عاد التتار من جديد


 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

أما بعد، فيقول الله - عز وجل - في سورة يوسف: \" وَلاَ تَايـئَسُوا مِن رَّوحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَايـئَسُ مِن رَّوحِ اللَّهِ إِلاَّ القَومُ الكَـافِرُونَ \" [يوسف: 87]، ويقول - سبحانه وتعالى - في السورة نفسها: \"حَتَّى إِذَا استَيـئَسَ الرٌّسُلُ وَظَنٌّوا أَنَّهُم قَد كُذِبُوا جَاءهُم نَصرُنَا فَنُجّىَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدٌّ بَأسُنَا عَنِ القَومِ المُجرِمِينَ \" [يوسف: 110].

 

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، وأخيراً وليس آخراً تم تسليم العاصمة بغداد، بلد المنصور والرشيد للغزاة الطامعين يوم الثلاثاء في التاسع من شعر نيسان الجاري، وذلك بتآمر وغدر وخيانة، فلم تستسلم بغداد، ولكنها سلمت تسليماً، والتاريخ يدور دورته ويعيد نفسه، فقد سبق أن سلمت بغداد أيام هولاكو التتار قبل سبع مائة سنة ونيف، وذلك من خلال التآمر والغدر والخيانة أيضاً، من قبل سيئ الذكر ابن العلقمي، الذي كان وزيراً لدى الخليفة العباسي المستعصم، آخر خلفاء العباسيين، وكانت بذلك نهاية الدولة العباسية، وبقي اسم ابن العلقمي في التاريخ الأسود رمزاً للغدر والخيانة، والذي لعب دوراً قذراً في تسليم بغداد، والطعن من الظهر.

 

 والخيانة في الإسلام ـ يا مسلمون ـ هي كبيرة من الكبائر التي حرمها الله - سبحانه وتعالى -، وشدد في تحريمها فيقول - عز وجل -: \" أَيٌّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَـانَـاتِكُم وَأَنتُم تَعلَمُونَ \" [الأنفال: 27]، هذا وإن الذي سلم بغداد للاحتلال الأمريكي المجرم سيكتب اسمه في التاريخ الأسود، كما كتب اسم ابن العلقمي أيام التتار، ولا ندري كيف سيحاسب الله - عز وجل - هؤلاء الخونة الغادرين المتآمرين على البلاد والعباد.

 

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، لقد استبيحت بغداد في الغزو الأنجلو أمريكي الأخير كما استبيحت أيام التتار والمغول، لقد أتلفت المكتبة الوطنية في بغداد والتي تحوي مئات الآلاف من الكتب النفيسة والمخطوطات القيمة والوثائق النادرة، وأتلفت المكتبات الأخرى في جامعات بغداد والبصرة والموصل على مرأى ومسمع وبإيعاز من الجيش الأمريكي المحتل، وكذا الأمر أتلفت المكتبات في بغداد أيام التتار والمغول وقذف بالكتب في نهر دجلة، حتى أصبحت مياه النهر زرقاء اللون.

 

 ومعلوم لديكم ـ أيها المسلمون ـ أن ديننا الإسلامي العظيم هو دين العلم والمعرفة، ويشجع ويحث على إقامة المدارس والمعاهد والكليات، وأن أول الآيات نزولاً في القرآن الكريم هي قوله - سبحانه وتعالى -: \" اقرَأ بِاسمِ رَبّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَـانَ مِن عَلَقٍ, اقرَأ وَرَبٌّكَ الأَكرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَـانَ مَا لَم يَعلَم \" [العلق: 1-5].

ولم يسبق على مدار التاريخ الإسلامي أن قام المسلمون بإتلاف المكتبات أو قتل العلماء أو اعتقالهم، بل إن الخلفاء كانوا يأمرون بترجمة الكتب العلمية من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، والعلماء كانوا يتسلمون الجوائز المالية والمكافآت الكبيرة من الخلفاء تشجيعاً لجهودهم الطيبة المباركة.

 

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، لقد استبيحت بغداد بإيعاز وبتخطيط من الاحتلال الأنجلو أمريكي، وتم السطو على خزينة الدولة وعلى البنوك والمؤسسات، ومثل ذلك حصل السطو على قصور الخلفاء العباسيين وسرقة محتوياتهم من قبل التتار المغول.

 

 أقول ذلك، لنبين موقف الإسلام العظيم من هذه الأعمال الهمجية، ولنقول لدعاة الديمقراطية ودعاة العدالة: أين أنتم من هذا الدين العظيم؟ وقد حرم الإسلام السطو والسرقة والفساد في الأرض وترويع الآمنين.

 

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، لقد اتصل بي أحد المواطنين المرابطين في فلسطين وأبدى رغبته في كفالة طفلتين يتيمتين من العراق، لماذا لأنه رأى صورة مؤثرة في إحدى الصحف المحلية لطفلتين يتيمتين جريحتين قد قتلت عائلتهما، وكانتا تتعالجان في المستشفى في بغداد، وجاء المفسدون في الأرض فسرقوا أسرَّة المستشفى، وبقيت الطفلتان على الأرض تعانيان الألم وتتجرعان المأساة، هذه الصورة المؤلمة التي التقطتها أجهزة التلفاز قد هزت مشاعر الناس، ولا بد أن تكون هناك آلاف الحالات على غرارها من آثار الحرب المدمرة الإجرامية، ممن يدعون بالحضارة الزائفة وبالديمقراطية الخادعة، \"فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمكُثُ فِى الأرضِ كَذالِكَ يَضرِبُ اللَّهُ الأمثَالَ \" [الرعد: 17].

 

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، والسؤال: من الضحية من هذه الحرب المدمرة؟ من المتضرر من هذه المؤامرة؟

 

 نعم، إن البلاد والعباد هم المتضررون من هذه الحرب الظالمة، إنه شعب العراق المسلم الذي قتل أبناؤه واعتقلوا وشردوا، إنها أرض العراق التي نهبت وسلبت وسرقت، لقد تكشفت ـ يا مسلمون ـ تكشفت أهداف الحملة الأمريكية البريطانية على العرق، فكان أول هدف هو أن وضعت أمريكا يدها على نفط العراق، هذا النفط الذي يعتبر ثاني مخزون نفط في العالم بعد السعودية، والمعلوم شرعاً بأن النفط هو ملك لجميع المسلمين في العالم لقول رسولنا الأكرم - صلى الله عليه وسلم -: ((الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار))[1]، ويقول أيضاً: ((ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار))[2]. والنار تشمل كل محروق يحترق ويدخل في ذلك النفط.

 

 وهناك ـ يا مسلمون ـ هدف آخر، هو وضع قواعد عسكرية أمريكية على أرض العراق، حتى لا تقوم للجيش العراقي قائمة، والله - سبحانه وتعالى - يقول: \"وَلَن يَجعَلَ اللَّهُ لِلكَـافِرِينَ عَلَى المُؤمِنِينَ سَبِيلاً \" [النساء: 141].

 

وهدف ثالث، منع إقامة أي وحدة بين الأقطار الإسلامية، في حين أن الوحدة في الإسلام أمر لازم وفرض شرعي على المسلمين جميعهم.

 

 وهدف رابع، محاربة اللغو العربية التي هي لغة القرآن الكريم، فقد أعلنت أمريكا بأن اللغة العربية سوف لا تكون لغة رسمية في العراق.

 

وهدف أكبر، هو محاربة الإسلام، وأعلنت أمريكا رسمياً أنها تعارض إقامة حكم إسلامي في العرق، وهذا أمر متوقع من أمريكا، وليس غريباً عليها، ثم هل الذي يريد تطبيق الإسلام بحاجة إلى استشارة أمريكا أصلاً؟!

 

أيتها الأمة الإسلامية الكريمة، لا تيأسي من روح الله، ولا تقنطي من عون الله، كوني مع الله ولا تبالي، فإن أجدادكم قد ضمدوا الجراح، واستأنفوا الحياة من جديد، بدءاً بالصحابي سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، الذي دك عروش الفرس في معركة القادسية، ومرورا بالبطل صلاح الدين الأيوبي، بطل معركة حطين التي وقعت بالقرب من طبريا في فلسطين، وهَزم فيها الفرنجة الصليبيين، ومروراً بالظاهر بيبرس، بطل معركة عين جالوت، التي وقعت بالقرب من بيسان في فلسطين أيضاً وهَزم فيها التتار، والله - سبحانه وتعالى - يقول: \" أَم حَسِبتُم أَن تَدخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوا مِن قَبلِكُم مَّسَّتهُمُ البَأسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصرَ اللَّهِ قَرِيبٌ \" [البقرة: 214]، ويقول رسولنا الأكرم - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله، وهم كذلك))، قيل: أين هم يا رسول الله؟ قال: ((في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس))[3] صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين.

 

الخطبة الثانية:

نحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين.

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، أما ما يجري على أرض فلسطين الحبيبة، قرة عيون المسلمين وقلوبهم، فحدث ولا حرج، فإن جيش الاحتلال لا يزال مستمراً في قتل الأبرياء وتدمير المنازل بالأسلحة الأمريكية الفتاكة، من جنين الباسلة إلى رفح الصامدة، والتقارير الصحية تشير إلى أن عدد الشهداء من شعبنا الصابر المرابط قد تجاوز ثلاثة آلاف شهيد، منهم ألف طفل دون سن السادسة عشر، وأما عدد الجرحى فقد زاد عن أربعين ألف جريح، هؤلاء الجرحى الذين عولجوا في المستشفيات، بالإضافة إلى الآلاف الذين أسعفوا خارج المستشفيات، ولا يعرف عددهم، فهل هذه الممارسات ستؤدي إلى سلام؟ وهل ما يسمى بخارطة الطريق ستقودنا إلى طريق السلامة أم إلى طريق المهلكة؟

 

يا أيها المسلمون أما البيوت التي هدمت فهي عشرات الآلاف وتشرد إثر ذلك مئات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ وأما الحواجز العسكرية فإنها بمثابة حصارات خانقة تضع المدن والقرى والمخيمات في سجون كبيرة وأن وضع هذه الحواجز يتنافى مع حرية العبادة والحركة والتنقل، وتمنع المرضى والنساء الحوامل من الوصول إلى المستشفيات، وتفيد الإحصاءات بأن ما يزيد عن ثلاثمائة حالة ولادة قد تمت على قارعة الطريق وفي السيارات، بسبب الحواجز العسكرية خلال السنتين الأخيرتين، مما أدى إلى وفاة العشرات من الأمهات والمواليد، وأين ما يسمى بجمعيات حقوق الإنسان؟ وأين ما يسمى بجمعيات حماية الطفل والمرأة؟

 

أيها المسلمون، إننا نؤكد بأن السبب المباشر لدائرة العنف على الساحة الفلسطينية هو وجود الاحتلال وممارسات الاحتلال، ولن تؤدي هذه الممارسات الظالمة إلى السلام المزعوم، وإن الهدف من القتل والاغتيال والبطش والاعتقال والهدم والتدمير هو فرض الاستسلام، وإن شعبنا المرابط يرفض الاستسلام، ولن يقبل الدنية والمذلة والضيم والظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، لأن شعب فلسطين هو شعب أبي، وصاحب حق شرعي.

 

هذا وإن التاريخ - عز وجل - لن يغفر لحكام الدول العربية والإسلامية سكوتهم وصمتهم إزاء ما يحصل بحق الشعب الفلسطيني، فهم لم يلبوا صرخات ونداءات الثكالى والأرامل والأيتام التي انطلقت من المدن والقرى والمخيمات، وكأن الأمر لا يعنيهم، ورحم الله الشاعر الذي قال ساخرًا متهكماً:

 

ناموا ولا تستيقظوا  ما فاز إلا النوَّم

\"وَسَيَعلَم الَّذِينَ ظَلَمُوا أَي مُنقَلَبٍ, يَنقَلِبُونَ \" [الشعراء: 227].

 

----------------------------------------

[1] رواه الحارث في مسنده من حديث أبي خداش (631)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (1552).

[2] رواه ابن ماجه في سننه (2473) من حديث أبي هريرة. وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (2005).

[3] رواه أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة (21816) قال الهيثمي: رواه عبد الله وجادة عن خط أبيه والطبراني ورجاله ثقات. مجمع الزوائد 7/288.

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply