خارطة الطريق


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الخطبة الأولى:

أما بعد: أيها المسلمون، بعد كل فترة يطلع علينا الإعلام بمصطلح جديد، تتناقله وكالات الأنباء العالمية والمحلية، ويبدأ يتردد على مسامع الناس هذا المصطلح، ويبقى الناس وقتًا من الزمن لا يعلمون ما معناه، وما هو المقصود منه! وما إن يتبين الناس حقيقة هذا المصطلح، وإذا بمصطلح آخر بدأ ينتشر ويتردد هنا وهناك.

 

ومن آخر ما صم آذاننا في الأيام القليلة الماضية، مصطلح \"خارطة الطريق\"، فما المقصود بهذا المصطلح؟ ومن وراء هذه الخارطة؟ ومن الذي كتبه ورسمه؟ وأسئلة أخرى كثيرة تحتاج إلى جواب حول هذا المصطلح، سيتبين لك الإجابة عليه في هذه الدقائق المعدودة.

 

لو أردنا أن نعرّف معنى خارطة الطريق، بعبارة واضحة وقصيرة، دون الدخول في التفاصيل، فالمقصود به خطة السلام الأخيرة في الشرق الأوسط، بهدف إقامة دولة فلسطينية بحلول عام 2005م، والتوصل إلى ذلك بطريقة سلمية. إذن الهدف من هذه الجعجعة الإعلامية، وهذه اللقاءات والتحركات، من قبل مسؤولين كبار في عدد من الدول، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما، هو الوصول إلى حل المشكلة بين الفلسطينيين واليهود عام 2005م.

 

على ماذا تقوم هذه الخارطة؟

تقوم هذه الخارطة على أساس قيام دولتين: دولة إسرائيل الموجودة، ودولة للفلسطينيين، ولا يمكن تحقيق هذه الدولة وهذه الخارطة، إلا من خلال إنهاء ما يسمونه بالإرهاب والعنف.

 

من الذي أعد هذه الخارطة؟

أُعدت الخارطة أو قل بتعبير أوضح الخطة بواسطة ما يعرف \"برباعي الشرق الأوسط\". من هم رباعي الشرق الأوسط؟ الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا. هذا الرباعي هم الذين وضعوا خطة السلام الجديدة في المنطقة، من أجل سواد عيون إسرائيل وتأمين مستقبلها، وكان منطلقهم من كلمة ألقاها فرعون أمريكا في 24 يونيو 2002م.

 

ما الذي دفع الرئيس الأمريكي لإطلاق هذه المبادرة، وفي هذا الوقت بالذات؟

الذي دفعه إلى ذلك ليس حبه المستميت لإسرائيل، وإن كان يحبها! الذي دفعه إلى ذلك حبه لنفسه أولاً ثم لإسرائيل ثانيًا!

 

لقد وجهت له انتقادات عديدة بسبب تجاهله لعملية السلام في الشرق الأوسط، والانتخابات الرئاسية عام 2004م تلوح في الأفق. والرئيس الأمريكي حريص على أن يحصل على أصوات يهودية بنسبة أكبر من 10 التي حصل عليها في انتخابات عام 2000م، وليس أمامه طريق إلى تحقيق هذه الرغبة في نفسه، لتولي الرئاسة مرة أخرى، إلا عن طريق دغدغة عواطف اليهود، ليكسب أصواتهم ويحقق لهم ما يريدون.

 

ولعل أن بوش الصغير يستفيد من خطأ بوش الكبير، عندما فتح الباب أمام انتصار كلينتون عليه في الانتخابات الرئاسية عام 92م، حين مارس ضغوطًا مكثفة من أجل عملية السلام، ودخل في مواجهة مع شارون نفسه، والعجيب أن شارون لم يقبل بهذه الخارطة في بداية الأمر، ويريد تحقيق مكاسب أكبر مما في هذه الخارطة، وقال عن ذلك الرباعي أنهم لا يمثلون أي شيء، وعرض خطة سلام بديلة، لن تبدأ إلا بعد تنحية ياسر عرفات.

 

وقال: إنه في حالة اتخذ الفلسطينيون خطوات لوقف الإرهاب، فإنه على استعداد للاعتراف بدولة فلسطينية منـزوعة السلاح تمامًا، ليس لها حدود جغرافية نهائية، ولا تمتلك سوى قوات شرطة بتسليح خفيف، وطالب بإدخال تعديلات على خارطة الطريق قبل الموافقة عليها. وفعلاً نشرت الولايات المتحدة خارطة الطريق بعد ساعات من تأدية أبو مازن اليمين القانونية، كرئيس للحكومة الفلسطينية، وتعهده بوقف العمليات ضد المدنيين الإسرائيليين.

 

والذي يظهر أن رفض شارون لخطة الخارطة، إنما هي لعبة أمريكية إسرائيلية، فإسرائيل ترفض في البداية باتفاق مسبق، ثم يتم الضغط عليها أمام الدول العربية، ويحصل بعض التعديل، ثم توافق في النهاية، لكي يقبل الفلسطينيون والدول العربية هم أيضًا بالخارطة.

 

هذه الخارطة تقوم على أساس ثلاث مراحل، لا يمكن الانتقال إلى مرحلة إلا بعد تطبيق المرحلة التي قبلها:

 

المرحلة الأولى: إنهاء الإرهاب والعنف، بمعنى أنهم يريدون القضاء على المقاومة المسلحة في فلسطين، والقضاء على الجماعات الإسلامية، كحركة حماس والجهاد الإسلامي وغيرها، إضافة إلى القضاء على الجماعات الوطنية. بل ومن فقرات هذه الخارطة عدم التحريض على المقاومة، هل تعلمون ما يعني ذلك؟ إنه يعني منع أي خطيب في فلسطين أن يتكلم عن اليهود، أو عن الجهاد، أو عن حق الفلسطينيين للعودة إلى بلادهم. ومن فقرات هذه المرحلة إيقاف جميع الأنشطة العسكرية، وتفكيك جميع الخلايا والشبكات، والقضاء على جميع أماكن صناعة الأسلحة.

 

والحكومة الجديدة لو حاولت تطبيق هذه المرحلة فقط، دون كامل الخارطة، فإن هذا ـ والله أعلم ـ سيؤدي إلى حرب أهلية بين الحكومة الفلسطينية والشعب.

 

ماذا كان رد الفعل بعد الإعلان عن خارطة الطريق؟ جل الفلسطينيين رفضوا هذه الخارطة جملة وتفصيلاً، فحركتي حماس والجهاد الإسلامي رفضتا خارطة الطريق رفضًا كليًا منذ البداية، وأعربتا عن اعتزامهما مواصلة شن الهجمات على الجنود والمدنيين الإسرائيليين، إلى أن ينتهي الاحتلال الإسرائيلي. وأكدت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس أن خارطة الطريق التي تسير على دماء وأشلاء الشهداء، لن يكتب لها النجاح، وستُفشلها دماء وأشلاء الشهداء، كما أفشلت المؤامرات التي سبقتها.

 

وأكدت الكتائب أنها ماضية في خيار الجهاد والمقاومة والاستشهاد، حتى تحرير أرض فلسطين من دنس اليهود المغتصبين. واعتبرت كتائب القسام أن من يشارك في خارطة الطريق، شريك في سفك الدم الفلسطيني. وقالت أيضًا: إن خطة خارطة الطريق خطة مشبوهة وعميلة، وأن التعاون معها ينصب في دائرة التعاون مع الاحتلال المجرم، وكتائب القسام وشعبنا ستسقط المتآمرين. وأضاف البيان: إن سلاحنا هو كرامتنا ودمنا وشرفنا، وإن اليد التي تمتد إليه بالسوء ستقطع، وسنجعلها عبرة للجماهير.

 

المرحلة الثانية: بعد إنهاء الإرهاب على حد زعمهم، تأتي مرحلة إنشاء دولة فلسطينية مستقلة بحدود مؤقتة، وهذه المرحلة أطلقوا عليها مرحلة الانتقال، وستكون في حزيران 2003م. في هذه المرحلة ستبدأ المطالبة بالديمقراطية والتسامح والحرية. وتضع الخارطة تصورًا لإقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة، بعد الالتزام باتفاق لوقف إطلاق النار، والذي يتعين على الحكومة الجديدة، حكومة أبو مازن، العمل من أجل قمع المتشددين. أما إسرائيل سيتعين عليها الانسحاب من المدن الفلسطينية، وتجميد بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة.

 

ثم يعقد بعدها مؤتمر دولي رباعي، بمشاركة أمريكا والأمم المتحدة والاتحاد الأوربي وروسيا، لإعادة الحياة الفلسطينية إلى طبيعتها، وللنظر في مدى نجاح الخطة وإلى أي نقطة وصلت.

 

المرحلة الثالثة: الاتفاق على الوضع النهائي، وإنهاء النـزاع الإسرائيلي الفلسطيني عام 2004م و2005م. وبناء على هذه المرحلة، فسوف تستقر المؤسسات الفلسطينية. ثم يعقد مؤتمر دولي ثانٍ,.

 

هذه هي المراحل الثلاث التي نَصّت عليها خارطة الطريق المزعومة!

 

ولو أردنا التدقيق بعض الشيء، على ما في هذه الخارطة من الملاحظات الكبيرة، التي لا يمكن أن يَقبل الشعب الفلسطيني بها، بل الثغرات التي لا يشك أحد أنها لم تسقط سهوًا على الرباعي الإجرامي، الذي كتب وسطّر فقرات هذه الخارطة من ذلك:

 

أن هذه الخارطة لم تقم بحل المشكلات الأساسية، الموجودة في الوضع الفلسطيني، فمثلاً لم تتكلم الخارطة عن وضع القدس، وهل تعطى للفلسطينيين أم سيستولي عليها اليهود؟ وهي من أخطر القضايا، ومن أهم الأمور بالنسبة للمسلمين عامة والفلسطينيين خاصة.

 

لم تقدم الخارطة ولم تتحدث عن وضع الحدود بالضبط، لو كانوا صادقين في منح الفلسطينيين دولة مستقلة، فكيف تقام دولة من غير حدود؟، لم تقدم الخارطة حلاً لقضية اللاجئين، قرابة أربعة ملايين فلسطيني مشرد ومشتت في عشرات الدول القريبة والبعيدة.

 

لم تتكلم بشكل واضح عن المستوطنات. لم تعالج الخارطة مسألة النـزاع بين إسرائيل وبقية المسلمين! وكأن القضية تخص الفلسطينيين وحدهم، وهذا أمر مقصود، وهو إبعاد جميع الدول والشعوب المسلمة عن المسألة، وحصرها في شعب واحد، وفي منطقة صغيرة، والحقيقة أن المسألة أكبر عند المسلمين من ذلك بكثيرº لأن لها علاقة بأماكن مقدسة، وتاريخ ديني، تهم كل مسلم على وجه هذه الأرض. وغيرها وغيرها من القضايا الأساسية، في مسألة الصراع العربي الإسرائيلي.

 

لكن خارطة الطريق ركزت وبشكل قوي على الأمن، وعلى ما يسمونه بالإرهابº لأجل القضاء على جميع أشكال وصور المقاومة الفلسطينية. وهذا لن يكون بإذن الله - تعالى -.

 

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه...

 

 

الخطبة الثانية:

أما بعد: إن مما ينبغي علمه من كليات وأصول الدين، أن اليهود من أعظم أعداء الإسلام وأهله، قال الله - تعالى -\"عنهم: \" لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشرَكُوا \" [المائدة: 82]، وقد وصفهم الله - سبحانه - في كتابه بأنهم يقتلون الأنبياء، والذين يأمرون بالقسط من الناس، وأنهم سمّاعون للكذب، أكالون للسحت، يأخذون الربا وقد نهوا عنه، ينقضون المواثيق، ويحكمون بالطواغيت، ويصفون الله - تعالى -بالنقائص، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون، وغيرِ هذا مما هو مشهور عنهم.

 

وتاريخ اليهود مليء بالمؤامرات والدسائس، فقد أرادوا قتل المسيح عيسى ابن مريم - عليه السلام -، فشُبه لهم ورفعه الله، وأرادوا قتل النبي مرارًا فأنجاه الله منهم، وأرادوا أن يوقعوا الفتنة بين الصحابة فسلمهم الله، وأول فتنة فرّقت بين المسلمين كانت فتنة ابن سبأ اليهودي، واستمر كيدهم طوال التاريخ، فأثاروا فتنًا، وأسقطوا دولاً، حتى تمكنوا أخيرًا من اغتصاب أراضي المسلمين.

 

ومطامع اليهود ليس لها حد، فهم لا يقيمون وزنًا لعهد ولا لميثاق ولا لخارطة، فقد قال الله - تعالى - على لسانهم يقولون: \" لَيسَ عَلَينَا فِي الامّيِينَ سَبِيلٌ \" [آل عمران: 75]، وقال - تعالى -: \" أَوَكُلَّمَا عَـاهَدُوا عَهدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنهُم \" [البقرة: 100]، وقال - سبحانه -: \"الَّذِينَ عَـاهَدتَّ مِنهُم ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهدَهُم فِي كُلّ مَرَّةٍ, وَهُم لاَ يَتَّقُونَ \" [الأنفال: 56].

 

وأرض إسرائيل الكبرى التي يحلمون بها، والتي وضعوا رايتهم على أساسها، من النيل غربًا حتى الفرات شرقًا، ومن شمال الجزيرة جنوبًا حتى جنوب تركيا شمالاً. وقد علموا جيدًا أنه لا بقاء لهم، ما دام للعقيدة الإسلامية القائمة على الولاء والبراء، والجهاد في سبيل الله وجود بين الشعوب، حتى لو طال مُقامهم، فإن قاعدة الدين وملة إبراهيم وأصل دين الإسلام، ومقتضى شهادة التوحيد، موالاة الإسلام وأهله ومحبتهم، والبراءة من الكفر وأهله ومعاداتهم، كما قال - تعالى -: \" قَد كَانَت لَكُم أُسوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذ قَالُوا لِقَومِهِم إِنَّا بُرَآءُ مّنكُم وَمِمَّا تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرنَا بِكُم وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤمِنُوا بِاللَّهِ وَحدَهُ \" [الممتحنة: 4].

 

فانتبه يا عبد الله، وإياك وسماع الدعوات التي تقول إنه لا عداء بيننا وبين اليهود، أو غيرهم من الكفار، أو أننا لا نبغضهم من أجل دينهم، فإن أصل الأصول البراءة من الكفر وأهله ومعاداتُهم وبغضهم.

 

من أجل هذا يخترعون لنا في كل مرة ما يصب في مشروع السلام، في السابق أطلقوا عليه السلام الدائم والشامل، واليوم خارطة الطريق، والذي يريدون من خلاله اختراق صفوف الشعوب المسلمة، ومحاولة كسر الحاجز النفسي بين المسلمين واليهود، وإذابة عقيدة البراء ومعاداة الكافرين، من خلال الذوبان الثقافي والتعليمي والإعلامي، ونشر ما يسمى بحوار الحضارات، وحوار الأديان في سبيل السلام ونحوها، بالإضافة إلى إفساد أخلاقيات المسلمين.

 

ويهدف اليهود من خلال هذه العملية، بالإضافة إلى تغيير عقلية المسلمين، إلى تأمين بلادهم من ضربات المجاهدين، وتعزيز اقتصادهم المنهار، وتهجير بقية اليهود إلى فلسطين، وإكمال بناء المستوطنات، تمهيدًا لإكمال الهيمنة على المنطقة بأسرها. لذلك فالتصور الصحيح لخارطة الطريق، ولهذا السلام المزعوم، كافٍ, في معرفة حكمه الشرعي، إذ هو مشتمل على منكرات كثيرة محرمة بإجماع المسلمين، منها: التحاكم إلى الطواغيت، وهدم أصل البراء في الإسلام، وإلغاء شريعة الجهاد في سبيل الله، وتسليط اليهود على المسلمين، وغيرها من العظائم.

 

إن أرض فلسطين وما حولها أرض مباركة، وصفها الله - سبحانه - بذلك في خمسة مواضع من كتابه، وفيها المسجد الأقصى: أولى القبلتين، وثالث المسجدين، ومسرى الرسول، افتتحها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وحرّرها صلاح الدين - رحمه الله -، فهي مملوكة للمسلمين، وأرضها وقف عليهم والحق فيها لله - عز وجل -، ليست حقًا شخصيًا لأحد كائنًا من كان، حتى يتنازل عن شيء منها.

 

وهناك فرق كبير بين ترك قتال اليهود لعدم القدرة، وبين إعطائهم صكًا بملكية الأرض، وإضفاء شرعية مزعومة عليهم، فالأول من باب العجز المسقط للتكليف، والثاني من باب الخيانة الموجبة للعقوبة. لذا فإن ما يسمى بخارطة الطريق ومؤتمراته ستفشل، ولو نجحت فنجاحها سيكون مؤقتًا، وإن المسلمين سيقاتلون اليهود فيقتلونهم، حتى يختبئ اليهودي خلف الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، ويومئذٍ, يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء.

 

إن مشروع خارطة الطريق، له آثارٌ سيئة على المسلمين وعلى بلادهـم، ولو تم ـ ونسأل الله أن لا يكون ـ فسيقضي على عقيدة الولاء والبراء عند المسلمين، أو على الأقل يضعفها، عن طريق شعار: حوار الحضارات، والإسلام دين السلام، ونبذ التطرف وكراهية الآخر، وسيقضي على روح الجهاد بينهم، وسيُضرَب المجاهدون بسلاح السلام، كما سيحصل تغيير وتشويه للتاريخ الإسلامي، وستُستنـزف ثروات المسلمين، وتُبنى عندهم أوكار الجاسوسية، وتصدر لهم الآفات والأمراض، وغير ذلك.

 

إن اتفاقيات السلام مع اليهود، وإقامة العلاقات الدائمة معهم، تعد إقرارًا لهم في ديار الإسلام، وتمكينهم من الدخول والعبث بعقول المسلمين، وإمدادهم بما يزيد من قوتهم وجبروتهم، وهذا كله في الشرع من باب الموالاة لليهود، وإلقاء المودة لهم، والركون إليهم، وقد دلت نصوص كثيرة على النهي عن ذلك، قال الله - تعالى -: \" لاَّ تَجِدُ قَومًا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوَادٌّونَ مَن حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَو كَانُوا آبَاءهُم أَو أَبنَاءهُم أَو إِخوانَهُم أَو عَشِيرَتَهُم \"[المجادلة: 22]، وقال - تعالى -: يَـا أَيٌّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَـارَى أَولِيَاء بَعضُهُم أَولِيَاء بَعضٍ, وَمَن يَتَوَلَّهُم مّنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهدِى القَومَ الظَّـالِمِينَ \" [المائدة: 51]، وقال - تعالى -: \" بَشّرِ المُنَـافِقِينَ بِأَنَّ لَهُم عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَـافِرِينَ أَولِيَاء مِن دُونِ المُؤمِنِينَ أَيَبتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للَّهِ جَمِيعًا \" [النساء: 138، 139].

 

والنصوص في النهي عن موالاة الكفار، والركون إليهم ومودتهم، ووجوب بغضهم ومعاداتهم كثيرة جدًا، وفرق كبير بين ترك قتالهم والهدنة معهم، بسبب ضعف الإعداد لهم، وبين الاعتراف بهم وإقرارهم على أراضي الإسلام، فالأول جائز بالإجماع، والثاني محرم بالإجماع، إضافة إلى أن تطبيق خارطة الطريق مضاد لشرع الله - سبحانه - ولقدره:

 

أما مضاداته للشرع فلأنه يلغي شعيرة الجهاد في سبيل الله، وقد قال الله - تعالى -: \" وَقَاتِلُوا المُشرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَـاتِلُونَكُم كَافَّةً \" [التوبة: 36]، وقال - سبحانه -: فَقَـاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفرِ إِنَّهُم لا أَيمَـانَ لَهُم لَعَلَّهُم يَنتَهُونَ \" [التوبة: 12]، وقال - عز وجل -: \" وَأَعِدٌّوا لَهُم مَّا استَطَعتُم مّن قُوَّةٍ, وَمِن رّبَاطِ الخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَآخَرِينَ مِن دُونِهِم لاَ تَعلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعلَمُهُم وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيء فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لاَ تُظلَمُونَ \" [الأنفال: 60].

 

وفي المسند وغيره: أن النبي قال: ((جاهدوا المشركين بأموالِكم وأنفسِكم وألسِنتِكم)). وفي المسند أيضًا وسنن أبي داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعًا: ((بُعِثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد اللهُ وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي)).

 

وأما مضادة خارطة الطريق للقدر: فقد أخبر الرسول ـ وخبره حق ـ أن الجهاد ماضٍ, إلى يوم القيامة، ومن ذلك: ما في الصحيح عن النبي: ((الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامةº الأجر والمغنم)). وقد تواتر عنه في الصحاح وغيرها أنه قال: ((ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله)).

 

إن مساعي خارطة الطريق ستفشل، نقول هذا تحقيقًا لا تعليقًا، وتحقيق ما يسمى بالأمن الدائم في ما يسمونه بالشرق الأوسط مع اليهود لن يحصل مطلقًا، ولو حصل فهو وقتي سيفشل سريعًا، وهذا الأمر دلت عليه الأدلة الشرعية.

