سلوا الله العافية

7 دقائق
21 شعبان 1447 (09-02-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يا أيُّها المسلمون اتقوا اللهَ حقَّ تقاتهِ، فإنَّ في تقواهُ عزَّ وجلَّ العصمةُ من الضلالةِ، والسلامةُ من الغوايةِ، والأمنَ من المخاوفِ، والنجاةَ من المهالكِ. {يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}.

معاشر المؤمنين الكرام: منذ أن يعي الإنسانُ على نفسه وهو يبحثُ عن السعادة، وينشد الراحة والطمأنينة. فمنهم من يظنها في الأموال، فهو يشقى ويكدح ليجمعه من كل سبيل، ومنهم من ظنها في المنصب والجاه، فهو يلهث خلف الترقيات والمسؤليات. ومنهم من ظنها في الشهرة والأضواء، فهو يجاهد ليعرف ويذكر في كل مكان، ومنهم من ظنها في السفر والسياحة، ومنهم من ظنها في المأكل والمشرب، ومنهم من ظنها في الملبس والمركب، ومنهم من ظنها في المسكن والمنكح، ومنهم من ظنها في غير ذلك من متع الدنيا ولذاتها. وغاب عنهم أو تجاهلوا أن كل متع الدنيا وزخارفها لا طعم لها من دون العافية.

وأن كلَّ متع الدنيا ولذائذها يمكن الاستغناء عنها، أو أن يعتاض عنها بغيرها، إلا العافية فلا غنى عنها، ولا بديل لها.

وما هي العافية يا عباد الله: العافية هي سلامةُ الدين، وصحة الجسد، وطمأنينةُ القلب، وراحة البال، واستقامةُ الأحوال. العافية هي أن تبيت أمنًا في بيتك، معافًا في بدنك، عندك قوت يومك.

في صحيح مسلم، قال رسول الله : "من أصبح منكم آمنًا في سِرْبه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها".

العافية أن تمرَّ أيامك دون ألمٍ يوجعك، ولا خوفٍ يقلقك، ولا حزنٍ يكسرك، ولا حاجةٍ تذلك.

العافية أن يعافيك الله في دينك قبل بدنك، وفي قلبك قبل جسدك، وفي سريرتك قبل علانيتك.

العافية هي المسكن الآمن، والأسرة المتماسكة، والمحبة المتبادلة، والضحكة الصافية.

العافية هي سكينة الروح، وانشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وراحة البال.

العافية أن تنام بلا ألم يسهرك، وأن تستيقظ بلا خبرٍ يفزعك، وأن تعمل بلا عجزٍ يقعدك، وأن تسيرَ في الحياةِ بلا همٍّ يُؤرِّقك، ولا خوفٍ يُقلقك، وأن تقابل الناس بلا دينٍ يُثقلك، ولا عيبٍ يُخجلك.

العافية هي أن يديم الله سترك، وألا تنكشف معايبك وعوراتك. وألا يخيب ظنك في أقرب الناس لك.

في الحديث الصحيح، عن الصِّدِّيق رضي الله عنه؛ أنَّ النبيَّ قال: "سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ؛ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَةِ".

والعفو: هو مَحْوُ الذنوب وسَتْرُها، والتَّجاوز عنها.

والعافية: هي السلامةُ من العُيوبِ والذنوب، والشرور كلها.

وفي الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "ما من دعوةٍ يدعو بها العبدُ أفضلُ من اللَّهمَّ إنِّي أسألُك المعافاةَ في الدُّنيا والآخرةِ". وفي رواية صحيحة: ما من دعوة أحب إلى الله من قول العبد: "اللَّهمَّ إنِّي أسألُك المعافاةَ في الدُّنيا والآخرةِ". فسلوا الله العفو والعافية.

العافية يا عباد الله: هي أكثر وأهمُّ ما يحتاجه كل البشر من أمور دنياهم. إذا فّقد أحدٌ العافية فوالله لن يغني عنه ماله مهما كثر، ولا منصبهُ مهما علا، ولا أعوانهُ مهما كثروا.

فبدون العافية لا طعمَ للحياة، ولا لذةَ لعيش، ولا مُتعةَ بنعيم. وأعز الناس، وأغنى الناس، وأقدر الناس. لا يستغنون عن العافية.

فالأرصدة الضخمة، والقصور الفخمة، والمناصب العالية، والأضواء والشهرة، وجميعُ متعِ الدنيا وزخارفها، تفقدُ طعهما، وتذهبُ لذتها، ويزهد فيها مالكها إذا فقد العافية. كلُّ جميلٍ تراهُ من حولك، فوالله ما جملهُ إلا العافية، ولولا العافية لم تره جميلا.

قيل لأحدهم ما النعمة الكبرى؟. قال العافية. فإني رأيت فاقدها لا يهنأ بعيش. فسلوا الله العفو والعافية، ودوام العافية.

وأحداث الدنيا ومصائبها هي من تؤكد عِظم قيمة العافية. فالعافية هي أضخم رصيد، وأعظم ثروة، وأجمل متاع. لأنها حين تفقد فلا يبقى لشيءٍ طعمٌ ولا معنى.

في الحديث الصحيح، أن الرسول لم يكن يدعُ هؤلاءِ الدعواتِ حين يُمسي وحين يُصبحُ: "اللهمَّ إني أسألُك العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرةِ، اللهمَّ إني أسألُك العفوَ والعافيةَ في دِيني ودنيايَ وأهلي ومالي، اللهمَّ استُرْ عوراتي، وآمِنْ روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذُ بك أن أُغْتَالَ من تحتي".

\وقوله: "اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وآمِنْ روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي". أي اسْتُرْ عُيوبي وكلَّ ما يسوؤنِي كشفُه، وأَمِّنِّي مِن كلِّ ما يُخيفُني، واحمني من جميع الشرور والمضرات.

العافية هي أم الملذات، وأساس النعم، وما تلذذ متلذذ بنعيم إلا بالعافية. فإذا غابت العافية غاب كل نعيم. ولا يعرف قيمة العافية إلا من فقدها. فأسألوا عن قيمة العافية أنين المرضى، وضيق المهمومين، وغصص المديونين، وقهرُ المظلومين، وجوع المشردين.

متى أصيب الانسان بوعكةٍ شديدة تلزمه الفراش، أو صداعٍ قوي يزلزل الراس، أو اكتئابٌ حادٌ يطبقُ على صدره فيجعله يتمنى الموت، أو خوفٍ دائمٍ يطير معه النوم والاستقرار، أو لو أصيب بأيّ مصيبةٍ شديدة، فستنقلب كل أمانيه، وتتغير كل قناعاته. ولخرجَ بقناعةٍ تامة، أنّ أغلى ما يملكه الانسان من أمور الدنيا هي العافية، ولا شيء أهمَّ ولا أغلى من العافية.

لقد رأينا من جمع المليارات، وحاز كل أسباب المتع والملذات، وصار من أشهر المشاهير، ثم قالها بمرارةٍ وأمام الكاميرات: كنتُ فيما سبق سعيدًا، أمّا الآن فأنا أتمنى الموت لارتاح. فلا شيء يمكن أن يشعرك بالأمن والطمأنينة، ويجعل أيامك تمر بهدوء وسكينة، مثل نعمة العافية. كلُّ متع الدنيا مجتمعة، لن تستطيع اسعادك ما لم يرزقك الله العافية ويديمها عليك. فسلوا الله العافية ودوام العافية.

مهما حدثوك عن المشاريع والصفقات، وعن المناصب والعلاوات، وعن الأرصدة والحسابات، وعن السفر والمتنزهات، وعن فاخر الدور والسيارات، وعن غيرها من المتع والملذات، فقل لهم حدثوني عن العافية. فوالله ما طابت هذه المتع إلا بالعافية.

في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام لرجل: "سَلِ اللهَ العَفْوَ والعَافِيَةَ في الدنيا والآخِرَةَ فإِذَا أعطيتَ العافيةَ في الدنيا والآخرةِ فقد أفلحْتَ".

والله لو فتشت في كل مكان، وسألت كل انسان، فلن تجد ألذ ولا أجمل ولا أغلى من العافية. فسلوا الله العافية ودوام العافية.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، {اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَار • وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَار • وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار}.

اتقوا الله عباد الله {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون}.

معاشر المؤمنين الكرام: العافية تاجٌ على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا من فقدها. العافية نعمةٌ عظمية، إذا دامت نسيناها وغفلنا عنها، وإذا زالت ذكرناها وندمنا عليها. فلنفق من غفلتنا يا عباد الله، فليس بقليلٍ أنْ ينطلقَ المرءُ مِنْ بيتِهِ مُعافَىً في جسدهِ، سليمًا في عقلِه، متمتعًا بجوارحِه. يستنشقِ الهواءِ العليل، ويشرب الماء السلسبيل، يتأمل الطبيعة الغناءِ، والمناظر الجميلةِ، ينظرِ إلى السماء وسعتها، يستمتع بمنظر الشمسِ المشرقةِ، والبدرِ المنيرِ، والنجومِ الساحرةِ، والجبالِ الشاهقةِ، والأنهارِ الجاريةِ، والمروجِ الخضراءِ، والمخلوقاتِ المتنوعةِ الرائعة. يسمع بإذن صحيحة، ويتكلم بلسانٍ فصيح، ويمشي بقدمين سليمتينِ، ويتناول بيديْن قويتينِ. يَسعَدُ بحسنِ تفكيرِهِ، ورجَاحةِ عقلِهِ، وقدرته على حسن التصرف. يَسعَدُ بأولادِه، وأقاربِه، وأحبابه، وبكل من حوله.

أهو قليل يا عباد الله أن يعيش الانسان آمنا مطمئنًا لم تلاحقه أمراض، ولم تسيطر عليه هموم، ولم يداخله يأس ولا قنوط، ولم تتحكم فيه المخدرات والمسكرات ورفقاء السوء.

العافية لا تعني الغياب التامّ للبلاء، بل أن يصيبك البلاء وأنت متماسك، راضٍ بقضاء الله، مطمئنّ القلب، مؤمنٌ أن الخير فيما اختاره الله لك.

في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: "عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له".

فيا من أُعطي العافية: احمد الله، فإن الشكر يحفظها. ويا من سُلِبتْ منه بعضُها: اصبر، فإن الصبر يُعيدها أو يُعوّض عنها بما هو أعظم منها. في الحديث القدسي: "إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه أي بعينيه فصبر، عوّضتُه عنهما الجنة".

العافية لا تعني أن تعيش بلا همّ، بل أن يمنحك الله صدرًا رحبًا يَسَعُ همَّك، ويقينًا يبدّد خوفك، وصبرًا يهون معه البلاء.

قال ابن القيم رحمه الله: «العافية الحقيقية أن يُعافيك الله من ذنبٍ يحرمك قربه». فكم من صحيح البدن سقيم القلب! وكم من مريض الجسد مُعافى الروح!. فقل من كل أعماق قلبك: الحمد لله على العافية.

ومن أعظم العافية أيها الأحبة أن يُعافيك الله من الذنوب. وأن يسلمك من سوء الخلق، وأن يُنقّي قلبك من الحقد والحسد والضغائن، وأن يصفي لقمتك من المال الحرام، وأن يطهر لسانك من الغيبة والنميمة والكذب وفاحش الكلام، وأن يصرف عينك وسمعك وقلبك وسائر جوارحك عن الحرام.

وتذكر يا رعاك الله: أنك في كل مرةٍ تدخل بيتك مطمئنًّا، وتجلس على فراشك مرتاحًا، أو تتكئ على جنبك هانئًا، أو تتناول طعامك متلذذًا، أو تحتسي قهوتك متفكهًا، أو تمازح أبناءك مبتهجًا، أو تدخل دورة المياه بنفسك، وتخرج بنفسك، فتخدم نفسك بنفسك. أو تمارسُ أي نشاطٍ من أنشطتك اليومية بكل راحةٍ وسهولة وطمأنينة، فتذكّر أن هذه هي العافية.

وقل من أعماق قلبك: الحمد لله على العافية. الحمد لله الذي عافانا في أبداننا، وعقولنا، وأهلينا، وأوطاننا. وما أعظمها من نعمةٍ إذا أستقرت ودامت. وما أشدّها من مصيبةٍ إذا سُلبت وزالت. فليدرك المعافي أنه في عيشةٍ راضية. وأنه يملك شيئًا غاليا جدًا لا يستطيع الكثيرون الحصول عليه ولو دفعوا كل ما يملكون. وليعلم أن دوام العافية مرتبطٌ بالشكر، وأن زوالها مرتبطٌ بالغفلة. فمن شكر النعمة فقد قيّدها بعقالها، ومن لم يشكرها فقد غامر بزوالها. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد}، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون}.

وفي صحيح مسلم، كانَ مِن دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ : "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِن زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ".

ألا فاتقوا اللهَ يا عبادَ الله، واذكروا نعمَة الله عليكم، وتفكّروا في عظيم مننه وعطاياه، واتقوا الذنوب والمعاصي، فإنّها تذهبُ بالنعم وتجلبُ النقم والمآسي، وأكثروا من سؤال اللهَ العفو والعافية، واحفظوا العافيةَ بشكرِ المنعِم، والمداومة على الطاعة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون}.

يا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق