من مصابيح الهدى حكيم بن حزام

8 دقائق
11 رجب 1447 (31-12-2025)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

حكيم بن حزام بن خويلد الأسدي أحد المخضرمين المعمرين عاش مائة وعشرين سنة، ستين سنة في الجاهلية، وستين سنة في الإسلام. من أشراف قريش وعقلائها، عمته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، والزبير بن العوام ابن عمه، اتصف بالجود والكرم والبذل الواسع، لم ينفق نفقة في الجاهلية إلا أنفق مثلها في الإسلام، كان صديقا للنبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، يودُّه، وكان النبي يبادله الوُدَّ، و توثقت العلاقة بينهما حين تزوج النبي من عمته السيدة خديجة رضي الله عنها.

رغم رجاحة عقله وفطنته، لم يؤمن بالنبي ولم يصدق برسالته، لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان على الكفر، شهد بدرا مع الكفار ولم يُقتل، فكان بعدها إذا اجتهد في اليمين قال: والذي نجاني يوم بدر.

تأخر إسلامه حتى عام الفتح:

سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشياء كنت أفعلها في الجاهلية ألي فيها أجر؟ فطمأنه النبي بقوله: أسلمتَ على ما سلف لك من خير، وهذا الأمر أسعده كثيرا جعله يزداد في الإنفاق وأعمال الخير.

كانت دار الندوة بيده فباعها وهي أكبر دار بمكة، دار عريقة ذات تاريخ، فَلامَه ابن الزبير، فقال له: ياابن أخي اشتريت بها دارا في الجنة.

رآه ابنه مرة يبكي، فقال: يا أبتاه مايبكيك؟

قال أمور كثيرة، كلها أبكتني يا بني أولها بطء إسلامي… ثم قال: شيء آخر، فإن الله نجاني يوم بدر، وأُحد، فقلت يومئذ في نفسي، والله لا أنصر بعد ذلك قريشا على النبي صلى الله عليه وسلم.

وأضاف قائلا: كلما هممت بالإسلام وآتي النبي، نظرت إلى بقايا من رجالات قريش لهم أسنان وأقدار، فأقتدي بهم لأجاريهم.

وقفة تأمل:

أثَّر الوسط الجاهلي في حكيم، وكانت النتيجة تأخر إسلامه، وفوَّت عليه شهود مواقع عظيمة مع النبي صلى الله عليه وسلم

فللوسط الاجتماعي تأثير على قراراتنا التي نتخذها، فسرعان ما نغيرها خوفا من الملامة أو النقد الخارجي، لنصبح قوم تبع لآراء من حولنا ووجهات نظرهم، ملقين بآرائنا ظهريا، حتى وإن كانت مخالفة لما كنا نسعى إليه بداية.

تنقل لنا كتب السير أن أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم علم اليقين أن دين ابن أخيه خير الأديان غير أن فعل كلام شيوخ قريش عليه كان أقوى، فحال دونه ونطقه بشهادة التوحيد، ومات مشركا على دين آبائه، فخسر الدنيا والآخرة وهو القائل:

وَدَعَوتَني وَزَعَمتَ أَنَّكَ ناصِحٌ *** وَلَقَد صَدَقتَ وَكُنتَ ثَمَّ أَمينا

وَعَرَضتَ دينًا قَد عَلِمتُ بِأَنَّهُ *** مِن خَيرِ أَديانِ البَرِيَّةِ

لَولا المَلامَةُ أَو حِذاري سُبَّةً *** لَوَجَدتَني سَمحًا بِذاكَ مُبين

بل مِن الناس من لا يملك الشجاعة على العيش حياة حرة كما يريد، لكنه يعيش الحياة التي يتوقعها الآخرون منه، اتباعا لهوى النفس وحظوظها، فيبقى مكبلا لا يستطيع الحراك إلا وفق يخططون، مع وسائل التواصل الإجتماعي التي سيطرت أفكار الناس وتوجهاتهم سلبا في غالب الأحيان، تجد الواحد منهم يبني حياته وفق ما تقدمه الشخصيات المؤثرة والمغمورة، ولا يقيم وزنا لعادات المجتمع وتقاليده، ولا لدينه.

إن المؤمن الحق الموصول بالله الكيس، الفطن، يجب عليه أن يتحرر مَِن كل تبعية، ويحذر من أي سلطان دنيوي يقف في وجهه حاجزا يمنعه من مواصلة مشواره الطويل الذي سطره الله جل في علاه، وسلكه نبيه صلى الله عليه وسلم.

سألته فأعطاني *** ثم سألته فأعطاني…

فرح النبي صلى الله عليه وسلم فرحا شديدا بإسلام حكيم رغم تأخره، وقال يومها: من دخل دار حكيم فهو آمن.

تألفه النبي بالعطاء حتى حسن إسلامه، ومن أعظم المواقف التي حدثت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه رضي الله عنه قال: "سَأَلْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فأعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فأعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فأعْطَانِي، ثُمَّ قالَ: يا حَكِيمُ، إنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمَن أَخَذَهُ بسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فِيهِ، ومَن أَخَذَهُ بإشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ له فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ ولَا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى. قالَ حَكِيمٌ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ لا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شيئًا حتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا".أخرجه البخاري.

هدايات الحديث:

إن المال هو العصب الذي تقوم به حياة الأفراد والأمم وبه تبني حضارات الشعوب، وتزدهر.

أمرنا سبحانه أن ننفقه في ما يرضيه، وما نحن إلا مستخلفين فيه، قال تعالى:﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾الحديد:7، وحثنا على التعفف، ونهانا عن السؤال إلحافا، وقال سبحانه::﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ البقرة:273، يعني أن المتعففين لا يسألون الناس إلحاحا رغم حاجتهم.

والحبيب المصطفى يعلم أن الإنسان مجبول على حب المال، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ سورة الفجر: 20، وأعلمه ربه أن المال ماهو إلا زينة الحياة الدنيا قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ الكهف:46، ولا يخفى عليه صلى الله عليه وسلم أبدًا مقدار تعلق النفوس به.

لم يزجر حكيما ولم يَرُدَّهُ عندما سأله العطاء عدة مرات، بل أعطاه، وأعطاه وهذا من مكارمه صلى الله عليه وسلم أنه لا يردُّ سائلا، بل أتْبَع العطاء بتوجيه تربوي، فهو المربي الأول للنفوس الشرهة.

وصف صلى لله عليه وسلم المال وصف بديع وقال: "إن َّهذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ" فالمال في نضارته شبيه باللون الأخضر اليانع الزاهي الجميل، وفي مذاقه كالفاكهة الحلوة، لذلك ترغبه النفوس، وتشتهيه، ويتمنى ابن آدم الزيادة منه، "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" أخرجه مسلم.

ولما كان المال من الفتن الشديدة التي يُبتلى بها الإنسان في الحياة، لا بد من جرعة نبوية فعالة تستأصل داء الشراهة المتجذرة في النفوس، أراد نبينا من حزام، و من كل فرد في أمته أن يصون نفسه عن حرصه على المال، ويأخذه بسخاوة دون طمع و دون إلحاح وشره. وحذر من التطلع والاستكثار وقال: "مَن سَأَلَ النَّاسَ أمْوالَهُمْ تَكَثُّرًا، فإنَّما يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ، أوْ لِيَسْتَكْثِرْ" أخرجه مسلم، وبين من جهة أخرى أن النفس الغنية هي النفس التي تكف عن المطامع والسؤال وقال: "ليسَ الغنى عن كثرةِ العَرَضِ ولَكنَّ الغِنى غنى النَّفسِ" متفق عليه.

قال ابن بطال: معنى الحديث ليس حقيقة الغنى كثرة المال، لأن كثيرًا ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي فهو يجتهد في الازدياد ولا يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتي، وقنع به ورضي ولم يحرص على الازدياد ولا ألح في الطلب، فكأنه غني.1

وقال القرطبي: *إن الغِنَى النافعَ العظيم الممدوح: هو غنى النفس؛ وبيان ذلك أنه إذا استغنتْ نفسُه كفَّت عن المطامع؛ فعزَّت وعظُمَت، وحصَل لها مِن الحظْوَة والنزاهة والشرف والمدح أكثرُ مِن الغِنَى الذي يناله مَن يكون فقيرَ النفْس لحرصِه، فإنه يُورِّطه رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله، ويكثر بذلك مَن يَذُمُّه مِن الناس، ويصغر قدره عندهم فيكُون أحقرَ مِن كل حقير، وأذلَّ مِن كل ذليل*. 2

فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستغناء عن الناس ويربينا على عزة النفس، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي العَطَاءَ، فأقُولُ: أَعْطِهِ مَن هو أَفْقَرُ إلَيْهِ مِنِّي، فَقالَ: خُذْهُ؛ إذَا جَاءَكَ مِن هذا المَالِ شَيءٌ وأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ ولَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وما لا فلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ. عنه - خُذهُ فتموَّلهُ، أو تصدَّق بِهِ ما جاءَكَ من هذا المالِ، وأنتَ غيرُ مُشرفٍ، ولا سائلٍ فَخذهُ، وما لا فلا تُتبعهُ نَفسَكَ". أخرجه البخاري، يعني ماجاءك يإشراف نفس وتطلع وتشوف فلا تأخذه، وما جاءك بسؤال فلا تأخذه.3

فكل مال يؤخذ بهذه الطريقة، أو أي احتيال على الناس بوسائل ملتوية غير مشروعة لأخذ أموالهم، لا يباركه الله تعالى ولا يزكيه، لأن البركة هي النماء والزيادة وما كان الله ليزكي مالا مأخوذا تشوفا وطمعا، فإما أن يصرفه المحتال الطامع تفاخرا وحبا للثناء، أو ينفقه في كماليات لا تنفع.

وفي وصية أخرى قال صلى الله عليه وسلم: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ"

أي أن الخيرية ملازمة لليد العليا لأنها هي المنفقة واليد السفلى هي الآخذة.

حال حزام بعد النبي وبرِه بقسمه:

كان أَبو بكر رضي اللهُ عنه يدعو حكيما إلى العطاء، فيأْبى أَن يقبله منه، ثُمَّ إن عمرَ رَضيَ اللهُ عنه دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ، فأبَى أَنْ يَقْبَلَ منه، ثم عثمان ومعاوية رضي الله عنهم فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسولِ اللَّهِ حتَّى تُوُفِّيَ، بارا بقسمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن دل ذلك على شيء إنما يدل على حسن إسلامه وصدقه مع الله، ورسوله.

وقفة لا بد منها:

لقد أسلم حكيم وتاب وحسن إسلامه، وصوب مساره وهوفي الستين من عمره، أي يعادل عمر التقاعد الوظيفي لأحدنا في هذا العصر، للأسف أن الكثير منا يعتبر التقاعد نهاية لمشوار، وينظر إلى هذه المرحلة نظرة قاصرة.

إن التقاعد في الحقيقة مرحلة عمرية جميلة، تُستثمر فيه مهارات خفية كانت كامنة في نفسية المتقاعد لانشغاله بالوظيفة، واهتمامه بالأبناء الصغار، وانشغالات حياتية مختلفة، وهي أيضا لاكتشاف آفاقا جديدة للحياة المستقبلية، في هذه المرحلة فإن الإنفاق والعطاء من نوع آخر، ينفق من وقته وعلمه وصحته وماله، لذاته، ولمن يحب.

فما التقاعد إلا انتقال من العطاء الوظيفي الضيق إلى عطاء ليس له حدود، أكيد بعد تخطيط جيد لتحقيق إنجازات يفتخر بها.

يقول الأستاذ عبدالكريم بكار: *التقاعد هو حالة وعي، صدق مع النفس قد يأتي في الستين، وقد يأتي في الأربعين، وفي بعض الأحيان في العشرين … التقاعد الإيجابي هو بداية جديدة وفتح صفحة مع من نحب ومع ما نشعر أننا خلقنا لأجله، هو الانتقال من حياة الواجب إلى حياة الشغف ما يجب أن أفعله إلى ما أريد أن أكون … لقد تحررت أخيرا لأعيش الحياة التي أستحقها*.

وهذا ما حدث مع حكيم رضي الله عنه بدأت حياته الحقيقية لحظة دخوله الإسلام، أصبح حرا طليقا خاضعا لله، دخل زمرة الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "النَّاسُ مَعَادِن كَمَعَادِن الذَّهَب وَالفِضَّة، خِيَارُهُم فِي الجَاهِلِيَّة خِيَارُهُم فِي الإِسْلاَم إِذَا فَقُهُوا". أخرجه البخاري.

فتح صفحة جديدة مع الله، فعاش بقية عمره التي امتدت ستين سنة أخرى مستغن عن سؤال الناس، قانعا، واعيا، منفقا في سبيل الله، فبارك الله له فيما أعطاه، كانت يده عليا، تعطي ولا تأخذ، جعل الدنيا في يديه ولم يجعلها في قلبه. إنه خريج المدرسة المحمدية، ومصباح من مصابيح الهدى …

إن العمر من أعظم منن الله، فما مضى منه لا يعود، والمستقبل قد تكون فيه موجودا أو مفقودا، والعطاء فيه لا يتوقف، والله تعالى لم يقيد العطاء بزمان، ولا مكان، ولا عمر، قال النبي : "إن قامتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتَّى يغرِسَها فليغرِسْها" أخرجه البخاري.

نلاحظ أنَّ قال أحدكم لا على تعيين لعمر أو لوقت أومكان، ويروى أن رجلا بلغ من الكبر عتيا، ولكن لم يفقده كبره الأمل لاستشراف المستقبل، والتخطيط له، فقام بغرس شجرة الجوز، ومن خصائص أشجار الجوز البطء في الإثمار، فلما قيل له أنها لن تثمر إلا بعد سنوات، قال حكمته السديدة: زرعوا فأكلنا ونزرع ليأكلوا …

اللهم بارك لنا في أعمارنا، واغفر لنا ما مضى، وتقبل ما قدمنا، وأصلح لنا ماتبقى منها، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق