الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف، يوم الأحد: 4 جمادى الأولى 1447ه الموافق لـ 26 من أكتوبر 2025م:
• انتهينا في الدَّرْس الذي مضى عند أبيات «البُحتريِّ» التي وصف فيها البلاغة، وهنا أنبِّه إلى أنَّ وَصْف «البُحتريِّ» للبلاغة لا يَعني وَصْف البلاغة التي نَدْرُسها، والتي هي: «المعاني والبيان والبديع»، وإنَّما يَعني وَصْفَ بلاغة البيان، وأن هذا يَلفِتُنا إلى شيء مهمٍّ جدًّا؛ هو أن البلاغةَ يُراد بها بلاغةُ البيان، وبلاغةُ الكاتِب، وبلاغةُ الشاعر، ويُراد بها البلاغةُ التي عند علماء البلاغة؛ كبلاغة «دلائل الإعجاز» و«الإيضاح». إلخ؛ فكأنَّ عندي بلاغتين لا بلاغةً واحدة، والعقلُ المُحبُّ للبحث لا بدَّ أن يَقف عند هاتين البلاغتين، وأن يتبيَّن الصِّلةَ بينهما، وأن بلاغة اللِّسان، وبلاغةَ البيان، وبلاغةَ الشِّعر، وبلاغةَ النثر، وبلاغةَ كلام رسول الله ﷺ وبلاغةَ كلام الله = هي بالطَّبع الأسبقُ، وأن تاريخَها هو تاريخُ نُطق الإنسان.
• إذا كنا نقول إن البلاغة التي هي: «المعاني والبيان والبديع» بدأتْ بإشارات «الجاحظ»، ثم شَرْح «عبد القاهر»، ثم شَرْح «الإيضاح». إلخ، فإن بلاغةَ البيان التي هي بلاغةُ اللِّسان بدأتْ حين نَطَق الإنسان، وليس الإنسان العربي؛ لأننا سنجد في كلام «عبد القاهر» حديثًا عن الجِذْر الأساس للبلاغة، وأن هذا الجِذْرَ الأساسَ للبلاغة لا يَنتمي لا إلى عَربٍ ولا إلى عَجَم، وإنَّما يَنتمي إلى الإنسان.
• هناك بلاغةٌ بدأتْ بنُطق الإنسان، وبلاغةٌ بدأتْ باستخراج العلماءِ المزايا التي في نُطق الإنسان.
• هناك بلاغةٌ بدأتْ بناطقية الإنسان؛ عربيًّا كان أو أعجميًّا، وبلاغةٌ بدأتْ بما استخرجه أهلُ البصيرة ممَّا نَطَق به الإنسان.
• أهلُ البصيرة في الفُرْس استخرجوا من اللِّسان الفارسيِّ البلاغةَ الفارسية، وأهلُ البصيرة من اليونان استخرجوا من اللِّسان اليونانيِّ البلاغةَ اليونانية، وأهلُ البصيرة من العرب استخرجوا من اللِّسان العربيِّ البلاغةَ العربية، وما دمتَ قد فَهِمتَ هذا فإنه يَسْقطُ مِن عقلِك - بلا ريبٍ - القولُ بأن البلاغةَ الفُلانيةَ تأثرتْ بالبلاغة الفُلانية، أو أن بلاغةَ العرب أصلُها بلاغةُ اليونان. هذا كلامٌ لا يقوله مَن له بصيرةٌ ومَن له عِلم.
• «أرسطو لم يكن المُعلِّمَ الأوَّلَ للمسلمين في الفلسفة وحدَها، ولكنه - إلى جانب ذلك - مُعلِّمُهم الأوَّلُ في علم البيان»، هذه عبارةٌ حَفِظتُها، قالها مَن قالها، وعاشتْ في ذهني وأنا مُغفَّل مثلُكم زمانًا طويلًا. إذا كان «أرسطو» هو الذي كان يُعلِّمنا الأخلاقَ فماذا كان سيِّدنا رسولُ الله ﷺ يُعلِّمُنا.
• إنْ لم تقرأْ كثيرًا، وتتدبَّرْ ما تقرأ، وتَعِي بعقلِك، فستَسْكن أوهامٌ باطلةٌ في نفسِك.
• نحن نقرأ ونَفْهم، ثم تتقدَّم بنا السِّنُّ وتتقدَّم بنا القراءة، ولكن احْذَرْ أن تتقدَّم السِّنُّ وتتخلَّفَ القراءة، واعملْ على أن تتقدَّم القراءةُ أولًا وتَسْبِقَ السِّنَّ.
• لاحِظْ شيئًا؛ لاحِظْ أن المُلْهَمِين من الأمَّة؛ شعراء، أو علماء، أو فقهاء، أو كانوا ما كانوا = مِن عطاء الله للأمَّة، هم المُلهَمون، وهم نِعمةٌ لمن يأتي بعدَهم؛ لأنه سيجد في كلامهم ما يَنفع، وكان الشيخ أحمد شاكر يقول إن «الشافعيَّ» مِن نِعَم الله على الأمَّة.
• أُحِبُّ الإنسانَ المتفوِّق، أُحِبُّ الكلام المتفوِّق، أُحِبُّ الشِّعر المتفوِّق، أُحِبُّ الفقه المتفوِّق، أُحِبُّ التفوُّق في كلِّ بابٍ من الأبواب.
• ابحثوا عن التفوُّق واصنعوه، وأنتم قادرون عليه؛ فإن بحثتم وتفوَّقتم، وتفوَّقتْ صناعتُكم، وتفوَّق عِلمُكم، وتفوَّق طِبُّكم = كنتم خيرَ أمَّة أُخرِجَتْ للنَّاس.
• لا تَقبلُوا أن تكونوا كما وصَفَكم ربُّكم: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وأنتم تأكلون من يَدِ الناس، وتَلْبَسُون من يَدِ الناس، وتَركبون من يَدِ الناس، وتعيشون على يَدِ الناس. لا تكونوا كذلك، وإنَّما اجتهدوا في أن تكونوا كما وصَفكم الله.
• لا بدَّ لهذه الأمَّة أن تَخرج من الخندق المظلم الذي هي فيه، لا يمكن أن تَقبل الأمَّةُ أن تُدافع عن نفسها بسلاحٍ صنعه أعداؤها، ولا أن يَعيش على أرضها شيءٌ صنعه أعداؤها، وإنَّما يجب ألا يعيش على أرضنا شيءٌ إلا وهو مِن نتاجنا ومِن صناعتنا، وإلَّا كَرِهَتْنا أرضُنا؛ لأننا حين نمشي عليها بما صنعه أعداؤنا فكأنها تَكْرَهنا وتَنْبذُنا وتَعلَمُ أننا عَقَقَة، ليس عَقَقَة، وإنَّما تَعلم أننا لا قيمة لنا. هذا هَمٌّ يجب أن يَحمِلَه كلُّ من يقول: «لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله».
• لا يجوز لك أن تَدخل القبرَ إلَّا وقد دَعوْتَ أمَّتَك إلى أن تَخرج مِن سِرداب التخلُّف المُزرِي الذي هي فيه.
• لا تقرأ «البُحتريَّ» بثقافتك أنت، ولا بمصطلحاتك أنت، وإنَّما اقرأه بما نَطَق به.
• في البيان ابحثْ عن الكلمة الأعلى، ربُّنا - سبحانه وتعالى - يُحبِّبُ إليك الأعلى، وهو سبحانه الأعلى، فإذا تَعلَّقتَ بالأعلى الذي تُسبِّح باسمه - جلَّ وتقدَّس - ستجد نفسَك تبحث عن الأعلى في الشِّعر، في البيان، في الفقه، فيما شئتَ من العلوم.
• لا تقرأ شاعرًا ما بوعيك أنت، وإنَّما إنْ كنتَ أهلًا لأن تقرأ فاقرأه بما نَطَق هو به.
• إذا قرأتَ شِعرًا فابحثْ فيه عن الكلمة الأفضل؛ لأن إحساسَك البيانيَّ يَنتظر منك أن تأتي له بالأفضل، فإذا جئتَ له بالأفضل صيَّرك الأفضل.
• تكرارُ الكلام يُصيِّره مملولًا، ثم لاحظتُ أن الله فَرَض علينا فاتحةَ الكتاب في كلِّ ركعة، ومن لم يقرأها لا صلاةَ له؛ ليَدلَّنا على شيء لا يوجد إلا في كلامه، وهو أنك تكرِّره ما كرَّرتَ فتجد له جديدًا في كل ما تقرأ، ولو قرأتَه مليون مرَّة فستجد في القراءة الواحدة بعد المليون معنًى جديدًا، وهذا لا يوجد إلا في كلام الله تعالى.
• العقلُ إذا تدبَّر وَجَد، وكلَّما أوغل في التدبُّر زاد ما يَجِدُه، وكذلك الفِكْر؛ الفِكْرُ كلَّما تدبَّرتَ فيه وجدتَ عطاءً، وكلَّما تغلغلتَ أكثر وجدتَ العطاء الأكثر.
• خَلقَك الله، وخَلَق الفِكْر وخَلَق العِلم؛ ليُربِّيَك الفِكْرُ والعِلمُ، ولِيَبنِيَك الفِكْرُ والعِلمُ، ولِتصنعَ منك القراءةُ إنسانًا آخر.
• تعوَّدنا ألا نقرأ شيئًا حتى نبحثَ عن أعلاه؛ حتى تتعلَّق نفوسُنا بالأعلى، وإذا تعلَّقتْ بالأعلى فلن تَلتفِتَ إلى الأدنى.
• «البُحتريُّ» يأتي بالألفاظ العَذْبة السَّهلة فيُفِيدُ بها المعانيَ البعيدة، وقد شَهِدَ له «عبد القاهر» بذلك؛ فقال إنه يُقرِّب البعيدَ باللَّفظ القريب.
• ليس هناك لِسانٌ يَجتذب لك المعنى البعيدَ باللفظ القريب إلا لِسان صاحب البيان الأعلى، حتى في التدريس؛ فقد كان لنا أساتذةٌ لهم ألسنةٌ تقرِّب لنا الصَّعبَ وتُبيِّنه لنا، وكان لنا أساتذةٌ لهم ألسنةٌ تُبعِّد لنا القريب، وإذا تكلَّموا في المسألة المفهومة تكلَّموا بكلامٍ غير مفهوم، وليس ذلك عن جَهْل، وإنَّما كان لهم عُمقٌ في الفكر خاطبونا به ونحن لسنا مؤهَّلين لهذا الخطاب.
• كان لنا أساتذةٌ يُحدِّثون عن الصَّعب جدًّا بلُغةٍ سهلة جدًّا، حتى وهم يَشرحون لنا العلومَ الغريبةَ المعقَّدة؛ فكنا نَسمع منهم منطقَ «أرسطو» بلُغةٍ سهلةٍ جدًّا وكأنه منطقُ أبي وأمي، وكنا نَسمع منهم بلاغة اليونان بلُغةٍ سهلةٍ جدًّا، وكان الشيخ عوض الله حجازي - رحمه الله - من هؤلاء؛ كان رجلًا عنده موهبةٌ غريبةٌ جدًّا في أن المُعقَّدات حين يتناولها لسانُه تصير سهلةً جدًّا، ولن أتكلَّم عن شيوخي الذين كانوا إذا تكلَّموا في البيِّن أغمضوه.
• حديثُ الشعراء عن عَنائهم في صنعة الشِّعر ليس حديثَ من يَرُوم أن يُنتج بيانًا خاليًا من الثِّقَل.
• لو كنتُ اخترتُ لحياتي ما أريده لعِشْتُ من أوَّل أمري إلى آخر أمري في الكتابة عن حديث الشعراء عن الشِّعر.
• لو خُيِّرتُ لاخترتُ أن أبدأ حياةً جديدةً ليس فيها من العلم إلا بيانُ حديث أهل البيان عن البيان.
• كلمةُ تميم بن مُقْبِل: «ضَرْب حُزُون جبال الشِّعر» كلمةٌ أعزُّ عليَّ من نفسي؛ لأنه حدَّث عن أصعب الأصعب، ما كان له أن يقول: «ضَرْب حُزُون جبال الشِّعر» وهو يريد إخراجَ كلامٍ لا ثِقَل فيه؛ لأن كلام بائع البصل لا ثِقَل فيه، وكلام الناس جميعًا لا ثِقَل فيه؛ لأن الله فطر النفوسَ على حُبِّ الخفَّة والسُّهولة؛ فكلُّ متكلِّم يحاول أن يكون كلامُه سهلًا خفيفًا عذبًا.
• الضَّربُ في الصَّعب في كلِّ بابٍ من أبواب المعرفة يُنتج خيرًا جليلًا.
• الشيءُ الذي عِشْتُ أكرهه كما أكره الكُفرَ هو تخلُّف هذه الأمَّة، وأتعجَّب مِن سادتها كيف يَقبلون أن يكونوا سادةً في أمَّة متخلِّفة! وكيف يَقبلون الاجتماعَ مع قيادات الأمم المتقدِّمة وهم أممٌ متخلِّفة!
• نحن لسنا أقلَّ كفاءةً من غيرنا، بل نحن قادرون على أن نكون أفضلَ من غيرنا.
• أريد نَحويًّا يَضرب في حُزُون جِبال النَّحو، أريد رياضيًّا يَضرب في حُزُون جِبال الرِّياضة؛ لأنه ما دام عَرَف جبالَها، وعَرَف حُزُونَ جبالِها، وعَرَف كيف يَضرب في حُزُون جِبالها فهو إذًا مِن أكرم رجالنا.
• أحيانًا أُحِسُّ أنني «هايف»؛ لأنني أقول كلامُا لغير مَن يَعقلون، لكن هناك كلمةٌ واحدةٌ تَريحني، وهي أن سيِّدنا رسول الله ﷺ قال: "لأن يَهدِيَ الله بك رجلًا خيرٌ لك مِن حُمُر النَّعم"، فأقول لنفسي: «يا ولد، دَرِّسْ في الجامع الأزهر عَشْرَ سِنين ولا تطلبْ أكثرَ مِن أن يهدِيَ الله بك طالبَ علمٍ واحدًا».
• «ضَرْب حُزُون جِبال الشِّعر» أخرجتْ لي نموذجًا من الإنسان المتفوِّق في كلِّ مَيدانٍ من ميادين التفوُّق في الحياة، أخرجتْ لي طبيبًا متفوِّقًا، فقيهًا متفوِّقًا، نحويًّا متفوِّقًا، عالمًا متفوِّقًا، سياسيًّا متفوِّقًا، إنسانًا متفوِّقًا.
• قَبِلْنا الجَهْل، وقَبِلْنا أن نأكلَ مِن يَدِ غيرِنا، وأن نَلْبسَ من يَدِ غيرِنا، وأن نَعيشَ على أرضنا بسواعد غيرِنا وبعقلِ غيرِنا؛ فأقول لأرضنا: «بارك الله فيكِ؛ لأنك تَقبلين منَّا أن نَمْشيَ عليك؛ لأنك لو انخَسَفْتِ مِن تحت أقدامنا لكان لك حقٌّ؛ لأن أبناءك ما داموا يَعيشون عالةً على غيرهم من الناس فعليك أن تتبرَّئي منهم».
• قلتُ كثيرًا: لو أنني مكان «عبد القاهر» ما رَدَدْتُ على مَن ردَّ عليهم؛ لأن تلميذ الثانوي يُدرك خطأهم، إلا أن العقلَ الحيَّ حين يَردُّ على كلامٍ لا قيمةَ له يَصنعُ فكرًا جليلًا جدًّا، وهذه هي قيمةُ العلماء.
• أعلى نموذج خَلَقه الله مِن بني آدم هو الأنبياء، والنموذجُ الذي يَلِيه في المرتبة، والذي هو الورثة = هو العلماء.
• وَحْيُ الله صانعٌ للأنبياء، وكُتب العلماء صانعةٌ لورثة الأنبياء.
• «بشَّار» رائعٌ جدًّا، أَنْعِمْ بعَمَاك يا «بشَّار»! لأنك قلتَ لنا كلمةً لولا عَمَاك ما نطق بها لسانُك؛ فكان عَمَاك يا «بشَّار» نعمةً أنعمَ الله بها علينا؛ قُلتَ:
عَمِيتُ جَنِينًا والذَّكَاءُ مِنَ العَمَى *** فَجِئْتُ عَجِيبَ الظَّنِّ لِلْعِلْمِ مَوْئلَا
• لا تَقْتل المعاني، واجعلْ عقلَك يُحييها؛ لِيحتضِنَها قلبُك ووعيُك، فتكونَ إنسانًا آخر؛ لأن المعرفةَ إذا لم تَصنعْ إنسانًا آخر فلا قيمةَ لها.
• اقرأْ قراءةً يَكبُر فيها الصَّغير *** ولا تقرأْ قراءةً يَصْغُر فيها الكبير.
• ما كان الكلامُ كلامًا إلا بنَظْمِه، وما كان القرآنُ قُرآنًا إلا بنَظْمِه، فإن أردتَ البحثَ عن فَضْل كلامٍ على كلام فليس لك إلا أن تبحثَ في هذا النَّظْم؛ بيانُ ذلك أن المعانيَ التي في القلوب، والمعاني التي أرادها خالِقُ الخَلْق، أسكنَها ليس في الكلمات، وإنَّما أسكنَها في روابط الكلمات وعلاقات الكلمات، وهذه أشياءُ بسيطةٌ جدًّا، ولكننا إذا أهملناها ضلَّ بنا العقلُ ضلالًا كبيرًا جدًّا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين