه *** أمل بيوم للقاء سعيد

 

ولو شئنا تتبع ما يطلق عليه "المحسنات البديعية" في ثنايا القصيدة، فإننا لا نجد في ذلك أدنى مشقة، ومنها - مثلا - التضاد في قوله:

 

أقضي نهاري في التفكر والأسى *** وأبيت ليلي في جوى وسهود

 

ألم يميت القلب لو لم يحيه *** أمل بيوم للقاء سعيد

 

إلى مكان الزيارة..

قدمت إلى السجن الكبير يهزها *** فرح اللقاء ببدرها الموعود

 

ووصف السجن هنا بالكبير فيه رهبة وخوف، ومع ذلك فهي لم تعبأ بكبر هذا السجن ولا بصفته ولا بحراسه ولا بأسلحتهم… لكن الذي هز كيانها هو فرحة اللقاء المرتقب بالحبيب الغائب.

 

انتظار مع الزوار..

 

وقفت مع الزوار ترقب لحظة *** عدت بعمرٍ, في الزمان مديد

 

وهنا صورة في غاية التأثير والإبانة، فالأم تحمل أشواقها بين جوانحها، وما أعدت لولدها مما لذ وطاب، ووقفت تزاحم الزوار الذين أتوا من كل مكان لمثل ما أتت هي إليه، وظلت تنتظر هذه اللحظة التي يتجلى فيها وجه ولدها.. ويا لها من لحظة لا يحيط بها وصف.

 

هي لحظة اللقيا الحبيبة بعدما *** ذاقت عذاب البعد والتشريد

 

نعم، ما أجمل هذه اللحظة التي ترتقبها بعدما طول العذاب والإبعاد.

ويتتبع الشاعر لحظات الموقف، فالأم وقفت طويلا وانتظرت وقتًا مديدًا، والانتظار عذاب، والقلب يخفق بالخوف والشك، والأنفاس متلاحقة يضيق بها الصدر من فرط إحساسها بشيء مخيف.

 

خفقات وتنهيد وطول ارتقاب..

 

طال انتظار الأم أصعب برهة *** ممزوجة الخفقات بالتنهيد

 

ومما زاد من شعورها بالضيق والخوف أنها رأت حولها هؤلاء الأهالي يحتضنون أبناءهم ويزغردون فرحًا وطربًا بالاطمئنان عليهم.

إلا أن ابنها لم يخرج مع هؤلاء، ولم يظهر لها وجهه الذي طالما انتظرت لحظة تملأ منه ناظريها، فيا ترى ما الذي حبسه عن الخروج إليها؟!

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply