توديع رمضان وحال الأمّة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

إخوة الإسلام، ما أسرع ما تنقضي الليالي والأيام، وما أعجلَ ما تنصرم الشهور والأعوام، وهكذا حال الدنيا، سريعةُ الزوال، قريبةُ الاضمحلال، لا يدوم لها حال، ولا يطمئنّ لها بال، وهذه سُنة الله في خلقه، أدوارٌ وأطوارٌ تجري بأجل مسمى {ولِكُلّ أَجَلٍ, كِتَابٌ} [الرعد:38].

 

وإن أهل التفكر والتعقل، وأصحاب التبصر والتأمٌّل ليدركون تلك الحقائق حقَّ الإدراك، فيأخذون من تعاقب الأزمان أعظم معتبر، ويستلهمون من انصرام الأيام أكبرَ مزدجر، يقول الله جل وعلا: {إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَـاواتِ وَالأرضِ وَاختِلَـافِ الَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَـاتٍ, لأولِى الألبَـابِ} [آل عمران:190].

 

أمة الإسلام: عن قريب ودّعنا رمضان، وكأنّه طيف خيال، ما أعجلَ ما انقضى، وما أسرعَ ما انتهى، ولله الحمد على ما قضى وأبرم، وله الشكر على ما أعطى وأنعم، انطوت صحيفته، وقد ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، {قَد أَفلَحَ مَن زَكَّـاهَا  وَقَد خَابَ مَن دَسَّـاهَا} [الشمس:9، 10].

 

ذهب منتقلاً، وولى مرتحلاً، ذهب بأعمالكم شاهدًا بما أُودع فيه، فيا تُرى هل رحل حامدًا الصنيع أو ذامًا التضييع؟ فمن أحسن فعليه بالتمام، ومن كان فرَّط فليختم بالحسنى فالعمل بالختام.

 

إخوة الإسلام: ما أحوج الأمة إلى وقفات للمحاسبة الدائمة والمراقبة المستمرة، ما أحوجها إلى فُرص للتأمل ووقفات للنظر في الأحوال، والتفكر في الشؤون والأوضاع، وقفاتٍ, تستلهم منها الأمة العبر والعظات، فتبصرها بواقعها، وخطوات مستقبلها، ومعالم حاضرها وغدها، وإن في مثل مناسبةٍ, كرمضان لأعظم الفُرص التي يجب على الأمة أفرادًا ومجتمعات حكامًا ومحكومين أن تتخذ منها جسرًا لتقييم الجهود، وإصلاح الأوضاع قبل فوات الأوان وانقلاب الأزمان.

 

إن في رمضان عطاءات وافرة ودروسًا عظيمة يجب أن تتحقق منها الأمة العزم على المجاهدة الحقة للشيطان، وأن تقودها للمسيرة الصحيحة على الصراط المستقيم، وأن تنأى بها عن كل بغي وفساد بشتى صوره واختلاف أشكاله.

 

عباد الله، إن تشريعات الإسلام تتضمن أسرارًا لا تتناهى، ومقاصد عالية لا تُجارى، وإن من فقه مقاصد الصوم كونه وسيلة عظمى لبناء صفة التقوى في وجدان المسلم، التقوى بأوسع معانيها وأدق صورها، فكن ـ أيها المسلم ـ آخذًا من صومك مدرسة تستلهم منها شدة العزم، وقوة الإرادة على كل خير، تعظيمًا للسلوك، وتقويمًا للنفوس، وتعديلاً للغرائز، وتهذيبًا للظواهر والبواطن، وصفاءً ونقاءً للأعمال والضمائر، إرادة مستقيمة على الدوام، في قوة على الفضائل لا تعرف لينًا، وفي صلابة على المحاسن لا يدخلها استرخاء، فهل من سعي في إصلاح ما فسد، ومعالجةٍ, لما اختل، وتقوية لما ضعف من جوانب الصلاح والخير والهدى؟! يقول الله - جل وعلا-: {وَجَـاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَـادِهِ} [الحج:78].

 

أخي المسلم: مطالب القرآن تترى في الدعوة إلى الاستقامة على الخير، والثبات على الهدى، يقول ربنا - جلا وعلا-: {فَاستَقِم كَمَا أُمِرتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطغَوا} [هود:112]، {وَاعبُد رَبَّكَ حَتَّىا يَأتِيَكَ اليَقِينُ} [الحجر:99]. وصايا ربانية تتوجه للأفراد والمجتمعات تنتظم الإقامة على أمور الإسلام، والدوام على منهج الدين، والاستمرار في التقيد بقيوده، والوقوف عند حدوده، والاستجابة لأوامره، والانتهاء عن زواجره، على الوجه الأكمل، والطريق الأقوم.

 

استمع إلى مشكاة النبوة وهي تلخص لك وصية عظيمة ذات عبارات جميلة المبنى، جليلة المعنى، قليلة العبارة، كثيرة الإشارة، إنها وصية رسولنا محمد، وصية للأمة جمعاء، وصية تقضي بالأخذ بمجامع الإيمان التام، ولزوم الاعتقاد الصحيح، والتمسك بالصبر على الطاعات، واجتناب المحظورات، واتباع محاسن الفضائل ومكارم المعاملات، يقول  للرجل حينها قال له: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال عليه الصلاة والسلام: ((قل: أمنت بالله، ثم استقم))[1].

 

إنها وصية تضمن بإذن الله - جل وعلا- للأمة على شتى أنواعها ومختلف مسؤولياتها، تضمن لهم حياة طيبة، وعيشة راضية، تحقق للمؤمنين سعادة أبدية، وعاقبة آمنة، {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبٌّنَا اللَّهُ ثُمَّ استَقَـامُوا فَلاَ خَوفٌ عَلَيهِم وَلاَ هُم يَحزَنُونَ  أُولَـئِكَ أَصحَـابُ الجَنَّةِ خَـالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ} [الأحقاف:13، 14].

 

أمة الإسلام: تمر هذه المناسبات العظيمة والأمة يحيط بها عوائق شتى، وأدواء عظمى، تقاسي بلايا ورزايا، وضراءَ ولأواء، وتعاني من تفرق وضعف، وتشتت وهوان، أمورٌ مؤلمة، وأحوال مبكية في الأمة، فهل آن الأوان لمراجعة الواقع المؤلم، والمسار الخاطئ؟! هل حان الوقت لإدراك الأسباب الحقيقية للضعف، ومعرفة العوامل الرئيسة للأدواء والشكوى؟! يقول الله - جل وعلا-: {أَلَم يَأنِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا أَن تَخشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقّ} [الحديد:16].

 

وما أجدر الأمة اليوم وقد ودعت رمضان العزيز أن تودع أوضاعها المأساوية، وجراحاتها المتعددة في مواضع كثيرة من جسدها المثخن بالجراحات والآلام، ولن تجد لذلك سبيلاً ناجحًا وعلاجًا ناجعًا إلا بمنطلقٍ, من منطلقات دينها، وتمسكٍ, بمنهاج متكامل من كتاب ربها وسنة نبيها محمد، وإن من هذا المنهج العمل الجاد والصدق مع الله جل وعلا في نصرة دينه في كل مكان، والقيام بالواجب المحتَّم في رد الظلم والضرر عن عباده المضطهدين، {وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَـاتِ بَعضُهُم أَولِيَاء بَعضٍ,} [التوبة:71].

 

إخوة الإسلام: إن الواجب على أبناء الأمة الوعي الكامل والإدراك الشامل بمخاطر الأعداء ومخططاتهم في استهداف عقائد المسلمين، وزعزعة استقرارهم، وتهديد مقدراتهم، فكم من أمور غامضة تجري، وتخطيط ضخم يُرتب في الخفاء، الله أعلم بما يحوي وعليه يأوي، فالصهيونية العالمية اليوم تقود العالم إلى الكوارث والمحن، تريد بأمة محمد  القلاقل والفتن، والأضرار والإحن، فالحذر الحذر أيتها الأمة، والحرصَ الحرصَ على هذا الدين.

 

إخوة الإسلام: من مشمولِ مخططات الأعداء حملات إعلامية مسعورة تُشَنّ على البلد الذي انطلقت منه الرسالة المحمدية، بلاد الحرمين التي قدمت الكثير للإنسانية، وضحت بالكثير في سبيل الأمن والأمان والاستقرار ونشر سبل الخير والسلام، فالواجب على المسلمين أن يدركوا أن الهدف والغاية النهائية من كل تلك المحاولات هو ضرب الأمة في عمقها، والتأثير عليها في أكبر ركيزة من ركائز وجودها، وصدق الله - جل وعلا- إذ يقول: {وَدٌّوا لَو تَكفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء} [النساء:89].

فعلى الأمة المحمدية أن تدرك مقاصد دينها، وأغراض وأهداف كلام خالقها، وأن تستبصر مبادئ وتعاليم إسلامها، وإلا فستكون ـ لا قدر الله ـ ضحية تخاذلها، وبعدها عن مشاعل هداية ربها، والله - جل وعلا- يقول: {وَقُلِ اعمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُم وَرَسُولُهُ وَالمُؤمِنُونَ} [التوبة:205].

 

الخطبة الثانية:

 الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.

 

أما بعد:

فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أيها المسلمون، السعيد من عمر وقته باستصلاح آخرته، ولم تَذهله مطالب الحياة عن حقوق خالقه، ولم تشغله رغائب الدنيا العاجلة عن حقائق الآخرة الباقية.

 

فيا من ذاق حلاوة الطاعة، احذر من مقارفة مرارة المعصية، كن برًا تقيًا في غير رمضان كما كنت في رمضان.

 

ثم اعلم ـ أيها المسلم ـ أن من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر، كما صح ذلك عن رسول الله [2]، فيستحب صيام ستٍ, من شوال، ومن كان عليه قضاءٌ من رمضان فالمبادرة بالقضاء أوجب، فالواجب أحق وأولى.

 

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على النبي الكريم، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على عبدك ورسولك محمد…

 

------------------------------------------

[1]  أخرجه مسلم في: الإيمان، باب: جامع أوصاف الإيمان (38) من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي - رضي الله عنه-.

[2]  هو في صحيح مسلم كتاب: الصيام، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعاً لرمضان (1164) من حديث أبي أيوب - رضي الله عنه-.

 

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply