بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف، يوم الأحد: 11 جمادى الأولى 1447ه الموافق لـ 2 من نوفمبر 2025م:
• القضيةُ التي ما زلنا فيها هي الردُّ على من يقولون إن بلاغة الكلام ترجع إلى خِفَّته على اللسان، وإن إعجاز القرآن يرجع إلى سلاسته وخِفَّته، وإنه ليس فيه ما يَثقُل على اللسان؛ فذكَر عبد القاهر ما قاله الشعراءُ في صنعة الشِّعر، وأنهم لم يذكروا أن عملَهم في تجويد الشِّعر هو نَفْيُ الثِّقَل في النطق.
• استشهد عبد القاهر بما قاله الشعراءُ في صنعة الشِّعر على فساد القول بأن الفصاحة والبلاغة، والإعجازَ أيضًا، كلُّ ذلك راجعٌ إلى سلاسة النطق.
• تعقيبًا على قول الإمام عبد القاهر: «ثم إنه اتفاقٌ من العقلاء»، قال شيخُنا: مُهمٌّ جدًّا مسألةُ اتفاق العقلاء، ولو كنتَ طالبَ علمٍ لتوقَّفتَ كثيرًا عندما تقرأ مسألةً فيها اتفاقٌ من العقلاء.
• كلُّ جُملة في الكتاب العزيز بيانُها برهانٌ قاطعٌ على أنها مِن عند الله.
• حين قال الله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا} لم يَقلْ هذا لجِيل سيِّدنا محمد، صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما قال هذا لأجيال البشر إلى أن تقوم السَّاعة؛ فليس معناها: «لن تَفعلوا يا قريش»، أو «لن تَفعلوا يا هذا الجِيل»، وإنما: «لن تَفعلوا يا بني آدم إلى أن تقوم الساعة»، وقد كان ما قال.
• يُدهشني الذي يقرأ القرآنَ ويُلحِد، لم أجدْ له مُتكًا، لم أجدْ له وَهْمًا يُوهِمُه صوابَ إلحاده بعدما قرأ الآيات العجيبةَ الدالَّةَ بمعناها وبيانها على أنها لا تكون إلا من الله.
• القطعُ الذي لا شكَّ فيه أن القرآنَ مُعجزٌ بالفصاحة وبالبلاغة، وما رأينا عاقلًا يقول إن الفصاحة والبلاغة في خفَّة النطق على اللسان؛ فمعنى هذا أن الذين يقولون إن الفصاحة والبلاغة هي خفَّةُ النطق على اللِّسان ليسوا من عُقلاء الناس.
• لو كنتم تعلَّمتم التدبُّر لاستغنيتم عن الدرس وعن الذي يشرح الدرس؛ لأن المعاني ظاهرةٌ، ولكن يَنقُصها التدبُّر.
• إن كنتَ تنتظر أن يتدبَّر لك غيرُك ثم تَتْبعَه، أو أن يَستحسن لك غيرُك ثم تَتْبعَه، وأن يَتذوَّق لك غيرُك ثم تَتْبعَه = فأنت تَقتل نفسَك؛ لأنه لا يُذيقك حلاوةَ الكلام إلا التدبُّر، وكما أنه لا يَنوبُ عنك أحدٌ في ذَوْق الطعام كذلك لا يَنوبُ عنك أحدٌ في ذَوْق البيان؛ فلا تُهمِلْ نفسك، لا تُدمِّرْ ما صنعه الله فيك.
• كلامُ العلماء ليس علمًا فحسب، وإنما طريقةُ تفكيرٍ وتَتبُّعُ قضايا.
• شرحًا للفقرة رقم (606)، قال شيخُنا: عبدُ القاهر أسقط فكرةَ عودة الفصاحة والبلاغة إلى الخفَّة على اللسان، ثم بدأ عَرْضَ فكرةٍ لطيفةٍ جدًّا تُبيِّن فسادَ هذا القول، ولو كنتُ مكانَه لمَا عرضتُها، والفكرةُ هي: لو كانت الخفَّةُ هي الأصل في فصاحة البيان لجَعلْنا مكانَ كلِّ كَسْرةٍ وضمَّةٍ فتحةً؛ لأن الفتحةَ هي أخفُّ الحركات، ويكون عَملُنا هذا ارتقاءً بمستوى الكلام.
• شرحًا للفقرة رقم (606)، قال شيخُنا: هذا القولُ الفاسد [القول بأن بلاغة الكلام ترجع إلى خِفَّته على اللسان] يؤدِّي إلى افتراض أحوالٍ تُثير الضَّحِك، ومع ذلك يقول به ناسٌ؛ فاحذرْ ما يقول به الناس، واعرضْ ما يقول به الناس على عقلِك الذي منحك الله إياه؛ ليَقبلَ عقلُك ما يَقبل ويَرفضَ ما يَرفض.
• احذرْ من أن تكون إنسانًا يَتْبَع غيرَه؛ لأنك حين تكون إنسانًا تَتْبَع غيرَك تكون قد قتلتَ نفسَك.
• لا تَتْبَع الناس، ولكن اعرضْ كلامَ الناس على عقلِك؛ فإن قَبِلَه عقلُك فاتَّبِعه؛ لأن هذا هو أصلُ التكليف: كُلِّفتَ لأنك عاقل، وستحاسَب لأنك عاقل، والعاقلُ لا يَتَّبِعُ إلا عقلَه، ولا يَتَّبِعُ إلا فِكرَه.
• التَّبعيةُ التي عليها الناسُ شيءٌ مُزْرٍ، الشعوبُ التي تَتْبَع غيرَها؛ في العلم والفكر والعمل، هي شعوبٌ قَتلتْ نفسَها يوم اتخذتْ قرار التَّبعية، ولن يَجدوا أبدًا في العقل ما يُبرِّر هذه التَّبعية إلا إذا وجدوا في العقل ما يُبرِّر قَتْلَ النَّفْس.
• التَّبعيةُ قَتْلٌ، والتَّابعُ مقتولٌ لا قيمة له، وهذه هي الصَّحوةُ العقليةُ التي يجب أن يُنادَى بها، وأن يؤذَّن بها في الشُّعوب التي قَتلتْ نفسَها بالتَّبعية لغيرها.
• علماؤنا كانوا يهتمون بتكوين العقل ويجعلون المعرفةَ سبيلًا إلى بناء الإنسان الأفضل.
• وصَفَ ربُّنا أمَّتنا بأنها خيرُ أمَّةٍ أُخرِجَتْ للناس، فلا بد أن تجتهدَ حتى تكون حقيقًا بأن تكون فردًا في هذه الأُمَّة التي هي خيرُ أمَّةٍ أُخرِجَتْ للناس.
• قضيةُ العِلم ليست قضيةَ درسٍ أُعرِّفك فيه أنَّ (كان) تَرفع المبتدأَ وتَنصِب الخبر، ولا أنَّ الفصاحةَ في المعاني وليست في الألفاظ، نعم هذه أشياءُ أساسية، ولكنَّ الدرسَ وراءه أهدافٌ أكبر من هذا؛ وراءه صناعةُ إنسان، والإنسانُ كرَّمه الله، وصناعتُه هي أن يكون إنسانًا جديرًا بقول الله فيه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}، وهذه هي الرسالةُ التي إذا شَغلَتْني حياتي الخاصةُ عنها فلا قيمةَ لي.
• مَن يَعيش لنفسه خاصَّةً، ولا يعيش لقومه وللأمَّة التي هو منها، فلا قيمةَ له.
• الحِمارُ يَعرف حقَّ أمَّة الحَمِير عليه، والكلبُ يَعرف حقَّ أمَّة الكلاب عليه؛ فالذي لا يَعرف حقَّ أمَّته عليه يكون أسقطَ من الحمار ومن الكلب، والذي يعيش لنفسه فقط، ولا يلتفت إلا إلى نفسه، لا قيمةَ له.
• لم أجدْ في العبادات أحبَّ إلى الله تعالى مِن خدمة الأُمَّة التي أنتَ منها. لم أجدْ في القُربات أقرب إلى الله تعالى مِن العمل الصَّالح في هذه الأُمَّة.
• وأنا أقرأ القرآنَ وجدتُ أن أوَّلَ نَهْيٍ في القرآن هو النَّهيُ عن الفساد في الأرض؛ قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ}؛ فأوَّلُ (لا) في الكتاب العزيز هي: {لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ}.
• أفزعَني حديثٌ قاله سيدُنا رسولُ الله، صلَّى الله عليه وسلَّم: "إنَّ أهْونَ أهلِ النَّار عذابًا يومَ القيامة رجلٌ على أخْمَصِ قدمَيْه جمرتان يَغلِي منهما دِماغُه"، ومثلُ هذا إنَّما هدفُه إصلاحُ أحوال الإنسان في هذا الوجود.
• دُلَّني على شيء في الآخرةِ ليس المقصودُ به إصلاحَ هذا الإنسان في الدنيا.
• تعليقًا على الفقرة رقم (606)، قال شيخُنا: أرأيتَ ذكاءَ عبد القاهر؛ هو لا يُزهِّدك فيما قاله مَن يذهبون إلى أن البلاغة راجعةٌ إلى خفَّة النطق، وإنما يَجعلك تَسْخَر ممَّا قالوه، أرأيتَ العالِمَ: لا يُزهِّدك في الخطأ ولا يُبيِّنه لك، وإنما يأتي لك بصُورٍ ناتجةٍ عن هذا الخطأ تَجعلك تَسْخَر من أهل الخطأ.
• جيدٌ جدًّا أنَّ المؤلِّفَ يَضعُ أمامَك شخصًا تُحاوره، يَضعُ أمامَك الرأيَ الذي تُناقشه، لا في صُورةِ رأي، وإنَّما في صُورةِ إنسانٍ تُحاوره؛ حتى يتكوَّن منك الإنسانُ القادرُ على أن يُحاوِر وأن يُفسِد الفساد.
• مِن أوَّل حياتي وأنا لا أُعلِّم طلابي العلمَ، وإنما أُعلِّمهم كيف يقرأون كُتبَ العلماء، حتى تلاميذي الذين هم على المعاش الآن، وكَبِرُوا وانتهوا؛ يقولون لي هذا: «أنت علَّمْتَنا فقط كيف نقرأُ كلامَ أهل العلم»؛ لأن هذا هو الطريق.
• أنا أُعلِّمُك العلمَ ساعةً أو ساعتين أو ثلاثًا، وسنةً أو سنتين أو ثلاثًا، ثم نفترق ويتوقَّف العلم، أما إذا علَّمتُك الطريقةَ التي تتعلَّم بها العلم، وهي طريقةُ قراءة كلام العلماء، فأنا أُعِدُّك لأن تعيش وحدَك، وإذا علَّمتُك العلمَ فقط فأنا أُعِدُّك لتعيش متكئًا على غيرك.
• تَخلُّفُنا الآن وطُغيانُ عدوِّنا علينا مَرجِعُه إلى شيء واحد؛ هو أننا لم نَعتمدْ على ذات أنفسِنا، ولو كنا نَعتمدُ على ذات أنفسِنا لصَنَعْنا كلَّ سلاحِنا بأيدينا، ولصَنَعْنا كلَّ ما على أرضنا بأيدينا.
• ما دمتَ تُدافِع عن دَمِك ولَحْمِك بسلاحٍ صَنَعه غيرُك فلا قيمةَ لك، ما دمتَ تُدافِع عن ابنِك وبنتِك وبيتِك ودارِك بسلاحٍ لم تَصْنعه فأنت كذَّابٌ لا قيمةَ لك، وإن غنَّى لك كلُّ المُغنِّين.
• كان لنا شيخٌ اسمُه الشيخ الحجَّار، رحمه الله رحمةً واسعة؛ كان يَشرح لنا الفِقرةَ من «دلائل الإعجاز» ويَترك الفِقرةَ التي تليها لنَفْهمها نحن في ضوء الفِقرة التي شرحها؛ فكان بذلك لا يَشرح، وإنما يُعلِّمنا كيف نَشرح.
• تعقيبًا على الفقرة رقم (607) التي تحدَّث فيها الشيخُ عبد القاهر عن «الكناية والاستعارة والتمثيل والمجاز والإيجاز»، قال شيخُنا: عبد القاهر لا يُثرثِر حين يأتي بجُملٍ تترادف حول معنًى واحد، وإنما يُريد أن يَزرع في قلبك أقدارَ هذه الفنون وقيمتَها في بناء الكلام.
• أيُّ شَعبٍ يُعوِّل على غيره في أمرٍ من أمورِه الموتُ خيرٌ له من الحياة، وبَطنُ الأرض أسْتَرُ له من ظهرها.
• التخلُّفُ أطفأ الأنوارَ أمامَ بصائرنا.
• اسمعنْ، الكتابُ مؤذِّن، والأستاذ مؤذِّن، كلُّ هؤلاء لإيقاظ شعوبهم، وإيقاظ أبناء أرضهم، وإيقاظ الأقدام التي تَمشِي على تراب آبائي.
• تدبُّرًا لقول الله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ}، قال شيخُنا: العنْ «فِرعونَ»، لكن اشهدْ له أنه ملأ أرضَه رخاءً حتى صار ذَهبُ نسائنا جاراتِ نساءِ بني إسرائيل يَصنع عِجلًا لبني إسرائيل أُشرِبوا في قلوبهم حُبَّه. ألعنُ «فِرعونَ»، مَلعونٌ، لَعنَه الله، ولا يجوز لأحدٍ إلا أن يَلعنَه، لكن لا تنسَ أنه جعل حياةَ أمَّته رخاءً ورخاءً ورخاءً، وتذكَّرْ أن العِجْلَ الذي صنعَه «السَّامريُّ» لبني إسرائيل هو مِن ذَهَب المِصريات جاراتِ نِساءِ بني إسرائيل، وتَذكَّرْ وأنت تَلعنُ «فِرعونَ» أنه كان يعيش مع امرأةٍ تَركَها حُرَّةً وهي تقول: {وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ}، العنْ «فِرعونَ» لكنْ تذكَّر أن ابنَ عمِّه هو الذي قال له ولقومه: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ}، العنْ أبا جَهْل ولكن لا تنسَ أن أبا جَهْلٍ كان أصغرَ قُرشِيٍّ يَجلس في مجالس كبار قريش؛ لِفَرْط ذكائه وفَرْط رُجولته. العَنْهم لأنهم كفروا، نَعَم، ولكنْ لا تنسَ فضائلَهم.
• ليس هناك شَرٌّ مطلق، وليس هناك خيرٌ مطلق، وإنما قد تجد الخيرَ في الشر، وقد تجد الشرَّ في الخير.
• عليك أن تَظلَّ تُفكِّرُ في الجُملة الحُلوة حتى تجد حلاوتَها في نفسِك.
• ممَّا أكرمنا الله به أننا نقرأ القرآن مِن أوَّل حياتنا، ولا يَمرُّ على المسلم يومٌ من غير أن يقرأ القرآن؛ لأن عليه صلاةً، والصلاةُ لا تصحُّ إلا بقراءة القرآن.
• كنتُ أعجبُ عجبًا أعجبَ مِن العَجَب مِن أن «الرَّافعيَّ» تكلَّم على إعجاز النَّغَم في القرآن وهو أصمُّ، وفي حياته لم يَسمعْ صوتًا؛ فكنتُ أتساءل: «يا رب، كيف أَدرَك هذا؟!»؛ فمن كثرة متابعتي لفِكرةِ أنَّ أصمَّ يقول بإعجاز النَّغَم في القرآن - وهو رجلٌ صادقٌ وليس كذَّابًا - وجدتُ أنك يمكن أن تقرأ القرآنَ مِن غير أن تَسمعَه، وتَشعرَ بنَغَمِه، وأن «الرَّافعيَّ» استشعر النَّغَمَ مِن خلال القراءة الصَّامتة.
• كلُّ سُورةٍ من سُوَر القرآن لها نَغمٌ خاصٌّ، فلماذا لم يتكلَّم علماءُ التفسير عن هذا النَّغَم، ولا علماءُ الإعجاز إلا القليل منهم؛ فبدا لي وأنا أفكِّر في هذا أن القرآنَ دِين، أي: حُكم، أي: قبول ورفض، وهذا لا يؤخَذ إلا مِن دلالة اللُّغة، أمَّا دلالةُ النَّغَم فهي مما يُختلف فيه، ودلالةُ الألفاظ والتراكيب لا خلاف فيها، ويجب أن نأخذَ القرآنَ مِن وجهٍ لا يتطرَّق إليه الخلاف، ولذلك سكت المفسِّرون عن هذه الدلالات الحسِّية التي يمكن أن نَختلِف في بيانها؛ فلا يجوز لي أن أقول إن دليلَ هذا الحرام أو دليلَ هذا الحلال هو النَّغَم، إنما لا بدَّ أن يكون اللفظُ القاطعُ.
• العلماءُ يتكلَّمون في القرآن لمعرفة ما أحلَّ الله وما حرَّم، والنَّغمُ لا يَصلح دليلًا على ما أحلَّ الله وما حرَّم، وإنما دليلُ ما أحلَّ الله وما حرَّم هو دلالة الألفاظ واللُّغة.