المملكة العربية السعودية
اسمُه ونسبُه ونشأتُه: هو الشيخ الأديب عبد الله بن عمر بن إبراهيم آل الشيخ من ذرية الشيخ حسين ابن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، من أسرة "آل الشيخ" التميمية المشهورة بالعلم والفضل والسياسة في الديار النجدية وشبه الجزيرة العربية.
ولد في مدينة الرياض في شهر ذي الحجة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة (1349ه)، ونشأ في كنف والده القاضي الشيخ عمر بن إبراهيم آل الشيخ (قاضي المحمل)، فاشتد غراسه في حياطة أبيه وعنايته، وكان يحضره مجالس العلم والمشايخ في الرياض وهو في نعومة أظفاره، حتى توفي والده سنة (1367ه) وله من العمر ثماني عشرة سنة، فتابع تحصيل العلم بهمة وذكاء حتى حصَّل من العلم الشيء الكثير.
شيوخُه وطَلَبُه للعلم:
أخذ العلم كابرًا عن كابر، فشرع في القراءة والكتابة مبكرًا، وقرأ على ثلة من كبار علماء وفقهاء زمانه، ومنهم:
* والده الشيخ عمر بن إبراهيم آل الشيخ قاضي المحمل
* الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ قاضي شقراء
* مفتي الديار النجدية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ
* الشيخ القاضي عبدالعزيز بن ناصر الرشيد وغيرهم.
ثم التحق بالمعهد العلمي بالرياض إبان افتتاحه في السبعينيات الهجرية بالرياض، وتلقى فيه عن أكابر العلماء الذين كانوا يدرسون فيه وفي كلية الشريعة، ومنهم: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد، والشيخ عبد الرحمن الأفريقي، والشيخ عبد اللطيف سرحان. وتلقى عنهم علوم العقيدة، والفقه، والنحو، والعربية، وأخذ الفرائض (عن الشيخ ابن باز).
ثم تخرج في كلية الشريعة بالرياض سنة (1380ه)، وكان في طليعة الدفعات الأولى المتخرجة فيها، وهي الدفعة المباركة التي ضمت كبار العلماء، ومنهم سماحة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان (مفتي عام المملكة).
سؤال فقهي مفاجأ من الشيخ محمد بن عبداللطيف:
من ذكرياته القديمة في مجالس العلم في الرياض في حدود عام 1366ه، كان الشيخ عبدالله يذهب إلى بيت الشيخ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ (رحمه الله) في حي "المريقب" العريق بالقرب من قصر المربع، لينهل من علمه وفقهه. فالشيخ محمد بن عبداللطيف مدرسة في التربية والتعليم، إذ كان يتعمد مفاجأة طلابه بالأسئلة الفقهية الدقيقة أثناء الدرس؛ ليمتحن نباهتهم، ويقيس مدى تيقظ أذهانهم وعدم غفلتهم، وفي أحد تلك المجالس، التفت الشيخ محمد مباغتًا الشيخ عبدالله بن عمر آل الشيخ بسؤال فقهي غير متوقع، قائلًا: "ما تقول في عبادة إذا فعلتها في وقت، لم يفعلها في الوقت نفسه أحد على وجه الأرض غيرك؟ "ساد الصمت للحظات، وتأمل الشيخ عبدالله السؤال بعمق، ثم التفت إلى الشيخ بثقة وذكاء قائلًا:
"تقبيل الحجر الأسود يا شيخ". فأشرق وجه الشيخ محمد بن عبداللطيف إعجابًا بفطنته وسرعة بديهته، ودعا له بكلمات أبوية حانية لا تزال تتردد في الأسماع: "بارك الله فيك ونفع بك. عقلك زاكي يا ولدي".
ترشيحه قاضيًا وإعفاءه من القضاء:
حين رشح سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم الشيخَ عبدالله بن عمر آل الشيخ للقضاء، ضاقت عليه الدنيا لشدة هيبته للأمر. فذهب مستشفعًا بالشيخ عبداللطيف بن إبراهيم، الذي اعتذر لكون الأمر بيد أخيه المفتي.
فقصد الشيخ عبدالله المفتيَ معتذرًا، فجابهه الشيخ محمد بن ابراهيم بحزم قائلًا: "لو أطعناكم وكلٌّ اعتذر، ما بقي أحد لهذا الأمر العظيم". وأخبره إن تعيينه صدر من المقام الكريم، واعدًا إياه بالنقل بعد سنة، لكن الشيخ عبدالله أصر على الرفض دون جدوى.
أمام هذا الانغلاق، لجأ الشيخ عبدالله إلى ابن عمه معالي الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ (وزير المعارف آنذاك)، وكانت بينهما مودة وثيقة. ورغم معرفة الوزير بصعوبة ثني سماحة المفتي عن رأيه، إلا أنه وعدهُ خيرًا؛ ثم رفع خطابًا لسماحة الشيخ محمد يطلب فيها ضم مجموعة من خريجي الشريعة ومنهم الشيخ عبدالله بن عمر لحاجة الوزارة الماسة إليهم مضمنًا الأمر بحرص من الملك سعود.
فوافق سماحة الشيخ محمد على طلب وزارة المعارف، فنجا الشيخ عبدالله من القضاء الذي كان يفر منه وانخرط فرحًا في سلك التعليم الذي كان يراه ميدانه الشغوف.
من طرائف زملاءه في كلية الشريعة:
لم تكن مجالس العلم في الرياض القديمة حكرًا على الفقه والدرس فحسب، بل كانت حافلة بالمواقف اللطيفة والنوادر التي تكشف عن قدرات استثنائية وعلاقات إنسانية عميقة بين العلماء، ومن تلك اللطائف ما جرى للشيخ العابد الصالح الكفيف عبد الله بن محمد بن منيف (رحمه الله) —المدرس بالمعهد العلمي بالرياض— والذي وهبه الله بصيرة نافذة وفراسة عجيبة تعوض كف بصره.
ففي أحد الأيام، دخل عليه الشيخ عبد الله بن عمر آل الشيخ وكان صديقًا له ودلف إلى المجلس صامتًا قبل إن يلقي السلام، ومباغتةً بادره الشيخ عبد الله بن منيف قائلًا:
"عبد الله بن عمر؟ "تعجب الشيخ عبد الله بن عمر من هذه المعرفة الفورية، وتساءل مدهوشًا: "وما أدراك أني هنا؟ "
فأجابه الشيخ ابن منيف بيقين وسكينة وهو يمازحه:
"عرفتك بخطواتك يا شيخ عبد الله، فقد حفظتها حفظًا تامًا؛ فهي خطوات متباعدة وليست متقاربة".
وهي لفتة من العجائب والغرائب التي تدل على مدي دقة حواس الشيخ الكفيف ابن منيف، وقوة حافظته التي لم تقتصر على المتون والعلوم فحسب، بل امتدت لتسجيل أدق تفاصيل رفقائه وطلاب العلم من حوله ومن درس معه بالكلية.
أعمالُه ومناصِبُه:
عقب تخرجه، صدر أمر سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بترشيحه للقضاء، بيد أنه استعفى منه رغبةً عنه، فصدر الأمر بتعيينه معلمًا في وزارة المعارف، ثم أستاذًا للعلوم الشرعية والأدبية بمعهد الدراسات التكميلية بالرياض، وفي سنة (1384ه) صدر الأمر الملكي الكريم بانتدابه رئيسًا للبعثة التعليمية السعودية في الجمهورية اليمنية، وظهرت هناك كفايته وإتقانه، ولما عاد للرياض، رُشح للبعثة مرة أخرى، غير إن وكيل وزارة المعارف آنذاك معالي الشيخ عبد الوهاب عبد الواسع رأى الإبقاء عليه في الرياض لِما توسم فيه من الأهلية والفضل، قائلًا: "إن مثل هذا لا يُفرط به ويكون في مكان أعلى وأرفع لكفاءته".
تدرج في المناصب التعليمية والإدارية على النحو الآتي:
* صدر الأمر الملكي بتعيينه رئيسًا للبعثه السعودية في اليمن.
* صدر القرار الوزاري بتعيينه وكيلًا لمعهد الدراسات التكميلية بالرياض سنة (1386ه).
* عُين مديرًا للمعهد ذاته سنة (1388ه)، فنهض بالمعهد نهضة مباركة، وتخرج على يديه خلق كثير من رجالات الدولة والمسؤولين والمديرين والمعلمين من شتى بقاع المملكة.
* في عام 1391ه عُرض عليه إن يكون مديرًا ل "معهد العاصمة النموذجي" بعد تقاعد الشيخ المربي عثمان الصالح، فاعتذر تقديرًا لمقام الشيخ عثمان ورعاية لقلوب الطلاب الذين ألِفوا والدهم الشيخ عثمان قائلًا: إن طلاب المعهد تعودوا على الشيخ عثمان وهو كالأب لهم ومن سيأتي بعده لن يكون مثله بل لن يقاربه.
* عُرضت عليه إدارة التعليم بمنطقة الباحة من قِبل وزير المعارف، فاعتذر عنها إيثارًا للبقاء في عمله.
مكانتُه وعلمُه ومواقفُه:
كان الشيخ عبد الله رحمه الله رجلًا حازمًا، مخلصًا، ذا حجة بالغة، وفصاحة في اللسان والبيان، وأديبًا بارعًا يسيّر قلمه بالبلاغة. ومما يُذكر من مآثره ومواقفه:
1. موقفه الصارم في اليمن الذي علم عنه الملك فيصل: إبان رئاسة الشيخ عبدالله للبعثة في اليمن، شهد خطبة الجمعة في جامع صنعاء الكبير، فعرج الخطيب على غمز المملكة العربية السعودية ولمزها والتعريض بملكها الإمام فيصل بن عبد العزيز رحمه الله، فلم يملك الشيخ نفسه غيرة على دينه وبلاده، فصعد المنبر عقب الصلاة، وخطب في الناس خطبة بليغة مفحمة، فند فيها مزاعم الخطيب وأبان للناس فضائل المملكة ومواقفها الشريفة، فثارت ثائرة الأشرار وحاولوا النيل منه، فبادرت البعثة بحمايته، فقال قائلته المشهورة: "ما كان لي إن أصبر وأنا أسمع كذبًا ضد بلادي". فلما تناهى الخبر إلى الملك فيصل، بعث إليه ببرقية شكر جزيل على وقفته المشرفة وذبه عن حياض الوطن.
2. شهادة منظمة اليونسكو: زارت بعثة منظمة اليونسكو معهد الدراسات التكميلية سنة (1390ه/ 1970م)، والتقت بالشيخ عبد الله بن عمر، وسجلت في تقريرها إشادة بالغة بمستوى المعهد وقالت: "إذا كان التعليم في المعاهد مثل معهد الدراسات التكميلية، ومثل هذا المدير المميز، فلا خوف على التعليم في المملكة".
3. براعته الأدبية والقضائية: عُرف برقة اللفظ ومراعاة الجوانب الإنسانية حتى في أحلك الظروف؛ حيث صاغَ ورقة طلاقه من ابنة عمه(ابنة قاضي بيشة والطائف الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ) بأسلوب أدبي رفيع عكس قيم المودة والرحمة وتكشف جزء من شخصيته ولازال هذه الورقة يحتفظ بها لجمال لفظها وعذوبة كلماتها.
ومما يُذكر من فقهه وقوة حجته القضائية: أنه وقعت له خصومة في أرض، فلما لم يحكم له القاضي، ثم صاغ دفوعًا متقنة لمحكمة التمييز احتوت على حِجج دقيقة، فنقضت المحكمة الحكم من أربعة عشر وجهًا وحكمت لصالحه، تعجبًا من جودة صياغته وفقهه.
4. تواضعه العلمي: ذكر المربي عثمان الصالح أنه أرسل ملحوظات على مجلة المعهد، فما كان من الشيخ عبد الله إلا إن أخذ بها وعلقها على واجهة المجلة إنصافًا وتقديرًا.
5. علاقته بالعلماء: كانت له علاقة وطيدة بعمه سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن آل الشيخ وزير المعارف حيث كان يتردد عليه دائمًا ويأتيه بالكتب وجديدها وكذلك أخيه الشيخ حسن بن عبدالله بن حسن آل الشيخ وزير المعارف الذي كان محببًا لديه وبينه وبينه علاقة وطيدة وجمعتهم مجالس في الأدب والعلم والثقافة.
6. تعلقهُ بالكتب والعلم: يقول الشيخ صالح الخريجي-حفظه الله-وكان مديرًا لمكتب مدير معهد الدراسات التكميلية: لا أكاد أدخل على الشيخ عبدالله بن عمر -رحمه الله- في مكتبه إلا أجد الكتاب في يده فقد كان حريصًا على الكتاب والثقافة ومتتبع للجديد من الكتب والمجلات في مجال العربية والثقافة.
مكتبتُه النفيسة:
جمع الشيخ رحمه الله مكتبة نفيسة عامرة بأمهات الكتب ونوادر الطبعات في العقيدة والفقه وكتب أئمة الدعوة النجدية وعلوم العربية والأدب، وكانت مشحونة بتقييداته وتعليقاته النفيسة على طُرَر الكتب، وقد أهدى شطرًا منها قبل وفاته لدار الكتب الوطنية التابعة لوزارة المعارف.
وفاتُه:
أصيب الشيخ بمرض عضال عانى منه شديدًا، فكان صابرًا محتسبًا، وصدر أمر جلالة الملك فيصل بعلاجه في المملكة المتحدة (لندن)، بيد إن الأجل كان أسبق، فتوفي في مدينة الرياض في الرابع من شهر ذي الحجة سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة (04/ 12 /1394ه)، وعمره خمس وأربعون سنة. وصُلي عليه بجامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض، وأمّ المصلين عليه سماحة الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ، ورثاه طلابه ومحبوه بلقب "شهيد الواجب"، لِما كان يردده دائمًا لمن يشكره على عمله: "هذا واجب. هذا واجب". رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته وله اليوم ذرية مباركة تقلدوا مناصب حساسة ورفيعة بالدولة منهم:
1- اللواء الدكتور عبدالمحسن بن عبدالله بن عمر آل الشيخ
رئيس ديوان المحاكمات العسكرية ورئيس مجلس القضاء العسكري، والمستشار القضائي بمكتب سمو وزير الدفاع
2- الشيخ محمد بن عبدالله بن عمر آل الشيخ كاتب العدل ونائب سماحة المفتي بجامع الإمام تركي بن عبدالله ووكيل وزارة الشؤون الإسلامية لشؤون أصول وأوقاف المساجد.
يمكنكم المساهمة وإضافة المعلومات من خلال ملئ النموزج التالي:
العلماء والدعاة الأكثر زيارة