أهمية التوكل على الله

3 دقائق
11 رجب 1447 (31-12-2025)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

القرآن حين يقصّ علينا طريق النجاة لا يقدّم وصفة سحرية، ولا يَعِدُ بخوارق منفصلة عن السنن، بل يضع يدك على أصلٍ واحد يتكرر في كل مشهد نصر، مهما اختلفت الأزمنة والوقائع: (استصحاب معية الله).

هذا هو السر الذي لا يتبدل.

حين وقف موسى وهارون عليهما السلام أمام فرعون، لم يكن معهما جيش، ولا أدوات ضغط، ولا حسابات قوة. كان الخوف حاضرًا في الكلام الإنساني الطبيعي:

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى﴾ [طه: 45].

لكن الجواب الإلهي جاء حاسمًا، لا فيه شرح طويل ولا تفاصيل:

﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46].

المعية هنا ليست شعارًا يُقال، بل حقيقة تُعاش. الله معهما: يسمع ويرى. يسمع ما يقال في الخفاء، ويرى ما يُدبَّر في الظلام. من استحضر هذا، تغيّر ميزان الخوف في قلبه.

هذا المعنى نفسه تكرر في لحظة الغار، حين قال أبو بكر رضي الله عنه: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. لم يناقش النبي الاحتمالات، ولم يقل له: الخطة كذا وكذا. قال كلمة واحدة اختصرت المشهد كله:

"ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟".

وسجلها القرآن لتكون دستورًا لكل من يأتي بعدهم:

﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].

لاحظ أن الله ذكر النصر كاملًا في هذا الموضع:

﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾،

مع أنهم لم يخرجوا من الغار بعد. كأن النصر يُحسم أولًا في القلب، ثم يظهر في الواقع.

المشهد نفسه يتكرر عند البحر. موسى عليه السلام لم يكن يعرف خطة النجاة. لم يكن عنده سيناريو بديل، ولا طريق التفاف. البحر أمامه، وفرعون خلفه، وقومه يقولون بوضوح:

﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61].

فقال موسى كلمة واحدة، لا أكثر:

﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].

لم يقل: سيشق البحر، ولم يقل: ستأتي ملائكة. قال: (سيهدين). الهداية أولًا، والطريق يُفتح بعدها. ثم جاء الأمر:

﴿فَاضْرِب بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾.

عصا في مواجهة بحر! لو قيس الأمر بالمنطق المادي لكان عبثًا، لكن المسألة لم تكن في العصا، بل في المعية.

ولهذا قرر القرآن القاعدة بوضوح:

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].

المعية ليست للجميع، بل لمن سلك طريق التقوى والإحسان.

ومن هنا نفهم أن المصلحين لا ينتصرون بالكثرة، ولا بالقوة المجردة، بل (بالتوكل الحقيقي) . والتوكل ليس انسحابًا من الواقع، ولا انتظارًا للمعجزات، بل قيام بالحق مع اعتماد القلب على الله.

القرآن يعرض لنا تهديد التهجير كأداة قديمة للطغاة، لا جديدة.

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: 13].

فما كان الجواب؟

﴿فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ۝ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾.

ليس فقط نجاة، بل استخلاف. لكن لمن؟

﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.

الشرط واضح: معرفة بالله، وخوف صادق، ويقين بوعده ووعيده.

قوم موسى لما اشتد عليهم الأذى، قالوا:

﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: 129].

لم يقل لهم موسى: انتظروا حدثًا خارقًا، بل قال:

﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾.

ثم وضع القاعدة الكبرى التي لا تقوم أمة بدونها:

﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

هذه معانٍ لا تُدرك بالقراءة السريعة، ولا بالشعارات، بل بالمعايشة والتدبر. ولهذا تجد أن كثيرًا من العاملين اليوم للإسلام يتحركون، لكن بلا هذا العمق. المرجعية في مكان، والحركة في مكان آخر.

بعضهم فهم التوكل على أنه تواكل: انتظار، وتعليق كل شيء على المبشرات، أو على شخص سيأتي ليحلّ الأزمة. وبعضهم ذهب إلى الطرف الآخر، فاستنسخ نماذج أرضية وثورات بشرية، وبنى عليها عمله، وكأن القرآن كتاب وعظ لا كتاب قيادة.

والحق ليس هنا ولا هناك. الحق في طريق الأنبياء: توكل صادق، وعمل جاد، وتصحيح للعقيدة أولًا. الأنبياء، وهم قادة أمم، كانت أول كلمة عندهم:

﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾.

إصلاح التصورات قبل إصلاح الأنظمة، وبناء العلاقة مع الله قبل بناء المشاريع.

ولهذا قال شعيب عليه السلام الكلمة الجامعة:

﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].

هذا هو الميزان. إصلاح مع بذل، وتوكل بلا انفصال عن الواقع، واستمداد دائم من الوحي. ومن سار في هذا الطريق، ولو كان وحده، فهو في صف الطائفة التي لا تزال على الحق ظاهرة، لا يضرها من خذلها ولا من خالفها، حتى يأتي أمر الله.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق