فوبيا الإرهاب وفوبيا الأمن وفوبيا للمسلمين !!


 

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا كان البعض يزعم أن المسلمين في الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا سواء من أبناء هذه الدول أو من المهاجرين يتمتعون بحقوق سياسية واجتماعية ربما لا يجدون مثلها في الدول التي جاؤوا منها، أو في الدول الإسلامية بصفة خاصةº فإن (فوبيا) الإرهاب التي أصابت العقل الغربي وصنَّاع السياسة الخارجية والأمنية في العالم الغربي باتت تهدد المواطن أو المهاجر المسلم في حياته اليومية، حيث بات هدفاً سهلاً وجاهزاً للاعتقال والخضوع للتحقيقات بدعوى الاشتباه في صلاته بما يسمى بـ (الإرهاب الإسلامي) والتنظيمات المرتبطة به، أو على الأقل بات ينظر إليه داخل مجتمعه نظرة (المشبوه) دائماً بحكم أنه مسلم، بغض النظر عن درجة اعتداله الديني.

فعلى الرغم من أن الخطاب السياسي الغربي حريص دائماً على تكرار نغمة (عدم جواز الربط بين الإسلام والإرهاب) فإن الأحداث التي تجري على أرض الواقع منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001  بالولايات المتحدة تؤكِّد أن هذه العبارة لا تقال إلا للاستهلاك الدبلوماسي فقط! حيث تتنافى مع السياسات الأمنية الداخلية التي تجاوزت في كثير من الأحيان حاجز اعتقال بعض المشتبه فيهم من المسلمين الأمريكيين أو المهاجرين المسلمين إلى حد سقوط بعض رجال الدين، أو وسائل الإعلام في منزلق التحرش بالإسلام كدين وحضارة، تعقبها عبارات الاعتذار والتهوين على مضض من قبل رجال السياسة، ويتزامن ذلك مع احتلال لأفغانستان والعراق، ودعم متواصل للسياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وفرض مبادرات إصلاحية على دول الشرق الأوسطº مما يزيد يوماً بعد آخر من اتساع الفجوة بين الغرب وبين ما يسمى بـ (الإسلام المعتدل)º فما بالك بمن يتبنى تفسيرات أخرى للإسلام الأكثر تشدداً!

وهناك إحصائيات حول أعداد المعتقلين في معتقل جوانتانامو، أو أولئك الذين يخضعون لاستجوابات على يد السلطات الأمريكية، ولكن من الصعب بطبيعة الحال توافر إحصائيات محددة عن حجم المضايقات التي يتعرض لها أبناء الجاليات الإسلامية في الولايات المتحدة، فهي أمور لا تقاس ولكنها محسوسة، بل إن المسافرين إلى الأراضي الأمريكية في السنوات الثلاث الأخيرة سواء من الطلبة، أو رجال الأعمال، أو من أصحاب المهن المتخصصة، أو حتى السائحينº باتوا يشعرون بإجراءات تضييقية كثيرة ضدهم سواء عند محاولتهم الحصول على تأشيرات الدخول، أو عند ركوب الطائرات التي تقلهم إلى هذه الدول، وانتهاءً بإجراءات دخولهم المطارات.

والهجمات الانتحارية التي شهدتها العاصمة الإسبانية مدريد قبل فترة، والتهديدات التي أطلقها أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، وبيانات التهديد والوعيد ضد دول أوروبية أخرى والصادرة عن جماعات متصلة بالقاعدة، أو متعاطفة معها، أو حتى عن جهات مجهولةº نقلت هذا الإحساس المرضي بالخوف من كل ما هو مسلم إلى دول أوروبية عديدة ظلت إلى فترة قريبة توفر معاملة لائقة لأبناء الجاليات المسلمة لديه.

ولكن المشكلة أن الإجراءات المشددة الناتجة عن هذا الهاجس الأمني لم تمنع أي هجمات، وتبدو إلى الآن غير قادرة على إزالة الإحساس بالخطر لدى الشعوب الغربية، ولم تجد الشعوب الإسلامية في هذا الإحساس بالخوف مبرراً كافياً لما يرونه من سياسات أمريكية يعتبرونها معادية لهم، رغم اتفاقهم في الإجماع على أهمية محاربة الإرهاب، ومنع وصول أسلحة الدمار الشامل إلى أيدي الإرهابيين، بل على عدم إتاحة الفرصة أمام التيار الديني الذي يوصف بالتشدد في تولي مقاليد الأمور في مختلف دول المنطقة.

وإذا كانت هذه الفجوة في طريقها إلى مزيد من الاتساع لدرجة أن بدأنا نشهد تدخلات من طرف في صميم عقيدة الطرف الآخر، فإن العمل على تضييق هذه الفجوة لا يمكن إلا أن يتم عبر تحركات في الاتجاهين من أجل تقريب وجهات النظر:  الأول: هو ضرورة تبني لغة خطاب إسلامي موحَّدة يتحدث بها كل المسلمين في الدول الإسلامية تماماً مثلما يتحدث بها أبناء الجاليات الإسلامية المقيمون في الخارج، أو المسلمون من أبناء الدول الغربية،  بدلاً من هذا التضارب الصارخ في التاويلات والتفسيرات الفقهيه لشتَّى أمور الدين، كذلك الذي حدث عند طرح مشكلة الحجاب، والتساؤلات التي ثارت عمّا إذا كان فرضاً أم رمزاً، وهو ما دفع السلطات الفرنسية إلى التعامل معه على أنه رمز ديني وذلك لأنها وجدت من مرجعيات إسلامية هناك وفي المنطقة هنا هذا التفسير.

والاتجاه الثاني: يجب أن يكون من جانب صانعي السياسات الخارجية في الدول الغربية - وخصوصاً الولايات المتحدة - حيث بدا واضحاً أن الإرهاب ورفضه أمر متفق عليه، لا يهدد ولا يضرب بدون سبب أو لمجرد اللهو ببعض الأسلحة والمتفجرات، وإنما يأتي انعكاساً صريحاً لسياسات غير متوازنة على الإطلاق تتبعها الإدارة الأمريكية - وخصوصاً الإدارة الحالية - تجاه الصراع العربي - الإسرائيليº تولد حجماً كبيراً من الكراهية بين شعوب المنطقة، التي تعاني أصلاً من مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية طاحنة، والدليل على ذلك أن القاعدة بررت هجمات الحادي عشر من سبتمبر بما كان يتعرض له الفلسطينيون خلال انتفاضة الأقصى، كما كانت هناك علاقة واضحة بين استهداف قطارات مدريد وبين إسهام القوات الإسبانية في تحالف الحرب ضد العراق.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply