من أدلة صدقه عليه الصلاة والسلام زهده وصموده أمام الإغراءات

4 دقائق
29 رجب 1447 (18-01-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

من طبيعةِ العقولِ السليمةِ أنها لا تُسلِّمُ للدعاوى إلا بحجةٍ بيّنة، ولا تقبلُ مسألةً فيها خلافٌ إلا بدليلٍ صحيح وبرهانٍ قاطعٍ، يورثُ اليقين ويُزيلُ الشك. وكلما عظُمَت الدعوى، عظمت المطالبةُ بالدليل.

وحين يأتي رجلٌ فيقوُلُ إنه رسولٌ من عندِ الله، وأنه مؤيّدٌ بالوحي، وأن طاعتهُ فريضة، وأنَّ النجاةَ مُعلّقةٌ بتصديقه واتباعه، فللعقل أن يقفَ ليسأل سؤالًا بديهيًا: وما الدليل على صحة هذه الدعوى العظيمة؟.

وحيثُ أنَّ الأدلةَ التي تثبتُ صدقَ الرسولِ كثيرةٌ ومتنوعة، فقد اخترتُ منها اثنا عشرَ دليلًا مختلفًا. أفردتُ كلًّ منها في مقالٍ مستقل، لتشكلَ في مجموعها سلسلةً من المقالات المتآزرة، تشهدُ على صدق الرسولِ شهادةً لا يبقى معها أدنى ريبٍ ولا شك. (والسلسلةُ كلها منشورةٌ في هذا الموقع المبارك بحمد الله). وفي هذا المقالِ سأتناولُ الدليلَ الخامسَ منها وهو: زهدهُ وصمودهُ أمامَ الإغراءات.

أيَّها القارئ الكريم: لا شكَّ أنَّ كلَّ من يسعى خلفَ متاعِ الدّنيا ونعِيمها. لا يمكنُ أن يطولَ صمُودهُ أمامَ إغراءاتها متى ما عُرضت عليه بقوة. لكننا أمامَ شخصٍ مختلفٍ كليًا. فلقد عُرِضَ عليهِ المالُ حتى يكونَ هو الأغنى في بني قومه، فلم يقبل. وعُرِضَ عليهِ المُلكُ والشّرفُ حتى لا يُقطعَ أمرٌ دونه، فلم يقبل. وعُرضَ عليهِ أن يُزوَّجَ بأجمل النّساء، وبالعدد الذي يشاء، فلم يقبل. وواللهِ إنّ هذا ليس بالهَيِّن، فإنّ ما عُرِضَ عليه لم يكن شيئًا عاديًا، بل كان ذروةَ ما تتشوفُ إليه النفوس البشرية؛ فالمالُ محبوبُ الجميع، والسلطانُ منصبٌ وقوة، والشهوةُ تسلِبُ العقول، وحيثُ أنهم لم يحققوا من خلال عرضهم ما يريدون، فقد راحوا يقدمونَ له التنازلات. فقالوا له: يا محمد، هلمَّ لنعبدَ إلهكَ عامًا، وتعبُدَ آلهتنا عامًا، وبالطبع فقد رفضَ ولم يقبل.

ثمَّ إنّ من يطالعُ سيرةَ النبيّ ويتأمّلها، يعلمُ أنهُ كان أزهدَ النّاسِ في الدّنيا، وكانَ أبعدَهم عن بهرجِها الزائِف، وعن متاعِها الفاني، كما يعلمُ من سيرته أنَّ أحوالهُ وأُمورهُ كُلَّها كانت مكشوفةً للجميع. وكان من السهل على أيَّ شخصٍ أن يراهُ في كلِّ مكانٍ يذهبُ إليه، في سفره واقامته، وفي السوق والمسجد، وفي بيته وبين أصحابهِ المقربين، وأمامَ عوامِ النّاس. وأمامَ الضيوفِ وكبارِ الزوار.

وأنه كان يسكنُ في غرفةٍ من الطين متواضِعة، دانيةُ السّقفِ، قليلةُ الأثاثِ، وكان كثيرًا ما يبيتُ طاويًا من الجوع، حتّى أنهُ لا يجدُ الدَّقَلَ (التمر الرديء) ليأكله، وعاشَ حياتهُ يجوعُ يومًا ويشبعُ يومًا، وكان يربِطُ على بطنه الحجرَ من الجوع، وربما مرَّ عليهِ الشهرُ والشهرانِ والثّلاثةِ دونَ أن يوقدَ في بيته نارٌ للطبخ، بل ولم يشبع من خبز الشّعيرِ حتى مات ، وكان يوزعُ كلَّ مالٍ يأتيهِ على فقراء المسلمين، ولم يترك بعدهُ مِيراثًا إلا بغلةً وسِلاحًا، وأرضًا تركها لابن السبيلِ.

وحتى عندما انتصرَ ودانت له الجزيرةُ كُلها، وفُتحت عليه الغنائم، وجاءتهُ الأموالُ أرتالًا، فإذا هو هو، لا يزدادُ إلا زُهدًا وورَعًا، فيُوزِّعُ الغنائمَ الهائلةَ على الناس، ولا يُبقي منها شيئًا، لا لنفسه ولا لورثته، فلم يبني القصور الضخمة، ولم يركب المراكبَ الفخمة، ولم يحيا حياةَ الملوك والزعماء.

وحتى أنه حينَ يلقى ربه، يلقاهُ وقد أثَّر الحصيرُ في جنبه، ودِرعهُ مَرهُونةٌ عند يهوديٍّ في كومةٍ من شعير، هكذا عاشَ حياتهُ كُلها، وإلى اللحظة الأخيرة، لم يتغيّر فيهِ شيء.

ولعاقل أن يتساءل: أنّى لشخصٍ ما أنّ يدّعي النبوةِ كذبًا، وأنّ يعرّضَ نفسهُ لأشدِّ أنواعِ المخاطر والمهالك، وأنّ يتحمَّلَ في سبيل ذلك ما لا يحتملهُ بشر، ثم يظلُّ طوالَ عُمرهِ زاهدًا في الدنيا مُعرِضًا عن زخارفها، حارمًا نفسه من أبسط متعها. فلِمَ الكذبُ إذن؟. ولمَ كل هذا التعب والحرمان الطويل؟.

إنَّ الكاذبَ مهما عظمَ هدفهُ وأشتدَّ طمعه، فلن يَحرِم نفسَهُ كلَّ هذا الحرمان، ولن يُعرِّضَ حياتَهُ للخطر والتهلكة.

فإن قالَ قائلٌ: إنما كان يبحثُ عن التعظيم والرئاسةِ وقد حصلَ عليها. فالجوابُ: انهُ كان أبعدَ الناسِ عن ذلك، وكان ينهى أصحابه قائلًا لا تطروني، إنما أنا عبدٌ فقولوا عبدالله ورسوله.

وإذا نظرت في سيرته إلى نهايتها، فلن تجدَ أنه قد شيَّدَ قصرًا يمارسُ فيه مظاهرَ السلطةِ والعظمة، أو أنه اتخذَ مجلسًا خاصًّا بذلك على عادة أهلِ الرياسةِ والزعامة، ولا كان يسمحُ للرجال أن يقفوا عند رأسهِ وهو جالسٌ على الطريقة المعتادةِ عند الملوك وأهلِ الإمارةِ، بل لم يكن يتميزُ عن جلسائه بأيّ مظهرٍ من مظاهر التميز، حتى أنّ الغريبَ إذا دخلَ عليه مجلِسهُ، لا يعرفهُ حتى يسأل: أيكم محمد؟!، وكان ينهى أصحابهُ عن القيام له إذا دخلَ عليهم، وكان يشتري حاجاتهِ بنفسه، ويساعدُ أهلَ بيتهِ في مهنتهم، وكانت الجاريةُ تأخذُ بيده وتذهبُ به ليساعدها في بعض المهامِ التي طُلِبَ منها تنفيذُها. ومعاذُ بن جبلٍ رضي الله عنه حين رأى الناسِ في الشام يسجدون لملوكهم عند الدخولِ عليهم. أراد أن يفعلَ مثل ذلك للنبي ، فنهاهُ عن ذلك، إلى غير ذلك من عشرات التصرفاتِ والأفعالِ التي تقطعُ ببُعد صاحبها عن حُبِّ الجاهِ والسلطنة، وعدمِ اكتراثهِ بأيّ مظهرٍ من مظاهرها، فضلًا عن أن يكذبَ ويدّعي النبوةَ من أجلها.

فالعاقلُ المنصفُ يجزمُ باستحالة هذا، وإلا كيفَ تكُونُ حياتهُ كُلها من أولها لآخرها زُهدًا منقطعَ النّظير، وصبرًا على شظف العيشِ عجيب، وتحمُّلًا للأذى ليسَ لهُ مثيل، وثباتًا على ما يدعو إليه لا يتزحزحُ عنه ولا يميل، هذا واللهِ لا يكونُ إلا من رجُلٍ صادق. وواللهِ لو كانَ محمدٌ كاذبًا وحاشاه، لما استطاعَ أن يرفُضَ كلَّ تلك العروض والإغراءات القوية. لكنه كما قال تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد} [سبأ:47].

وهكذا يتبيَّنُ لكل منصفٍ أنَّ زهدَ الرسول وصمودهُ أمامَ الإغراءات، برهانٌ من أعظم البراهين القاطعةِ على صدقه، وأنه نبيٌّ مرسلٌ ومؤيدٌ من ربه، ومن لم يقنعه هذا، فلن يقنعهُ برهان، ولن يهديه بيان. ومع ذلك ففي المقال التالي، سنعيشُ مع شاهدٍ آخر من شواهد الصدق النبوي.

فنسألُ اللهَ أن يشرح صدورنا جميعًا للحق، وأن يهدينا سواء السبيل.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق