من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

 

حديث من جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم-، مشتمل على آداب جمة،  حتى عده بعض علماء الإسلام أحد أربعة أحاديث تتفرع عنها أبواب الخير، وعده أبو داود -رحمه الله- أحد أربعة أحاديث يدور عليها مسنده.

-       (من حسن) تربوية تورث في النفس التحفز لنيل المطالب العالية،  والوصول للكمال، ومحاولة تحسين المرء لإسلامه.

-       وكلمة (ما) تدل على أن الحديث يعم جميع الأقوال والأفعال.

-       وكلمة (ما لا يعنيه) أي ما لا يهمه في دنياه وآخرته سواء كان في ذلك  شؤون نفسه أم من شؤون الآخرين.

-       وتحديد ما يعني منا يعتمد على الشرع ويستمد منه، كما يدل على ذلك إسلام الواردة، فليس الناس الذين يحددون ذلك بأهوائهم وشهواتهم، إذاً لفسدت السموات والأرض.

أولاً:  نماذج مما لا يعني المسلم عموماً، والداعية خصوصاً في أمر نفسه:

-       أنواع اللهو واللعب التي تصد عن ذكر الله ويدخل فيها كثير من وسائل  الترفيه والتسلية اليوم كالأسفار التي لا يقصد بها غرض شرعي، كجهاد أو دعوة إلى الله، أو هرب من أعداء الله، أو دنيوي صحيح كالتجارة المباحة وطلب التداوي النادر.

-       كثير من الهوايات المضيعة للوقت والمال، كجمع التحف النادرة واللوحات الفنية التي تزخر بها بيوت الأثرياء، ينفقون فيها الأموال الطائلة، ويخصصون لها زوايا في بيوتهم.

ولنسائل أنفسنا بتجرد: ماذا تفيد هواية جمع الطوابع، أو العملات والصور وغيرها من صلاح في الدين أو الدنيا؟ القراءات الفارغة، وعند بعض الناس اليوم مضمونها جاهلي بعنوان (القراءة للقراءة) فيقرأ ولا يميز بين الغث والسمين، والضار والنافع، ومن أمثلة تلك القراءات:  - قراءة القصص والروايات والمقالات الرديئة التي تثير الغرائز بالطرق المحرمة، أو تحلق بالقارئ في أجواء الخيال، أو تورث في نفسه دافع العنف  والإجرام أو الإعجاب بشخصيات الكفار.

-       الإفراط في قراءة دقائق الأخبار، وتفاصيلها التي لا تهم المسلمين، ومتابعة  الجرائد والمجلات المتكاثرة، ووسائل الإعلام الأخرى، وقد يدخل الشيطان على  المسلم في ذلك من باب تكوين الوعي والإلمام بأمور السياسة العالمية، والحق أن الناس يختلفون في هذا ويتفاوتون، والشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده.

-       القراءة في الكتب والمجلات ذات الاهتمامات التافهة، ككتب التراث الشعبي والمأكولات والأزياء المختلفة، وأخبار الفن الفاجر، وكم أضر تلك القراءات بمن يفترض أنهن محاضن للجيل المسلم.

-       الخوض في بعض مسائل تنسب للعلم ولا تبنى عليها فائدة في الدنيا ولا في الآخرة وليس إلى معرفتها سبيل صحيح فيها كبعض تفاصيل أخبار الماضين وآثارهم.

ومن مسؤولية طالب العلم أن يفرق بين مثل هذا والتحقيقات العلمية المفيدة، وعلى أية حال فكل مسألة لا يبنى عليها عمل ولا عقيدة (سواء أكان قول القلب أو عمل القلب أو قول اللسان أو عمل الجوارح، خلافاً لما يفهمه البعض عند ذكر مثل هذه القاعدة) فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه.

ولذلك نُهي عن الأغلوطات، وذم السلف المسائل وعابوها، ومنها السؤال عما هو مستبعد الوقوع أو لا يقع عادة.

ويرتبط بما سبق ما يقع اليوم عند بعض الغثائيين في إنفاق الأوقات في تآليف وتحقيقات (زعموا) فائدتها لا تساوي الاشتغال بها وقيمة محتوياتها لا تساوي الورق الذي أنفق فيها.

أو الخوض في مسائل القضاء والقدر مثلاً، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: (إذا ذكر القدر فأمسكوا...).

 

ثانياً:  نظرات فيما لا يعني المسلم الاشتغال به من شؤون الآخرين: 

التدخل في خصوصيات الآخرين وشؤونهم مما لا يصادم الشريعة الإسلامية وليس مجالاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلبية عمت الكثيرين وهي نابعة من غريزة الفضول وحب الاستطلاع.

ومن أمثلة هذا النوع:

-       محاولة معرفة الأخبار الخاصة عن طريق الأسئلة الملحة المزعجة المتكررة، من أين جئت؟ وإلى أين ستذهب؟ ومن كان عندك في البيت؟... إلخ.

-       التدخل المزعج بفرض الرأي على الشخص الأخر في الأمور العائدة إلى الذوق المباح، كطريقة ترتيب أثاث المنزل وألوان السلع المشتراة ونحو ذلك.

-       التجسس بأنواعه وهو أخطرها، وورد النهي المقتضي للتحريم عن جميع أنواع ووسائل التجسس على المسلم بكلمة واحدة من كتاب الله (وَلاَ تَجَسَّسُوا) كنهي الرجل أن ينظر في كتاب أخيه إلا بإذنه.

ولنا عند هذا الموضوع وقفات تندرج تحت ما يمكن أن نطلق عليه أصلاً من الأصول في هذا الموضوع، وهذا الأصل هو أن التدخل يختلف حكمه باختلاف الأشخاص والأحوال.

من التدخل ما يكون دعوة إلى الله ونصحاً في الدين وليس تدخلاً فيما لا يعني، كنهيك الرجل عن منكر يفعله حتى ولو كان ضرره مقتصراً عليه يفعله وحيداً داخل بيته.

وهنا يبرز أدعياء التحرر ويقولون هذا تدخل في الحريات الشخصية، وهذا متوقع من أناس لا يفقهون مكانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن والسنة وأهميتها في دين الله، وللرد عليهم موطن آخر، ويكفينا حديث البخاري -رحمه الله- في القوم الذين استهموا على سفينة.

ومنه ما يكون وجيهاً معتمداً على صلة القرابة فالأب والأم أو الإخوة لهم التدخل في أمور لا يصح أن يتدخل فيها غيرهم. فمثلاً الأب الصالح يحق له معرفة أين كان ولده، ومن يصادق، وله عليه الولاية وحق التأديب.

ومن التدخل ما يكون مطلوباً معتمداً على الصلة التربوية بين المعطي والمتلقي، والمربي والمربَى من أمور التربية والتهذيب والتعليم، إلا أن تدخل المربي في بعض الأحوال الشخصية لمن يربيه ضروري في تسديده، وتقويم اعوجاجه، وتفصيل هذا طويل قائم على المصلحة الشرعية، ويتضح في الواقع العملي، وفي الإشارة العابرة ما يغني عن الكَلِم.

ومما يضبط التدخل أيضاً (درجة الاستفصال) عند السؤال، فلو قابل رجل أخاه المسلم فسأله أتزوجت أم لا فقال نعم فقال له بارك الله لك وبارك عليك...  لَعُدَّ هذا أمراً حسناً من واجب سؤال المسلم عن أحوال أخيه المسلم، أما لو زاد عن ذلك واستفصل منه عن شيء محرجº لَعُدَّ هذا تدخلاً مستهجناً.

وقدوتنا -عليه الصلاة والسلام- كانت كل استفصالاته في موقعها، تدل المسلم على خير أو تحذره من شر.

ولو استعرضنا مثلاً حديث جابر في البخاري لما سأله -عليه الصلاة والسلام- عمن تزوج بها أبكراً أم ثيباً فقال بل ثيب فقال -عليه الصلاة والسلام-: (فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك) فالسؤال هنا ليس تطفلاً أو مجرد حب استطلاع، حاشا وكلا، وإنما سؤال المعلم الذي يريد من وراء السؤال التوصل إلى نفع المسؤول.

ولما عرف السلف حدود السؤال والتدخل، ارتقت حياتهم الاجتماعية إلى مستويات لم يعرفها العالم من قبل.

فهذا سعيد بن المسيب -رحمه الله- لما زوج ابنته الجميلة الفقيهة من تلميذه الفقير ثم سأله كيف وجدت أهلك (سؤال عام) فقال بخير على ما يحب الصديق ويكره العدو، لم يتدخل سعيد -رحمه الله- أكثر من ذلك وإنما قال إن رابك شيء فالعصا، والقصة مشهورة في السير للذهبي وغيره.

ومن التدخل ما يكون حسناً في الأمور الدنيوية المباحة، كإبداء الخبرات والإشارة بالرأي من غير إلزام من باب تقديم النصيحة.

ولما جهل الناس اليوم حدود السؤال والتدخل، انقسموا قسمين:  وقع الأول في الإفراط والثاني في التفريط، قسم يدسون أنوفهم في كل شيء، فجروا على حياتهم وحياة غيرهم شقاء ونكداً.

وقسم وقع في التفريط فلا يسأل عن أحوال إخوانه مطلقاً، فوقعت القطيعة وانقصمت عرى الأخوة.

ونتيجة لفقدان تمييز أواسط الأمور، فقد فَقَدَ السؤال عن الحال والصحة الأهمية اليوم وأصبح أمراً شكلياً لا تأثير له في نفس السائل والمسؤول.

ومن تبلٌّد الإحساس وخمود حرارة الإيمان أن ينظر بعض المسلمين اليوم إلى أحوال إخوانهم المستضعفين في الأرض والمنكوبين نظرة اللامبالاة والإهمال الشديد لأن أمرهم لا يعنيهم بزعمهم ما داموا بعيدين وما دامت القارعة لم تحل في دارهم، فالاهتمام هنا والاعتناء من حسن الإسلام، والقاعدة عندنا: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

وبالجملة فقد يكون التدخل واجباً مثل التدخل لتغيير المنكر، ويأثم لو لم يتدخل وهو يستطيع.

وقد يكون التدخل مستحباً، مثل التدخل لتحسين وضع أخيك في طريقة كلامه مثلاً.

وقد يكون التدخل مباحاً، كسؤال إنسان هل سافر أم لا.

وقد يكون التدخل مكروهاً، مثل سؤال رجل يتحرج في الجواب في أمر خاص به.

وقد يكون التدخل محرماً، مثل التجسس على المسلم.

فالعلم الشرعي عامل أساسي للتدخل من عدمه.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply