بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
الطريق الذي سار عليه نبينا محمد ﷺ ليس فكرةً مجرّدة، ولا شعارًا يُرفع عند الحماسة ثم يُنسى عند العمل، بل هو منهجٌ كاملٌ وواضح المعالم ومتنوع الأدوات، لا يغني فيه دليل عن دليل، ولا آية عن أختها. طريقٌ يجمع بين استحضار العقيدة، وتحمل المسؤولية، وبذل الجهد، والصبر على الأذى، والقيام بالحق في وجه الباطل، دون انتظار نتيجةٍ عاجلة أو تصفيقٍ من الناس.
أول ما يلفت النظر في هذا الطريق أن الله سبحانه وتعالى يخاطب المؤمنين خطابًا عجيبًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: 14].
أن تكون ناصرًا لله، لا لأن الله محتاجٌ إلى نصرتك، فهو الغني الحميد، ولكن لأن شرف العبد أن يُستعمل في نصرة الحق. كما قال سبحانه: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245].
الله الذي يملك خزائن السماوات والأرض، يستقرض عباده، لا حاجةً، بل ابتلاءً واختيارًا. فمن فُتح له باب نفقة، أو علم، أو دعوة، أو إصلاح، ثم تردد، فقد يُصرف عنه هذا الفضل؛ لأن الله قال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24].
ثم يبيّن الله صنفًا آخر من أهل هذا الطريق، فيقول:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: 33].
هذه الآية لا تُفهم حق الفهم إلا إذا وُضعت في سياقها. سورة فصلت تتحدث عن قومٍ قُدمت لهم الحجة كاملة، بلسانهم، بقرآنٍ عربي، ثم قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه. هؤلاء شرّ الناس. وفي مقابلهم، من دعا إلى الله، فكان خير الناس. ولهذا قال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم" [متفق عليه].
ومن المعالم العظيمة في هذا الطريق قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79].
الرباني ليس مجرد عالمٍ يحفظ المسائل، ولا خطيبٍ يُحسن الكلام، بل هو الذي يقود الناس بالوحي، كما يقود ربان السفينة قومه في البحر. يعرف واقعهم، ويبصرهم عند الفتن، ويثبتهم عند الشدائد. ولذلك ذمّ الله ربانيي اليهود حين سكتوا عن الباطل، فقال: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: 63].
فالعبرة ليست بالمكانة، بل بالقيام بالحق.
ومن هنا نفهم أن هذا الطريق لا يكتفي بصلاح الفرد، بل يطالب بأثرٍ في الواقع. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104].
ولم يعلّق الله هذا الأمر بزوال المنكر، بل أوجب القيام به. ولهذا لعن الله بني إسرائيل: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: 79].
وقد يصيب العاملين في الإصلاح يأسٌ حين يرون كثرة الفساد وقوة الباطل، لكن الوحي يعالج هذا الشعور بوضوح، كما في ختام سورة هود: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: 116].
أي أن وجود هؤلاء الناهين عن الفساد سببٌ في دفع الهلاك عن الناس، ولو كانوا قلة.
ويضرب القرآن مثالًا عمليًا لذلك في قصة قارون. خرج بزینته، فافتتن به من أراد الحياة الدنيا، وقالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾.
لكن ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قالوا: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: 79–80].
رأوا الفتنة وهي مقبلة، فحذروا منها. أما غيرهم فلم يدرك حقيقتها إلا بعد أن خُسف بقارون وبداره الأرض.
وهكذا يبين الوحي أن للمصلحين أعداءً، كما كان للأنبياء أعداء. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31].
فمن عرف هذا لم يتفاجأ، بل يستعد.
ثم تأتي الآية الجامعة في ختام سورة الفرقان: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
أي اجعلنا قدوةً في الخير، يُذكِّر حالنا قبل مقالنا بالله. فالإمام هنا ليس منصبًا، بل أثر.
وفي مقابل هذا كله، يذكر الله أن أكثر الخلق غافلون، ثم يستثني: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181].
هؤلاء هم ورثة الأنبياء، وهم القلة التي تحمل هذا الطريق.
وهنا يتضح أن الفرق بين مجرد الرغبة والنية الصادقة هو العمل. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: 66].
فالطريق الذي سار عليه محمد ﷺ لا يُقطع بالأماني، بل بالصدق، والصدق أن توافق الحركةُ المقصِدَ، وأن يكون العمل شاهدًا على ما في القلب.
هذا هو الطريق: وحيٌ يُبصر، وعملٌ يُصدّق، وصبرٌ لا ينكسر، وأثرٌ يبقى، ولو قلّ السالكون.