التهامي نقرة

تونس

حفظ الأستاذ التهامي نقرة رحمه الله القرآن الكريم وبعد أن أتم الدراسة الابتدائية والثانوية التحق بالجامع الأعظم: جامع الزيتونة المعمور ليتلقى على شيوخه الأعلام مختلف فروع الثقافة الإسلامية ويتخرج على أيديهم بشهادة العالمية ونجح في مناظرة التدريس وذلك سنة 1953 ليتولى على إثرها مشيخة الفرع الزيتوني بفريانة. ولم يثنه التدرج العلمي والوظيفي عن المساهمة بقسطه في الشؤون الوطنية سواء كان ذلك قبل الاستقلال أو على إثره حيثما انتقل وحل في تونس العاصمة أو في القيروان (مسقط رأسه) أو في فريانة وغيرها من المدن التونسية التي عمل فيها. ولئن تحمل الدكتور التهامي نقرة رحمه الله بعض المسؤوليات الحزبية والسياسية (كمندوب للحزب بالقيروان) إلا انه ظل يتوق دائما إلى موقعه الأصلي وتخصصه الأساسي كأستاذ ومرب وكباحث دارس لمختلف فروع الثقافة الإسلامية. ونظرا لهمته العلمية وخبرته الإدارية وخلقه الرضي فقد اصطفاه المنعم المرحوم فضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور رحمه الله ليتولى خطة الكتابة العامة للكلية الزيتونية للشريعة الدينية وأصول الدين في فترة دقيقة من تاريخ هذه المؤسسة العلمية والدينية العريقة ساهم فيها الدكتور التهامي نقرة رحمه الله بقسطه مع صفوة بررة من شيوخ الزيتونة الأعلام رحم الله الأموات منهم وحفظ الأحياء في الإبقاء على الزيتونة إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا فقد تداعى عليها من كل صوب وحدب من اعتبروها من مخلفات الماضي الذي ينبغي التخلص منه. وتهيؤا لمستقبل مشرق للزيتونة لم ييأس منه كل مخلص ومحب للزيتونة شمر الدكتور التهامي نقرة رحمه الله على ساعد الجد ليكمل ما ينبغي تكميله من العناوين والألقاب الجامعية وهكذا سجل موضوع أطروحة حول سيكلوجية القصة في القرآن الكريم بجامعة الجزائر ونالها عن جدارة واستحقاق ليتدرج بعد ذلك سلم الرتب الجامعية رتبة بعد رتبة إلى إن أصبح أستاذا للتعليم العالي مختصا في الدراسات القرآنية وهكذا تفتحت للفقيد آفاق جديدة في تونس وخارجها فترأس قسم الدراسات القرآنية. وعند العودة بالكلية الزيتونية إلى سابق تسميتهما وهيكلتها سمي الدكتور التهامي نقرة عميدا لها ولم يلبث إلا بعض الأسابيع في هذه الخطة لينتقل منها إلى رئاسة جامعة الزيتونة بمعاهدها الثلاثة أصول الدين والشريعة والحضارة. ولقد حاول من هذا الموقع العلمي الرفيع أن يجعلها تنطلق للقيام بدورها على أحسن الوجوه : تحصينا وإشعاعا وخدمة لدين الله وكانت هذه المرحلة التأسيسية الجديدة تحتاج إلى جد وكدّ وتضحية وصبر لم يدخر فيها الدكتور التهامي نقرة رحمه الله أي جهد. وازدادت عليه الأعباء والمسؤوليات إذ ضمت إليه رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى في تركيبته وصلاحياته وترأس لجنة التربية الإسلامية المتفرعة عن برنامج الإصلاح التربوي كما ترأس لجنة صندوق الزكاة وكانت هذه المرحلة من تاريخ حياته مليئة بالبذل والعطاء رغم ما اخذ يفتك بجسمه من مرض عضال ظل الدكتور التهامي نقرة رحمه الله يكابده ويعانيه ولكنه لم يستسلم له رغم نصائح الأهل والأصدقاء. ولم تمنع المسؤوليات المتعددة التي تحملها الدكتور التهامي نقرة رحمه الله من مواصلة الحضور الفاعل في الملتقيات والندوات والمؤتمرات داخل تونس وخارجها وفي البلاد العربية والإسلامية وحيثما دعي واستضيف. كما أنه لم يتوقف عن الكتابة والتأليف له طريقته خاصة أسلوبه في التدريس حيث كان يملي على طلابه التلخيص الذي يغنيهم عن عناء البحث والتنقيب. ولقد هيأته فصاحته وبلاغته وجمال أسلوبه في الكتابة والتحرير لكي ينتدب عديد المرات لمهمات علمية في مؤتمرات دولية إما شخصيا أو ممثلا للأمين العام السابق لجامعة الدول العربية. وكان للأستاذ الدكتور التهامي نقرة رحمه الله حضور مكثف في وسائل العلام المقروءة والمرئية والمسموعة فقد نشر عديد المقالات في الجرائد اليومية والصحف الأسبوعية والمجلات الشهرية بالخصوص الدينية منها واذكر وأنا لا أزال تلميذا بالمعاهد الثانوية حرص الدكتور التهامي نقرة رحمه الله على أن لا تفوته الكتابة في كل عدد جديد يصدر عن مجلة “جوهر الإسلام” وكنت أرقب من مكان غير بعيد تلك الجلسات العلمية الرفيعة المستوى التي تجمعه مع الشيخ الوالد الحبيب المستاوي رحمه الله سواء كان ذلك في المقر الأول بنهج سيدي بومنديل بتونس أو في المطبعة بنهج المنجي سليم بتونس العاصمة أو في منزل الوالد بمقرين حيث لا يغيب الدكتور التهامي نقرة رحمه الله عن حضور الجلسة السنوية بمناسبة اختتام كل عام من أعوام المجلة وكان يحضر هذا الحفل العلمي المصحوب بمأدبة غداء كبار شيوخ تونس رحم الله الأموات وحفظ البقية الباقية. ولقد ظلت تربط بين الفقيدين التهامي نقرة والحبيب المستاوي رحمهما الله علاقة ود وحب وتشاور في الصغيرة والكبيرة وكان بينهما انسجام واحترام وتقدير وتشابه في طرق العمل وأساليب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. واشرف الدكتور التهامي نقرة رحمه الله لسنوات عديدة على حصة أسبوعية للتلفزة الوطنية هي حصة الدين والحياة. واشرف أيضا على الصفحة الدينية ليوم الجمعة لجديرة العمل (جريدة الحرية الآن). وفي كل هذه المواقع والمنابر كان أسلوب الدكتور التهامي نقرة رحمه الله بليغا سلسا مؤثرا ييسر ولا يعسر ويبشر ولا ينفر. كتب عديدة وأبحاث ودراسات كثيرة وقد اصدر رحمه الله فضلا عن البحوث والدراسات المنشورة في المجلات (جوهر الإسلام، الهداية) وفي الحوليات والجرائد عدة كتب منها أطروحته التي تحمل عنوان : سيكولوجية القصة في القرآن وقد طبع أكثر من مرة وتتجاوز صفحاته الستمائة وخمسين صفحة وكتاب الاتجاهات السنية والمعتزلية في تأويل القرآن وعقيدة البعث في الإسلام وفي ضوء القرآن والسنة والقيروان عبر العصور وأخبار ملوك بني عبيد وغير ذلك مما لا نستطيع الإتيان على ذكره فقد كان الدكتور التهامي نقرة رحمه الله غزير العطاء لا يتأخر عن المساهمة في أي ندوة يدعى إليها في الداخل والخارج وكانت مساهماته تنال الاستحسان والرضا: فقد حاضر في الندوة الإسلامية بالقيروان وحاضر في الملتقيات الجهوية بمدنين وصفاقس والمنستير كما شارك في اغلب ما كان ينظمه مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية من ملتقيات للحوار المسيحي الإسلامي. هذه الملتقيات التي آمن بجدواها وفائدتها بحيث لم يكتف رحمه الله بحضور دورات تونس بل شارك في دورات اسبانيا ايطاليا وغيرهما. وحضر الدكتور التهامي نقرة رحمه الله الندوات العلمية والدينية التي دعت إليها جامعات المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات وباكستان وغيرها من البلدان الإسلامية وغير الإسلامية ولا شك ان المادة التي ساهم بها في تلك التظاهرات محفوظة لا تحتاج إلى أكثر من حصرها وجمعها وتبويبها وإخراجها لطلبة العلم والمهتمين بالثقافة الإسلامية. أحسن تمثيل لتونس وقد مثل تونس رحمه الله أحسن تمثيل سواء وهو رئيس لجامعة الزيتونة أو هو رئيس المجلس الإسلامي الأعلى وكان مثالا للالتزام الديني والوطني معا وكان محل احترام الجميع. وقد شهد المجلس الإسلامي إبان ترؤسه له عديد المبادرات حيث نظر في مشروع إصلاح برامج التربية الإسلامية ونظر في ما أحيل إليه من مواضيع دقيقة ككتاب قصص القرآن المصورة أو المعاملات المصرفية العصرية أو مشروع قانون التبرع بالأعضاء وزرعها أو مشروع تنظيم صندوق الزكاة التابع لاتحاد التضامن الاجتماعي فقد عقد له الدكتور التهامي نقرة رحمه الله عديد الجلسات واعد له النظام والكتيب الذي بين الأحكام والحكم والأسرار لهذا الركن من أركان الإسلام. وقد ربط الدكتور التهامي نقرة رحمه الله للمجلس الإسلامي علاقات تعاون وتكامل في الداخل مع الهيآت والمنظمات كالاتحاد الوطني للفلاحة والصيد البحري أو في الخارج مع المجالس الشبيهة مثل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر والمجالس العلمية بالمغرب حيث دعي الدكتور التهامي نقرة رحمه الله لكي يحضر الدروس الحسنية التي تعقد بمناسبة شهر رمضان المعظم. والدكتور التهامي نقرة رحمه الله من حفاظ القرآن الكريم المشهود لهم بالمهارة والمعرفة بأحكام التلاوة إذ انه يحمل شهادة العالمية في القراءات وقد ظل إلى سنوات طويلة يصلي إماما للتراويح بأحد مساجد مدينة باردو له صوت عذب بالقرآن الكريم يرتله ولا يكاد يخطئ فيه أو يتعثر ولعل عشرته الطويلة للقرآن الكريم هي التي جعلت أسلوبه جميلا رائعا ومؤثرا على القارئين والسامعين. رحم الله الفقيد العزيز رحمة واسعة واسكنه فراديس الجنان ورزق أهله وأصدقاءه والأسرة الدينية عموما والزيتونية خصوصا جميل الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.