 

إنها حرب طويلة مديدة بيننا وبين اليهود، بدأت منذ بعثة الرسول، وسوف تستمر حتى خروج الدجال، ونزول عيسى - عليه السلام -، والقضاء على آخر يهودي في الأرض، هذه المعركة الطويلة لها جولات وجولات، وفيها كر وفر، يغلبنا فيها اليهود مرة، ونغلبهم مرات، ويهزمونا مرة، ونهزمهم مرات. وإن أشد وأعنت وأقسى جولات هذه المعركة هي هذه الجولة التي نعيش فيها في هذا الوقت، والتي تحققت فيها غلبة اليهود علينا، وهزيمتهم لنا، ولكنها جولة، تتبعها جولات، لنا فيها الظفر والغلبة والنصر بإذن الله.

 

وسيظل الغرب المستعمر يهزأ بنا ويسخر منا، ما دمنا نعالج مشكلة فلسطين على أساس أنها أرض عربية، اغتصبها الاستعمار والصهيونية، وحينما نضع نحن خارطة الطريق، ونوجه سير المعركة وجهة أخرى، ونعلن أن فلسطين ليست أرضًا عربية فحسب، وإنما هي ملكٌ لمليار مسلم يفتدونها بالأرواح والمهجº لأنها أرض مقدسة، تربطهم بها روابط دينية وتاريخية، أقوى من رابطة بضعة ملايين من اليهود في فلسطين، عندها ترجح كفتنا ويصبح زمام الأمر بأيدينا.

 

إن خارطة الطريق امتحان شديد لأمة الإسلام، أمة الإسلام أمة معطاء، تجود ولا تبخل، في تاريخها المشرق الطويل قدمت ما يشبه المعجزات، وهي اليوم تعيش مفترق طرق خطير، يحيط بها وبقدسها وبأجزاء محتلة من ديارها. أمة محمد أمة الإسلام، وأمة الجهاد، وأمة العزة، لا تعجز ـ بإذن الله ـ أن تجد لنفسها بتوفيق الله وعونه مخرجًا من أزمتها، والقدس والأرض المباركة أغلى وأثمن وأكبر من أن تترك لمفاوضات أو لمساومات سلام مزعوم، وما أخذ بالقوة فإنه لا يرجع إلا بالقوة.

 

فنسأل الله - تعالى -أن يبصرنا بخطط أعدائنا.

 

أيها المسلمون، لقد تسامع الجميع أنباء التفجيرات التي حصلت في مدينة الرياض، وصار هو حديث الناس منذ عدة أيام. ولا شك بأن ما حصل أمر لا يرضاه مسلم، وفاعلوا هذه التفجيرات أخطؤوا خطًا كبيرًا.

 

إن تحقيق الأمن ـ أيها الأحبة ـ مطلب للجميع، والمجتمع بدون أمن تسوده الفوضى والاضطراب.

 

لكن الأمر الذي ينبغي أن نكون منه على حذر، هو عدم إطلاق التهم بدون بينة، قال الله - تعالى -: \" يا أَيٌّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِن جَاءكُم فَاسِقُ \" [الحجرات: 6].

 

إن إطلاق العبارات، التي قد يفهم منها بأن كل متمسك بالدين وآدابه وهديه، هو في قفص الاتهام أمر خطير. وهناك من يستغل مثل هذا الحدث، ويلصق ذلك بكل الدعاة والصالحين والأخيار، وجميع العاملين في الحقل الإسلامي. بل ربما بعضهم كان يتمنى حصول مثل هذا في مجتمعنا، ليجد مادة يتهجم بها على الدعاة والأخيار وطلبة العلم. وقد حصل شيء من هذا في الأيام الماضية، بل ورسمت بعض صور الكاركتير فيها غمز ولمز بالعلماء والصالحين. إن مثل هذه الكتابات لا تعالج الموضوع بل تزيد منه.

 

فالتفجيرات التي حصلت أمر لا نرضى به ولا نقره، لكن في نفس الوقت فإن الأذان، وصلاة الجماعة، وارتياد المساجد، والتزام السنة في اللباس، وإكرام اللحى، والبعد عن التشبه بالكفار، وأهل الفسوق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل هذا وغيره من الدين، ومن الأمور التي يجب حفظها ورعايتها وتقديرها، وتقدير أهلها. والمسلم الحق عنده ثقة بدينه لا تزعزعها طعنات الطاعنين، ولا أخطاء بعض المنتسبين.

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply