بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
من أسرار القسوة التي تزحف إلى قلوبنا إن نعتاد النعمة حتى نفقد دهشتنا بها؛ فيصبح النوم مألوفًا حتى ننسى إن في الأرض من يفاوض الأرق كل ليلة، ويصبح الصباح عادةً عابرة حتى نغفل عن ذلك الفيض الخفيّ من العافية الذي نستقبله مع أول لحظة من يومنا.
نتأمل كيف نستقبل صباحنا وفي أجسادنا قلوبٌ تعمل في صمت، ورئاتٌ تتقاسم الهواء دون إن نستأذنها، وعيونٌ تحفظ لنا الطريق، وذاكرةٌ تجمع ملامح الأحبّة، وأقدامٌ تحملنا إلى مقاصدنا. كم من النعم تمرّ بنا متخفّية في ثياب العادة حتى نظنها من حقوقنا، وهي في حقيقتها هدايا متتابعة من الكريم سبحانه.
والحياة أوسع جمالًا مما تراه النفوس المتعبة حين تحدّق في باب الفقد وحده؛ ففي الزوايا القريبة نعمٌ صغيرة، ولكنها عند أهل البصيرة كنوز: صوت أمٍّ تدعو، وصديقٌ يذكّر بالله، وابتسامة طفل، وقدرة على قراءة سطر، وخطوة تمضي بها القدم، وسلامة عقل، وهدوء يومٍ يمرّ بلا فاجعة، وستار من الله مسبل على عيوبٍ لو ظهرت لانكسرت في أعين الناس صورٌ كثيرة.
والعجيب إن أبصارنا كثيرًا ما ترتفع إلى ما ينقصنا، بينما حولنا نعم تحتاج قلوبًا متفكّرة فقط؛ نتفكّر في نعمة الستر؛ في أشياء أخطأنا فيها ثم سترها الله، وفي لحظات ضعفٍ مرّت وجعلها الله محجوبة عن أعين الخلق، وفي دعواتٍ خفيّة صرفت عنا بلاءً ما شعرنا بقربه. كم من حادثة كان يمكن إن تغيّر مسار أعمارنا، فتكفّل لطف الله بإبعادها عنا دون إن نعلم.
وأن يحفظ الله علينا عقولنا، وأهلينا، وسمعتنا، ولقمتنا، وصحتنا؛ فهذه نعمة فوق نعمة. وحتى الأشياء المؤجلة قد تكون رحمة مؤقتة، يخبئ الله فيها توقيتًا أجمل، ويصرف بها عنا ما يثقل أرواحنا لو جاءنا في غير أوانه.
السماء ما زالت تفتح أبواب رزقها كل يوم، والشمس تشرق على المطيع والمقصّر، والرزق ينزل، والعافية تمتد، واللطف يحيط، واستغفارنا قليل، وأعمالنا يعتريها النقص، وذنوبنا تصعد، ومع ذلك يظل باب الكريم مفتوحًا. وهنا يولد الحياء الحقيقي؛ حياء القلوب من ربٍّ أحسن إلينا أكثر مما أحسنّا إلى أنفسنا.
وهذا التأمل يخلّق في النفس حياءً رفيعًا؛ حياء من علم أنه مغمور بالعطاء، محمول باللطف، محروس بالستر، محفوف بالفضل، فاستحيا إن يرى الله منه ما يكره، وقد رأى من الله ما يحب. ولذلك كان عثمان بن عفان رضي الله عنه صورةً رفيعة لهذا المعنى؛ رجلٌ بلغ من شفافية الحياء مقامًا عجيبًا، حتى استأذن على النبي ﷺ، فجلس النبي ﷺ وهيّأ ثوبه، ثم قال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة". أي مقامٍ هذا؟ إن تبلغ رهافة الروح حدًّا يجعل الملائكة تستحي من صفاء السريرة.
اللهم ارزقنا أرواحًا عثمانية، رقيقة الحياء، بيضاء السريرة، طاهرة المقصد، تعرف قدر النعمة، وتستحي من مقابلة الإحسان بالغفلة، واجعلنا ممن تغمرهم آلاءك فيزدادون شكرًا، وتسترهم رحمتك فيزدادون قربًا.