بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
من طبيعةِ العقولِ السليمةِ أنها لا تُسلِّمُ للدعاوى إلا بحجةٍ بيّنةٍ، ولا تقبلُ مسألةً فيها خلافٌ إلا بدليلٍ صحيح وبرهانٍ قاطعٍ يورثُ اليقين ويُزيلُ الشك. وكلما عظُمَت الدعوى، عظمت المطالبةُ بالدليل.
وحين يأتي رجلٌ فيقوُلُ إنه رسولٌ من عندِ الله، وأنه مؤيّدٌ بالوحي، وأن طاعتهُ فريضة، وأنَّ النجاةَ مُعلّقةٌ بتصديقه واتباعه، فللعقل أن يقفَ ليسأل سؤالًا بديهيًا: وما الدليل على صحة هذه الدعوى العظيمة؟.
وحيثُ أنَّ الأدلةَ التي تثبتُ صدقَ الرسولِ ﷺ كثيرةٌ ومتنوعة، فقد اخترت منها اثنا عشر دليلًا مختلفًا. أفردتُ كلًّ منها في مقالٍ مستقل، لتشكل في مجموعها سلسلةً من المقالات المتآزرة، تشهدُ على صدق الرسولِ ﷺ شهادةً لا يبقى معها أدنى ريبٍ ولا شك. (والسلسلةُ كلها منشورةٌ في هذا الموقع المبارك بحمد الله). وفي هذا المقال سأتناولُ الدليلَ الرابعَ منها وهو: إعلانُ الرسولِ ﷺ المبكرَ لعالميةَ الرسالة.
أيّها القارئُ الكريم: لقد كان العربُ قبل البعثةِ المحمديةِ قبائلَ متفرقة، لا سلطةَ موحدةَ تجمعهم، وما لهم من قوةٍ تُذكرُ بين سائر الأمم، بل كانوا على هامش التاريخ، تمزقهم الصراعات الداخلية، وتتحكم فيهم مطامعُ الإمبراطوريات الكبرى، فارسُ من جهة، والروم من الجهة الأخرى، لا يلتفت إليهم أحدٌ باهتمام، ولا يحسبُ لهم أحدٌ أيَّ حساب، وفي وسط هذا الضعف والتمزق، وبينما النبي ﷺ ما يزالُ في أول دعوته، لا يملكُ جيشًا، ولا دولةً، ولا قوةً ظاهرة، وأصحابهُ يُعذَّبون أمام عينيه، ويُطاردُ هو نفسه ويُحاصرُ في الشعب، ولا يستطيعُ دفعَ الضرُّ عن أقرب الناسِ إليه، في هذا السياق المليء بالضيق والاضطهاد، يُعلن بكل وضوحٍ وثباتٍ، أنه رسول اللهِ إلى الناس كافة. فهو ليس مرسلٌ لقريشٍ وحدها، ولا لسائر القبائلِ العربيةِ فحسب، بل ولمن وراءهم من الأمم جميعًا، بمن فيهم فارسَ والروم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء:107].
ولم يكن هذا الإعلانُ المبكر مجردَ دعوىً نظرية، أو دعاية محليةٍ. فما إن هدأت الجبهةُ الداخلية، بعد صلحَه مع قريشٍ في الحديبية، حتى قامَ بالفعل بمراسلة قيصر الروم، وكسرى فارس، وغيرهم من زُعماء الدّنيا وأباطرتها في زمانه، يدعوهم إلى الإسلام، ويحدّثهم من موقع القوةِ والندية. وهو لا يزالُ في قلةٍ قليلةٍ من اتباعه، وفي وضعٍ اقتصادي صعبٍ للغاية. فيبعثُ إلى عظيم الروم قائلا: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أسلِم يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ». ويبعثُ إلى كسرى ملك فارس، فيقول: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الْمَجُوسِ».
إنها ليست رسائلَ عادية، وإنما إعلانٌ صريحٌ لعالمية الرسالة، وفي وقتٍ مبكر، وفي وضعٍ لا مجالَ فيه للمقارنة. فكيف لرجلٍ ليس لديه من أسباب القوةِ والمواجهةِ شيء، أن يخاطبَ من يملك نصف الأرض، قائلًا له: أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإنّ عَلَيْكَ إِثْم أتباعك.
حُقَّ واللهِ للعقل أن يقفَ مندهشًا أمامَ هذا الخطاب الجريء، وأن يتساءل:
أليسَ من العقل والمنطقِ أن يكتفي بدعوة قومهِ والقريبينَ ممن حوله، أو على الأقل أن يقتصرَ على شبه الجزيرةِ العربية؟.
أليس من مقتضى الفطنةِ البشريةِ أن يكونَ الخطابُ في مثل هذا الموقفِ دبلوماسيًا، يفيضُ بعبارات التقديرِ والمداراة، علَّهُ يصلُ إلى هدفه بطريقةٍ آمنة.
ما الذي يَدفعُ رجلًا لا يملكُ من أسباب القوةِ شيء، أن يخاطبَ أعظمَ ملوك الأرضِ في زمانه، بأسلوب الندّ للندّ، وأن يبدأَ باسمه قبل أسمائهم، وأن يحدثهم بكلّ ثقةٍ ويقين عن سيادة دينهِ للعالم كله، وأن يخاطبهم بصيغة الأمر: أسلم تسلم، ثم يحذرهم وينذرَهم: فإن أبيت فإنَّ عليك إثم أتباعك.
لماذا يُغامرُ بمخاطبة أقوى ملوك الأرض، ويستفزهم بتلك الدعوات وذلك الأسلوبِ الجريء، والذي سيعتبرونهُ تحديًّا لهم، ومُنازعةً لسُلطانهم. فإن كان ولا بدَّ من مخاطبتهم بتلك الطريقة، فلينتظر حتى يعلو أمرهُ، ويشتدُّ عُوده، ويكثرُ أتباعه، ويقوى سلطانه.
إنَّنا أمامَ أحدِ رجلينِ لا ثالثَ لهما:
فإمّا أنه أحمقٌ مجنون، لا يعي عواقِبَ ما يقومُ به (وحاشاه)، وإمّا أنَّ يكونَ رسولًا صادقًا، مؤيدٌ من ربه، يرى بنور اليقينِ ما لا يراهُ غيره، ولذا فهو على ثقةٍ مُتناهيةٍ بأنّ الله معه، وأنّ ما وعدهُ ربهُ سيتحققُ لا محالة، وأنَّ رسالتهُ ستبلغُ الآفاق.
فإذا كان الاحتمالُ الأولُ لا يتوافقُ مع ما يتصفُ به الرسولُ ﷺ من ذكاءٍ ورجاحةِ عقلٍ وحُسنِ تصرفٍ، فلم يتبقَى إلا الاحتمالُ الثاني: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ:28].
وحين تمضي السنوات، ويموتُ صاحبُ الرسالة ﷺ، فإذا بالأقدار تسوقُ أصحابهُ الكرام، الذين كانوا بالأمس قليلٌ مستضعفون، ليكتسحوا في وقتٍ واحدٍ مملكتي فارسَ والروم، فيفتحوا حصونهم، ويهزموا أساطيلهم، ويقضوا على سلطانهم، ويسيطروا على سائر مدنهم وبلداتهم، وليُعلوا فيها كلمةَ لا إله إلا الله، فتتحقق نبوءة النبيّ الكريم ﷺ كما أخبر تمامًا، وكأنما كان ﷺ يرى ذلك بنفسه رأي العين.
نعم لقد تحول ذلك الإعلانُ المبكرُ الذي سبقَ وأن أعلنه النبي ﷺ في أيام الضعفِ والقلة، تحولَ إلى واقعٍ مدوي يملأُ الأسماعَ والأبصار.
هنا تقفُ العقولُ السليمةُ لتقول: هذه ليست حماسةُ بشر، ولا مغامرةُ إنسانٍ محدود الأفق. هذا صوتُ نبيٍّ واثقٍ من أمره، مطمئنٌّ إلى نصر ربه، مُوقنٌ أنّ الرسالةَ التي يحملها قدرٌ لا يُردّ، ووعدٌ لا يتخلف. {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز} [المجادلة:21]. {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد} [غافر:51].
وهكذا يتبيَّنُ لكل منصفٍ أنَّ إعلان الرسول ﷺ المبكر لعالمية الرسالةِ برهانٌ من أعظم البراهينِ القاطعةِ على صدقه، وأنه نبيٌّ مؤيَّدٌ من ربه، ناصحٌ في دعوته، مخلصٌ في تبليغه، ومن لم يقنعهُ هذا، فلن يقنعهُ برهان، ولن يهديه بيان. ومع ذلك ففي المقال التالي، سنعيشُ مع شاهدٍ آخر من شواهد الصدقِ النبوي.
فنسألُ اللهَ أن يشرح صدورنا جميعًا للحق، وأن يهدينا سواء السبيل.