محاضن التربية


 

بسم الله الرحمن الرحيم

اهتم الإسلام اهتماماً كبيراً بقضية التربية ، وصدرت العديد من التوجيهات تعلي من شأنها وتنوه بفضلها وخطرها ، كما أن التطبيق العملي للرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه ولصحابته الكرام - رضي الله عنهم - يبقى علامات مضيئة وعلامات مشرفة للتجسيد الممتاز للمعاني والقيم التربوية. ورسالة الإسلام جوهرها إخراج الناس من الظلمات إلى النور... (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور.. ) البقرة: 257.. (أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به بين الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارجٍ, منها.. ) الأنعام: 122. وهذا الإخراج وتلك الهداية لا تنتصب قائمة على أرض الواقع إلاّ بالتربية المستمرة والتوجيه الدائم.

 

والطريق إلى المجتمعات الفاضلة والحياة السعيدة في الدنيا والآخرة يقتضي إيلاء مسألة التربية عناية خاصة وبذل كل الجهود والإمكانات لترسيخ القيم والمبادئ وحراستها وضمان استمرارها. لذلك حرص الأنبياء والمرسلون - عليهم السلام - على وصية أبنائهم بالتمسك بهذه القيم من بعدهم بعد أن اطمأنوا عليها في حياتهم..: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون) البقرة: 132- 133.

 

وإذا ابتغى الناس مجتمعاً صالحاً وجيلاً معافيً عليهم الإهتمام بالنشء تزكيةً وتعليماً وتقويماً ، فهم مادة المجتمع ورصيده المدَخر ، ومن ينجح في صياغة النشء يتحكم في مستقبل المجتمع وتوجهاته ، ومن هنا تأتي خطورة محاضن التربية وإسهامها الفعَال في تشكيل الأجيال وحراسة القيم.

 

أول هذه المحاضن وأعظمها خطراً وأبعدها أثراً هو البيت ، وللأسف فإن معظم الأخطار وأغلب التجاوزات تتدفق علينا من هذه الثغرة ، فمعظم الأسر لا تدرك الدور الملقى عليها تجاه تربية بنيها ، ولا تحسن ـ بالتالي ـ توجيه النشء وتحصينهم من الأمراض الخُلقية التي تنتشر في البيئة المحيطة بسبب الإهمال في المحاضن الأخرى ـ كما سيأتي لاحقاً ـ وبعض أولياء الأمور يحسبون أن التربية هي توفير المأكل والملبس والمأوى وضرورات الحياة المادية دون أن يعيروا الجوانب المعنوية ـ الفكرية والأخلاقية ـ أدنى اهتمام. كما أن معظم الأمهات ـ وهن الألصق بالنشء ـ يعتنين بالصحة والمظهر أكثر مما يعتنين بالأخلاق والجوهر. ومع انشغال معظم الآباء خارج المنزل وجهل أغلب الأمهات بأصول التربية الصحيحة ، يجد النشء أنفسهم حائرين في دروب الحياة بلا دليل أو موجهات ، ومن ثم يتلقفهم الشارع ورفاق السوء وأجهزة الإعلام ـ الموبوءة ـ لتشكل شخصياتهم وتصوغ عقولهم فتنفتح أبواب من الشر وترسخ مجموعة من القيم والمفاهيم يصعب اقتلاعها فيما بعد. وقليل من الاهتمام من أولياء الأمور ـ رجالاً ونساءً ـ يمكن أن يقضى على هذه المفاسد وتستدرك الأدواء قبل استفحالها ، بل التحصين ضدها والوقاية منها قبل الابتلاء بها.

 

وتأتي المدرسة ـ وتدخل فيها الرياض ـ في المرتبة الثانية من حيث الأهمية والترتيب الزمني لمباشرة التأثير ، فالمدرسة هي أول مؤسسة يحتك بها الطفل ـ بعد خروجه من البيت ـ ويتعامل مع بيئتها ويختلط بأشخاصها معلمين وأتراباً ، وفي تلك الفترة المبكرة والغضة يكون التأثير كبيراً وسريعاً فتبقى القيم التي تُرسَخ والمفاهيم التي تُغرس في هذه الفترة هي الأثبت والأقوى ، وكل منا يحفظ جيِداً الأناشيد والسور التي دُرست لنا في تلك المرحلة ، ويبقى تأثير الأخلاق والمفاهيم هو الأخطر وإن لم نشعر، ما لم تتغير بعامل أقوى في المراحل اللاحقة. والاهتمام بالبيئة المدرسية يمثل المدخل الصحيح للاستفادة من هذا المحضن الهام ، وعلى رأسها المعلمون الأكفاء الذين يشرفون على تلقين المفاهيم وتنمية الأخلاق.

 

والشارع من المحاضن التي لا يفطن الناس لتأثيرها ولا تعتني المجتمعات بتصحيحها وتقويمها ، فالنشء لا يمكن أن يُحبسوا بين جدران البيوت ومباني المدرسة ، فلا بد أن يباشروا الاختلاط بالشارع ـ بصورة أو بأخرى ـ فيتأثروا بما يجري فيه وينطبعوا بالقيم التي تشكل طابعه العام ، والشارع في المجتمعات الهشة والأسر المفككة يستأثر بنصيب الأسد في توجيه النشء وتربيتهم. وضبط الشارع مسئولية عامة يشترك فيها الحاكم والمصلحون وتدخل في واجبات أجهزة الدولة وما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني. والشارع صورة للمجتمع ومرآة لما يعتمل فيه من ظواهر وحركات ويحتاج لتضافر جهود عدة لأجل الإرتقاء به وتخفيف شروره.

 

وكل هذه المحاضن تستدعي من المصلحين والدعاة اهتماما ً وجهوداً أكثر لتقويمها وتوجيهها وإصلاحها. وتضافر مساعي المصلحين وأجهزة الدولة ضروري لخدمة المجتمع ومصلحته. ويبقى تبني إستراتيجية تربوية واضحة أمراً ملحاً وواجباً عاجلاً.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply