أكاذيب القصاص


 

بسم الله الرحمن الرحيم

  

لقد أجاد السيوطي - رحمه الله - حين وضع كتابه القيم \" تحذير الخواص من أكاذيب القصاص \" (1) غيرة على حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المقام الأول، وعلى خُلق \"الصدّق \" الذي لا ينبغي أن يساوم عليه المسلم في المقام الثاني، فقد أقض مضجعه، وأرّق جفنه - رحمه الله - ما اختلقه كثير من الوعاظ والقصاصين من الأكاذيب والخيالات والأساطير فضلا عن الأحاديث والآثار الموضوعة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين وما ذلك إلاّ لبساطة تفكيرهم، وضحالة عقولهم ورقة ديانتهم.

وإلاّ لكان لزاماً عليهم إن يتعلموا ويتفقهوا قبل أن يتصدروا، ويتكلموا كما كان واجباً في حقهم أن يدركوا شناعة الكذب لا سيما على شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القائل كما في الصحيح: \" من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار \" وهو حديث عّده بعض العلماء من المتواتر!

 

إنّ خطر بعض هؤلاء القُصاص، وما نسميهم في عصرنا الراهن بالوعاظ خطر جسيم على الشريعة برمتها مادامت بضاعتهم في العلم مزجاة، وجرأتهم على سوق الأكاذيب، والموضوعات رائجة فالله - تعالى -حرّم القول عليه وعلى شريعته ورسوله بلا علم وقرن ذلك بأبشع الذنوب وعلى رأسها الشرك فقال - تعالى -: \" (قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثمَ وَالبَغيَ بِغَيرِ الحَقِّ وَأَن تُشرِكُوا بِاللّهِ مَا لَم يُنَزِّل بِهِ سُلطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعلَمُونَ)

قال ابن الجوزي: \" والقاص يروي للعوام الأحاديث المنكرة، ويذكر لهم ما لو شمَّ ريح العلم ما ذكره، فيخرج العوام من عنده يتدارسون الباطل فإذا أنكر عالم، قالوا: قد سمعنا هذا بـ \" أخبرنا\" و \" حدثنا \" فكم أفسد القصاص من الخلق بالأحاديث الموضوعة! كم لون قد اصفّر بالجوع! وكم هائم على وجهه بالسياحة! وكم مانع نفسه ما قد أبيح! وكم تارك رواية العلم زعما منه مخالفة للنفس في هواها ذلك! وكم مؤتم أولاده بالزهد وهو حي! وكم معرض عن زوجته لا يوفيها حقها، فهي لا أيمِّ ولا ذات بعل!! \"

 

ووصف ابن قتيبة القصاص وأكاذيبهم بقول: \" فإنهم يميلون وجوه العوام إليهم ويستدرون ما عندهم بالمناكير والغريب والأكاذيب من الأحاديث، ومن شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجيباً خارجاً عن خطر العقول يحزن القلوب ويستغزر العيون!! \"

 

لقد شوّه كثير من هؤلاء القصاص جمال الشريعة الإسلامية، وكدّروا صفاءها بكثرة ما يلقونه على مسامع الناس من الخرافات والأكاذيب وحمّلوهم أصارا وأثقالاً أثقلت كواهلهم وأفسدت عقولهم وحرفت مسارهم عن الصراط المستقيم!! و لا مزيد على كلام ابن الجوزي السابق ذكره في وصف الشقاء الذي آل إليه حال الناس بعد سماعهم لأقاصيص وروايات مكذوبة حتى على أعظم الخلق وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -.

 

وفي زماننا هذا تصدى القصاصون أو من يسمون بالوعاظ لتحديث الناس فكانوا امتداداً لتلك الأجيال المتعاقبة من القصاصين الذين ورثوا ذات المناهج الفاسدة عن بعضهم البعض فضلوا وأضلوا!

 

وفي عصر الفضائيات زاد البلاء، واتسع الخرق على الراقع فانبرى للجماهير المتلهفة لسماع الخطاب الديني عدد كبير من القصاص فأمطروا مسامعهم بوابل الأحاديث الموضوعة والقصص المكذوبة فتحلقت أمام قنواتهم وشاشاتهم الألوف المؤلفة من الدهماء والعامّة فتلذذوا بمعسول كلامهم، وانخدعوا بزيف عباراتهم وإن شئت أن تتأكد فتأمل كثافة الحاضرين وجمهور المتابعين لبعض المتصوفة أو المخرفة فضلاً عن السحرة والمشعوذين! فإلى الله المشتكى

وقد أورد العقيلي في \" الضعفاء \" عن حماد بن زيد - رحمه الله - قال: وضعت الزنادقة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثني عشر ألف حديث. (2)

 

وقال ابن عدي في الكامل: لما أُخذ عبد الكريم بن أبي العوجاء لتضرب عنقه لزندقته قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرّم فيها الحلال وأحلل الحرام!

 

وذكر ابن الجوزي في الموضوعات (1/48) قال: وضع أحمد بن عبد الله الجويباري ومحمد بن عكاشة الكرماني ومحمد بن تميم الفارابي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من عشرة آلاف حديث!!!

قلت: ومن هنا نلمس أهمية التثبت في أحاديث المصطفى فيصطفى منها الصحيح والحسن، ويهجر الضعيف والموضوع وهذا ما يجب على أهل الحديث توضيحه وتقديمه للناس فهل يفعلون؟؟

 

-----------

(1) ذكر بعضهم أنه اختصار لكتاب ابن الجوزي \" كتاب القُصاص والمذكرين \" ينظر: مقدمة \"د. محمد لطفي الصباغ على الكتاب لكن السيوطي نفسه ذكر في مقدمه الكتاب أنه لخص كتاب الحافظ العراقي \" الباعث على الخلاص من حوادث القصاص \"

(2)ينظر تحذير الخواص للسيوطي.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply