الثقة بالنفس: هل هي توكل أم اعتماد


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

إن للثقة أقسام، ومنها:

الثقة في الله عز وجل في النجاح وفي الوصول توفيقًا منه سبحانه وتعالى، وفي رزقه.

ثم الثقة في النفس بأنك قادر على النجاح والاستمرار في العمل المطلوب منك.

الثالثة: الثقة في العمل بأنه في المستوى، فهذا أثر جهدك فيه.

الرابعة: الثقة في الناس، إما من أقوالهم إن كنت تعلم درجة صدقهم، أو من أفعالهم إن كانوا من الثقات في التعامل وليس فيهم أي خيانة أو لصوصية. وكذلك الثقة في العلماء الربانيين بأخذ فتواهم والعمل بها، أي هو مصدر للثقة.

ومعنى الثقة في خاصة الناس والعلماء هو التصديق والأمان. والثقة في الله عز وجل هي التوكل عليه. والثقة في النفس هي الاعتماد عليها. والثقة في العمل المقدم من طرفك هو العلم بأسراره، فأنت الصانع هنا وصاحب المعرفة الشاملة حول حرفتك. وهناك نوع من الثقة لا تجوز، وهي الثقة العمياء أو الثقة الزائدة، وهي التي تعمي البصيرة من رؤية الحقائق. سببها هو التسرع والتكبر والإعجاب بالنفس والغرور. هذه الثقة عنوانها الإفراط في حب الذات والتفريط في أساليب الحياة، ومنها العلم.

أما عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: "ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين" صحيح الجامع، فهناك من أهل العلم الثقات الذين استدلوا به على منع قول المسلم *أنا أثق في نفسي*.

هذا المقال ليس إعراضًا عن علمهم وفتواهم، وإنما هو فصل فقط في أنواع الثقة ومعناها. أولاً، نبدأ بكلام فضيلة الشيخ الفوزان حفظه الله، حيث بيَّن الفرق بين التوكل على الله والاعتماد عليه، وقال: *الاعتماد مثل التوكيل والتفويض، مثل أحد يوكل أحدًا لا بأس، وأما التوكل فهذا لا يكون إلا لله عز وجل لأنه عبادة*. هذا ما قاله في مقطع صوتي له. ثانيًا، كلام فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حيث قال: *فإن من توكل على غير الله لا يخلوا من ثلاثة أقسام*، ثم ذكر منهم، وقال: *ثالثًا: أن يتوكل على شخص على أنه نائب عنه، وأن هذا المتوكل فوقه كتوكل الإنسان على الوكيل في بيع وشراء ونحوهما مما تدخله النيابة، فهذا جائز ولا ينافي التوكل على الله*. هذا ما قاله في شرح العقيدة الواسطية له ص (121).

التوكل الذي يقصده الشيخ هنا هو *الاعتماد*. فإن كان هذا في حق الغير من الناس، ففي حق النفس أولى. وكما بيَّنا سابقًا، أن الثقة في النفس هي الاعتماد عليها فيما تقدر عليه، فيجوز أن يقول المسلم: *أنا أثق بنفسي*، ولكن بشروط: أولاً، أن تُقدم الثقة في الله، مثل قول: *أنا أثق في الله أولاً ثم أثق في نفسي*.

الشرط الثاني، أن تكون قادرًا على ما تراه وأنت مقبل عليه، مثل عملك وحرفتك وموهبتك، دون غلو في مدح نفسك والإعجاب بها.

الشرط الثالث هو قول: *بإذن الله* أو *إن شاء الله* أو *إن كان للعمر بقية*. ومنه لا يجوز أن يقول المسلم *أنا أتوكل على نفسي* أو أن تقول لشخص *توكل على نفسك* أو أن تقول لفلان *توكلت عليك*. فقد بيَّن العلماء أن *التوكل عبادة ولا يكون إلا لله*. الصواب هو قول: *أعتمد*، ولا يجوز قول: *أنا أعتمد على الله وعلى نفسي*، بل الواجب هو قول: *أنا أعتمد على الله أولاً ثم على نفسي*، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تَقولوا ما شاءَ اللهُ وشاءَ فُلانُ ولكِنْ قُولوا ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ شاءَ فُلانٌ" رواه أبو داود.

قال الشيخ الفوزان حفظه الله: *التوكل هو التفويض والاعتماد على الله سبحانه وتعالى وتفويض الأمور إليه سبحانه وتعالى، هذا هو التوكل* شرح الأصول الثلاثة ص (107).

إذن التفويض والاعتماد هي من أقسام التوكل على الله وليست هي التوكل في حد ذاته. أما عن الاعتماد، فهذا ينقسم إلى درجتين، وهما: الاعتماد على الله عز وجل بالدرجة الأولى، ثم بعد ذلك الاعتماد على نفسه وعلى غيره من الناس فيما يقدرون عليه، وهي من باب العون والمساعدة. أما عن ثقته بنفسه، فلها معنى آخر، وهو محبة العمل أو العلم أو كل ما يريده بشغف وطموح وإرادة وإصرار. فالثقة بالنفس معناها الحقيقي هو الصمود وتحمل المسؤولية كاملة والقدرة على الشيء نفسه، وشعارها *لا للاستسلام والتراجع*. هذه بعض الأمثلة: مثلاً، شخص فلاح له سنوات خبرة طويلة في الميدان، إذا ذهب للعمل عند شخص ما، يقول له: *أنا أستطيع أن أعمل هذا العمل من بدايته إلى نهايته*، فهنا سيعتمد على الفلاح دون حراسته أو مراقبته في عمله، لأن الاستطاعة بمثابة الثقة والاعتماد على الفلاح بمعنى الثقة فيه. أما إذا كان شخص ما قد تحصل على شهادة الطبخ أو الفندقة ولم يسبق له تسيير مطعم أو فندق، فإذا قيل له: *نُأسس لك مطعمًا أو فندقًا لتُشرف عليه*، فقد يعترف بأنه غير قادر على هذه المسؤولية الموكلة له، لأن الثقة غير موجودة، فلم يسبق له العمل. لكنه ليس معناه أنه لا يُجيد الطبخ أو التسيير بحكم الشهادة المحصل عليها.

وكما يقال: *بالمثال يتضح المقال*. فإن الثقة بالنفس إذا سبق وأن قلت لك أني سأتمم هذا العمل في وقته، فهذا راجع للخبرة المكتسبة مني. لكن هناك أشياء قد تمنع وقوعها وهي أقوى من إرادة الإنسان، مثل حدوث موت مفاجئ سواء لي أو لأحد أقاربي، وكذلك المرض وغيره. أيضًا، إن كان العمل فلاحيًا، فنزول الغيث بغزارة يمنع العمل، أو كان العمل متعلقًا بالكهرباء وانقطعت فجأة، فهذه العوامل وغيرها تُأجل المواعيد التي حُددت بوقت معين، والوعود الصادقة التي كانت من ورائها الثقة التي يتبادلها الناس فيما بينهم. وهناك أسباب كثيرة لا تُعد ولا تُحصى تتسبب في عدم تتمة الثقة وبلوغها للهدف المسطر عليه. فالثقة بالنفس هي أشبه بالوعد ومحاولة إنجاز العهد في وقته. ولا تجوز في الأمور الدينية، مثل قول: *أنا أعلم أني سأبقى مسلمًا حتى الموت* أو *سأبقى مستقيمًا إلى آخر لحظة من عمري*، لأن هذه تُعد من الثقة العمياء، ففيها نوع من المبالغة والتضخيم.

المسلم مفتون في حياته ولا يعلم كيف تكون له الخاتمة، ولهذا وجب علينا أن نحمد الله عز وجل على نعمة الإسلام والسنة، ثم ندعو الله الثبات على طاعته وحسن عبادته، وأن يُصلح حالنا وعاقبتنا، وأن نسأل الله أن يهدي قلوبنا لقبول الحق والعمل به قولًا وفعلًا، وصفاء نية وحسن قصد واعتقاد سليم. فكم من مسلم مات على النصرانية، وكم من مستقيم مات على المعصية، والله المستعان.

أما عن الثقة بعمومها، فتتولد الإرادة منها. فمن ليست له ثقة في أمر ما، لا تكون له إرادة في فعلها. فالثقة عبارة عن شجرة، أما الإرادة فهي من ثمارها. انظر إلى حال الملحدين من الناس، فطرتهم تعترف بأن الله خالق المخلوقات، لكن قلوبهم وألسنتهم لا تعترف، وهذا بسبب انعدام الثقة في الله عز وجل، فماتت إرادتهم، فلم يستطيعوا الاعتراف بربوبيته عنادًا، إلا بعضهم من اهتدى بنور الله.

أما عن احتقار النفس، مثل أن تقول: *أنا لا أقدر على فعل كذا* أو *لست أهلًا لذلك*، فهذه ألفاظ سلبية تكفي لتحطيم الإرادة في قلبك، حتى وإن كانت الإرادة بطول الجبل. أما أن ترى نفسك قادرًا على الفعل، وهذه تُسمى الثقة مع محبة العمل، فثقتك في الله ثم ثقتك في نفسك مع إرادتك، تكفي، وإن كان العالم كله ضدك، فلا تنسى أن الله معك في كل ما هو خير في دينك ودنياك ونافع لهما.

فالثقة أصلها الصناعة، فعندما تصنعها بنفسك، تصنعك كما تريد أنت، مثل من يرى أنه قادر على الوصول للقمة في مجاله ويقدم الأسباب الشرعية لها، فحتما يومًا ما سيصل بإذن الله.

أما من يرى نفسه غير قادر على النجاح، فلن ينجح وإن توفرت كل الأسباب، إلا القلة منهم من يوفق. نظرة الإنسان لنفسه، إن كانت إيجابية، تُعد نصف النجاح، والنصف الآخر إرادته وعزيمته. وإن كانت نظرة سلبية، فهي بمثابة تسعين بالمائة من الفشل قبل الانطلاق. عكس الثقة بالنفس هو الشك والوساوس والخوف وسوء الظن واليأس والقنوط والملل والجبن. انعدام الثقة في النفس مثل الجسد بدون روح، أو بالأحرى يمكن القول إن غياب دور الثقة في النفس مثل غروب الشمس، فينزل بعدها الظلام. فكذلك النفس مثل ظلام الليل، وشروق الثقة هي التي تُنير ظلمة النفس.

واعلم أن للثقة أبواب، ومنها: باب الأمل، باب التفاؤل، باب الاستعداد، باب التحدي، باب الإصرار، باب العزيمة، باب الاستمرارية، باب الإعانة، باب الإرادة، باب الطموح، باب الخبرة، باب التجربة، باب المنافسة، وباب المثابرة. كل باب تقصده يجب أن يكون معك مفتاحه، والصبر هو مفتاح كل هذه الأبواب.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply