ترانيم التوحيد ويقظة العقل الغافل

2 دقائق
9 صفر 1448 (25-07-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

في موكب النبوة الخالد، يقف الخليل إبراهيم عليه السلام شاهدًا على قضية الوجود الكبرى، ومحاججًا قومه بمنطقٍ يكسر غلاف البلادة عن العقول، ويقذف بنور الحق في ظلمات الأوهام، في لحظة مواجهة لم تكن مجرد مرافعة عابرة، بل زلزالًا يقتلع جذور الوثنية والتعلق بغير الله.

إذ يبدأ السجال القرآني بسؤالٍ إنكاريّ يفيض عتبًا وحسرة عن عبادة ما لا ينفع ولا يضر، وهو سؤال يضع الفطرة الإنسانية وجهًا لوجه أمام عجزها حين تصنع بيديها أوهامها.

ويا لَبؤس الإنسان حين يستبدل بالخالق العظيم، الممسك بمقاليد السماوات والأرض، جمادًا أصم أو سببًا عاجزًا، فالعبادة في حقيقتها هي غاية الذل مع غاية الحب، ولا تليق هذه المنزلة إلا بمن يمسك بمقاليد الأمور وبيده ملكوت كل شيء، ومن رحم هذا البيان ينبثق توجيهٌ عظيم للمؤمن بأن يقطع حبال التعلق بالأسباب المادية، فالالتفات إليها بالكلية شرك في التوحيد، وتركها بالكلية قدح في التشريع.

وإنما اليقين الحق هو إعمال الجوارح في السبب وعكوف القلب على المسبب وحده، وحين لا ينفع التلميح مع العقول الغافلة، يأتي التصريح مدويًا، وتتحول نبرة الخليل إلى الإنكار اللاذع والغضبة الإيمانية في قوله أف لكم ولما تعبدون، وهي لفظة ليست مجرد ضجر، بل إعلان للبراءة التامة، واستقباحٌ لفعلةٍ تنحدر بالإنسان من علياء كرامته إلى حضيض التبعية للعدم، ليختم المحاجة بقرعِ أجراس العقول وتسجيل التوبيخ على غياب الوعي.

فالتوحيد هو النداء الفطري الذي يستجيب له كل عقلٍ سليم لم تلوثه عادات الجاهلية ولا أهواء النفس، وإن تعطيل الفكر عن تدبر آيات الله الكونية والشرعية هو أولى خطوات الضلال، وبداية السقوط في مستنقع الباطل، ليتضح إن هذا البيان الإلهي لا يُراد منه إن يبقى حبرًا في السطور، بل نبضًا يتحرك في واقعنا عبر حراسة القلب، بأن تلهج الألسن بكلمة اليقين -حسبي الله ونعم الوكيل- عند كل كرب، وأن يكون الملاذ الأول للروح هو المحراب بالدعاء والاستعانة، مستحضرين دائمًا إن الضر والنفع بيد الله وحده، وأن البشر ليسوا إلا أسبابًا مسخرة تجري عليهم أقدار الخالق، مع إحياء التأمل عبر وردٍ يومي من القرآن يُقرأ بوعيٍ وتدبر، لتزداد القلوب إيمانًا مع إيمانها.

فالإيمان الذكي هو الذي يبصُر بصمات القدرة الإلهية في كل تفاصيل الوجود، والصدع بالحق برفق الحكمة بأن نرفض الباطل بأشكاله كافة فلا نُجامله على حساب الثوابت، بل نُنكره ونصلحه بالأسلوب الشرعي الحكيم، مستشهدين بموقف الخليل الذي عابَ الفعل ولم يترك السعي في هداية الفاعل، إنها دعوةٌ متجددة يصيغها الوحيُ لتطهير القلوب من شغف التعلق بغير الله، ليبقى العبدُ موصولًا بمولاه، عزيزًا بتوحيده، مستنيرًا بعقله.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق