فوائد من درس دلائل الإعجاز 80

135
6 دقائق
20 شوال 1447 (08-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف.

يوم الأحد 27 من شعبان 1447ه الموافق لـ 15 من فبراير 2026م.

*وهو المجلس الأخير قبل شهر رمضان*

• لا شكَّ في إن المسائلَ البيِّنةَ الوقوفُ عندها مَضْيعةٌ للوقت، إلا إذا كان فيها خفيٌّ غيرُ ظاهر فيُنبَّه إلى هذا الخفيِّ غير الظاهر.

• القضيةُ الأساسيةُ هي إن العربَ كانوا مِن أعلمِ الناس بفَضْل البيان وتفوُّق الكلام على الكلام، فلما سمعوا ما أنزله الله على رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم أيقنوا يقينًا قاطعًا بأنه ليس من كلامهم، وأنهم لا سبيلَ لهم إلى معارضته، ولا إلى إن يأتوا بسُورةٍ من مثله، وأن ما حَفِظوه هم وآباؤهم مِن شِعْر الأوَّلين والآخِرين لا يُقارِب سطرًا مِن الذي أنزلَه الله على رسوله، وأن الذي أنزلَه الله على رسوله كلُّ ما فيه لا طاقةَ لمخلوقٍ، ولا لأجيالٍ، ولا لأُمَمٍ من الإنس ومن الجِنِّ، إن يأتوا بسطرٍ منه، وهذا هو الإعجازُ، وهذه هي النُّبوة.

• نحن آمنَّا بأنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله إيمانًا تَزول الرَّاسياتُ ولا يَزول مِن نفوسنا؛ لأن هذه حقائقُ لا يُنكرها إلا من يُنكر العقل، ومن يُنكر وجودَه، ومن يُنكر نَفْسَه، ومن يُنكر نَفَسَه؛ لأن نَفَسَك الذي تتنفَّسُه هو برهانٌ من براهين الألوهية.

• تعليقًا على عبارة: «فانطلقَ فرَاثَ» الواردة في خبر سبب إسلام سيِّدنا أبي ذَرٍّ، قال شيخُنا: لو إن أُذنَك أُذنٌ جيدةٌ وطيبةٌ وتُدرك الطيِّب لوقفتْ عند «فانطلقَ فرَاثَ»، يا سلام على الإيجاز والسُّهولة وحلاوة البيان! فإذا أخطأتَ هذا ولم تَنتفعْ به فلن تَنتفعَ بأيِّ شيءٍ آخر بعد ذلك، إلا انتفاعًا سطحيًّا ظاهريًّا «تُبَعْبِع» به، والانتفاعُ الذي يُفيدني في «البَعْبَعة» لن تتقدَّم به أرضي، ولن يَحمِيَ أرضًا، إنما تتقدَّم البلادُ بالعقول الرَّائعة، وتُحمَى البلادُ وتُحفظ الدِّماءُ بالعقول الرَّائعة.

• إذا كثُرت السطحية في شَعبٍ فتأكَّد أنه ضائع، وليس هو الضَّائعَ فحسْب؛ لأن ضياع مثلِه لا قيمةَ له، وإنَّما الأرضُ تَضيع، الدِّماءُ تَضيع، الأعراضُ تَضيع، الثقافاتُ تَضيع، التاريخُ يَضيع، كلُّ ذلك مِن غفلة الغافلين، وكلُّ ذلك تَحمِيه يَقظةُ اليَقِظِين.

• كلُّ مَن لا يَعمل على إيقاظ شعبه بكلِّ ما فيه من طاقةٍ فهو مُضيِّعٌ لشعبه، ومُضيِّعٌ لأرضه، ومُضيِّعٌ لكلِّ شيء.

• «المرءُ بأصغرَيْه؛ قلبِه ولسانِه»، وهما بمنزلة «أصْغَر» واحد؛ لأن اللِّسان لا يَنطِق إلا بما يُملِيه القلب، ولو لم يوجَد قلبٌ لم يوجَد لسانٌ؛ لأن اللِّسانَ لا يَنطِق إلا بما يَفيضُ عليه به القلب، فكأن المرءَ ب«أصْغَر» واحد، وسيِّدُنا قال: «بأصغرَيْه» حتى يُبيِّن للناس، ثم يُحدِّد الناسُ المعانيَ، وعليك أنت إن تفكِّر: هل اللِّسانُ يَصنع معرفةً! اللِّسانُ ليس إلا ناطقًا بالذي يَجري في القلب، فكأن الحديثَ ينتهي إلى إن المرء ب«أصْغَر» واحد، وهو القلب.

• الإنسانُ هو العقل، والوطنُ هو العقل، والتقدُّمُ هو العقل، والقوَّةُ هي قوَّة العقل، والضَّعفُ ضَعفُ العقل؛ فقوموا واقعدوا بتنمية عقولكم، وتزكية عقولكم، وتثقيف عقولكم، وتربية عقولكم، وإلا فأنتم والجحيم سواءٌ.

• تعليقًا على قصَّة إسلام سيِّدنا أبي ذَرٍّ التي أوردها الإمام عبد القاهر في الفقرة رقم (9) من «الرِّسالة الشَّافية»، قال شيخُنا: ظاهرُ القصَّة بسيطٌ جدًّا، تلميذُ الثانوي يَعْرِفُه، إنما المهمُّ هو إن نُبوَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم كانت ظاهرةً ظهورًا لا يَخْفَى حتى على الرَّجل الذي مرَّ ب«مكَّة»، وأن أُنَيْسًا الغِفاريَّ هذا لم يكن أعلمَ بالكلام من «قريش»، لكنَّه لمَّا سمع القرآنَ أيقن في هذه اللحظات إن محمَّدًا على حقٍّ وأنهم على باطل. هذا هو المَغْزَى من القصَّة.

• قلتُ لكم مِن أوَّل ما لقيتُكم: احذرْ إن تقرأ ما يُدهِش ولا تندهش، وأن تقرأ ما يُعْجِب ولا تَعْجَب. لا بدَّ إن يظلَّ عقلُك حيًّا.

• تعليقًا على قول أُنَيْسٍ الغِفاريِّ: «إن الله تعالى أرسلَه»، قال شيخُنا: حين تقرأ بوعيٍ شديدٍ ستُدرك إن «أُنَيْسًا» يَعلمُ إن هناك إلهًا يُوصَف بكلِّ كمال ويتعالَى عن النَّقْص، ومن ثمَّ تَعرف ما كان عليه «اليَمَنُ» في دِينهم من كلمةِ «أُنَيْس»: «إن الله تعالى أرسلَه».

• العدوُّ ليس عدوًّا عاديًّا؛ قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}، ربُّنا خالِقُ الخَلْق وهو أعلمُ بهم قال: {لَتَجِدَنَّ} بلام القَسَم، وأكَّد بنون التوكيد الثقيلة، و{لَتَجِدَنَّ} تعني أنكم ستَرَوْن ذلك بأعينكم لا من إخباري إيَّاكم به فقط، وقال: {أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً}، ثم قدَّمه على «المشركين» وقال: {الْيَهُودَ}؛ فإذا لم تُوقِظْك هذه الكلمةُ من ربِّ العالمين فأنت وقومُك ضائعون، إذا لم تُوقِظْ هذه الكلمةُ؛ صَوتُ الحقِّ الذي لا ريب فيه، والذي لا يأتيه الباطل. كبيرَكم وصغيرَكم فأنتم الذين اخترتُم الضَّياع، لا إن العدوَّ هو الذي تفوَّق، العدوُّ لا قيمةَ له، وإنما الذي جعله يتفوَّق هو تَفاهتُكم وضَعفُكم، لم يَغلِبْنا بتفوُّقه، وإنما غلَبَنا بضَعفنا الذي صنعناه بأيدينا.

• تعليقًا على قول «قريش» عن سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: «شاعرٌ، ساحرٌ، كاهن»، قال شيخُنا: هذه الكلماتُ الثلاثُ هي التي شاعتْ على ألسنة العرب، والمُشكِل إن «قريشًا» وَصفتْ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بما هي على يقينٍ من أنه وصفٌ كاذبٌ؛ لأن «قريشًا» كلُّ مَن سَمِع منها سطرًا مما أنزله الله على «محمَّد» أيقنَ أنه عبدُ الله ورسولُه، لا شكَّ في ذلك، وهذه هي الحكمةُ في إن الله جعل هذا الجِيلَ أعلمَ أجيال أهل الأرض بفَضْل كلامٍ على كلام، وجَعَل «محمَّدًا» صلَّى الله عليه وسلَّم أفصحَ الناس؛ لأن معجزتَه من باب الفصاحة، وهي غالبةٌ لفصاحته هو.

• «لُغة العِلم عِلمٌ، وطريقةُ عَرْض العالِم للعِلم عِلمٌ». أقولها وقد أبرأتُ ذمَّتي.

• أنا لن أُعلِّمك، وإذا كنتَ معتقدًا إن أحدًا في الدُّنيا سيُعلِّمك فأنت مخطئ، وإنما أنت الذي تُعلِّم نفسَك، أنزل الله الكتابَ الذي هو هدًى ونورٌ ورحمةٌ وتَرَكَه للناس؛ يَهتدي من يَهتدي، ويَضِلُّ من يَضِلُّ؛ لأن الذي يَهديك هو أنت، والذي يُضِلُّك هو أنت، والذي يُعلِّمك هو أنت، والذي يُبقِيك جاهلًا هو أنت، والذي يُحْيِيك هو أنت.

• هناك نعمةٌ أنعم الله بها علينا لكننا دمَّرناها؛ هذه النِّعمةُ هي أننا حَفَظْنا القرآن ونحن في عُمْر عشر سنين، ولم تكن فينا القدرةُ على التفكير والتدبُّر، ثم أبقينا القرآنَ مع العُمر الطويل والقدرة على التفكير والتدبُّر على ما كان عليه ونحن أطفالٌ في الكُتَّاب نقرأ ولا نتدبَّر.

• تدبُّرًا لقول الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ} وقوله تعالى: {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا}، قال شيخُنا: عباراتُ القرآن تَشدُّ النَّفسَ الإنسانيةَ إلى التعاطف والتراحُم والتَّحابِّ والتَّوادِّ، وتُخرجهم من أَتُونِ البغضاء والأنانية. افهموا ذلك، هذا هو دِينُ الله.

• تعليقًا على قول الوليد بن المُغيرة: «والله إن له لحَلاوة»، قال شيخُنا: لاحظْ إن وثنيةَ الجاهليين كان وراءها إيمانٌ بالله، ولذلك قال بعضُ المفسِّرين إن وثنيةَ العرب غيرُ وثنية قوم «إبراهيم»؛ لأن العربَ كانوا يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلى اللَّهِ زُلْفَى}، ووثنية قوم «إبراهيم» لم يكن وراء الوثنية إله، وإنما هو الوَثَنُ وحدَه.

• لو حَفِظتَ قصَّة الوليد بن المُغيرة مع سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وانتهى الأمرُ فأنت لم تَعْلَم إلا ظاهرَ العِلم، لكنْ حين تَعلَمُ ما قاله الكرامُ في التعليق على كلام «الوليد»، وأنه خرَج لحرب «محمَّد» صلَّى الله عليه وسلَّم وهو على يقينٍ بأن «محمَّدًا» صادِق، وهو على يقينٍ بأنه على باطل، وأن هذا اليقينَ القاطعَ بصِدق «محمَّد»، واليقينَ القاطعَ بباطله، هَزَّ السَّيفَ في يده؛ فكانت حروبُ «قريش» ل«محمَّد» أوهنَ حُروب «قريش»؛ لأنهم خرجوا يحاربون الصَّادقَ الأمينَ الذي هو على الحقِّ وهم على الباطل، فلمَّا فتح الله أقفالَ قلوبهم وحاربوا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا مِن أشدِّ الناس ضراوةً في حروب المشركين.

• تعليقًا على قول الوليد بن المُغيرة: «والله إن له لحَلاوة، وإن عليه لطَلاوة، وإن أسفلَه لَمُعْرِق، وإن أعلاه لمُثمِر، وما يقول هذا بشرٌ»، قال شيخُنا: لا بد إن تتعجَّب مِن إقرار «الوليد» بلسانه بأن هذا الذي يقولُه «محمَّد» ليس من كلام البشر، رغم أنه لم يأخذْ من «محمَّد» موعظةً، ولم يسمع إلا سطرًا واحدًا، هو قولُه تعالى: {إن اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.

• تعليقًا على قول الوليد بن المُغيرة: «والله إن له لحَلاوة. إلخ»، قال شيخُنا: «الوليد» رائعٌ جدًّا؛ لأنه لم يَحْبِسْ ما وَجَد. أرأيتَ طُرْبةَ نَفْس «الوليد» بما سَمِعَتْ، وكيف أسكنتْ طُرْبتَها في هذا السَّجع الرَّائع!

• «قريشٌ» يا سادة كانت أوْهَنَ الناس في حرب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، و«قريشٌ» يا سادة كانت أشدَّ الناس ضراوةً في الدِّفاع عن دِين الله.

• لمَّا كان هذا المجلسُ هو المجلس الأخير قبل شهر رمضان، قال شيخُنا لحضور الدرس: ليس لي وصيةٌ في رمضان إلا القرآن، رمضانُ شهر القرآن؛ فاشغلْ نفسَك بالقرآن، والله يتقبَّل منا ومنكم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


أضف تعليق