الحمد والدعاء


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسولِ الله، وعلى آلِه وصحبِه ومن والاه، وبعد فإنَّ عُنوانَ سَعادةِ العَبدِ وعَلامةَ فَلاحِه ونَجاحِه في أن يكون شاكِراً للنَّعماءِ صابِراً على البَلاءِº فـ\"إذا أُنعِمَ عليه شَكَرَ، وإذا ابتُلِيَ صَبَرَ، وإذا أذنَبَ استَغفَر\"! [1]

 

وقد وَرَدَ في القرآنِ والسٌّنةِ تعلِيمُ الدٌّعاء وتَعلِيمُ الحمدِ على السَّواءº حتى قال الصحابة - رضي الله عنهم -: (كان يُعَلِّمنا الاستخارةَ كما يُعَلِّمُنا السورةَ من القرآن\". قال القاضي عياض - رحمه الله -: \"أذِنَ الله في دُعائه، وعلَّم الدعاءَ في كتابِهِ لِخَلِيقَتِهِ، وعلَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - الدٌّعاءَ لأمَّتِه\"º[2] فما أسعَدَ مَن اقتدى بالقرآنِ والسنةº ولله دَرٌّ ابنِ القيِّم حيث قال: \"سُبحانَ الله! ما حُرِمَ المُعرِضُون عن نُصُوصِ الوَحيِ، واقتباسِ العِلمِ من مِشكاتِه مِن كُنُوزِ الذَّخائر؟! وماذا فاتَهم مِن حياةِ القلوبِ واستِنارةِ البصائر\". [3]

 

وقد بَيَّنَ العلماءُ علاقةَ الحمدِ بالدعاءِ، ونَصٌّوا على فَضلِ الدٌّعاءِ بأسماءِ الله الحسنَىº إذ إنَّ الدٌّعاءَ الذي يُرجَى قبولُه يُبدَأُ بِحَمدِ الله - عز وجل - والثناءِ عليه بما هو أهلُه والشهادةِ له بالأسماءِ الحسنَى والصِّفاتِ العُلى، كما روى ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: (بِتٌّ عند ميمونة، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم -...ثم توضأ... وكان يقول في دُعائه: (اللهم لك الحمدُ أنتَ نُورُ السمواتِ والأرضِ ومَن فيهن، ولك الحمدُ أنتَ قَيٌّومُ السمواتِ والأرضِ ومَن فيهن، ولك الحمدُ أنتَ الحق ووَعدُك حَقُّ وقولُك حَقُّ ولقاؤك حَقُّ، والجنةُ حَقُّ والنارُ حَقُّ والساعة حَقُّ والنَّبِيٌّون حَقُّ ومحمد حَقُّ. اللهم لك أسلَمتُ وعليك توكَّلتُ وبك آمَنتُ وإليك أنَبتُ وبك خاصَمتُ وإليك حاكَمتُº فاغفِر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسرَرتُ وما أعلَنتُ، أنتَ المقدِّمُ والمؤخِّرُ لا إله إلا أنتَ، أو لا إله غيرك)! [4]

 

ولا يخفى أنَّ دُعاءَ اللهِ - تبارك وتعالى -، والتوجٌّهَ إليه في خُشُوعٍ, وخُضُِوعٍ,º شَهادةٌ له - جلَّ جلالُه - بأنه الله الذي لا إلهَ إلا هو الأحَدُ الصَّمَدُº وأنَّ بيده الخير، وعنده النفع والضٌّر. ورحم الله العلامة ابنَ القيّم، حيث قال: \"لَمَّا كان سُؤالُ اللهِ الهدايةَ إلى الصراطِ المستَقِيمِ أجَلَّ المطالِبِ، ونيلُه أشرفَ المواهِبِº علَّمَ الله عِبادَه كَيفِيةَ سُؤالِه، وأمَرَهم أن يُقدِّموا بين يدَيه حَمدَه والثناءَ عليه وتَمجِيدَه، ثم ذَكَرَ عُبُودِيَّهم وتوحِيدَهمº فهاتان وَسِيلتان إلى مَطلُوبِهم: تَوَسٌّلٌ إليه بأسمائه وصِفاتِه، وتَوَسٌّلٌ إليه بِعُبُودِيَّتِه. وهاتان الوَسِيلَتان لا يكاد يُرَدٌّ معهما دُعاء، ويؤيِّدهما الوَسِيلَتان المذكورَتان في الاسمِ الأعظم... وهذه ترجَمةُ عَقِيدةِ أهلِ السنة، والتوسل بالإيمان بذلك والشهادة: هو الاسم الأعظم\"! [5]

 

وقد ترجم البخاري في كتاب (التوحيد) (باب سؤال بأسماء الله - تعالى -والاستعاذة بها)، وحديث حذيفة قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم باسمك أحيا وأموت، وإذا أصبح قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور). [6] وجاء في حديثِ الملائكةِ السيَّاحِين في الأرض، (يقولون: تركناهم يحمدونك ويمجّدونك ويذكرونك، قال: فيقول: فهل رأوني؟ فيقولون: لا. قال: فيقول: فكيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رَأوك لكانوا أشدَّ تحميدًا وأشدَّ تمجيدًا وأشدَّ لك ذِكرَا). [7] وقد خَتَمَ البخاريٌّ صَحِيحَه الجامعَ بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اللهِ وبحمده، سبحان الله العظيم). [8]

 

وقد علَّمَ النبِيٌّ - صلى الله عليه وسلم - عَليٍّ,ا وفاطمةَ - رضي الله عنهما - التكبيرَ والتسبيحَ والتحميدَ عند النومº تعظيماً لله - عز وجل - وشُكراً له على نِعَمِه الكثيرةِ ورَحمَتِه التي وَسِعَت كلَّ شيء. فقد روى عن عليٍّ, (أنّ فاطمة - عليها السلام - شَكَت ما تَلقَى في يَدِها مِن الرَّحىº فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - تسأله خادماً، فلم تَجِده، فذكرَت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبَرَته، قال: فجاءنا وقد أخَذنا مَضاجِعَنا، فذهَبتُ أقُومُ، فقال: مكانَك، فجلس بينَنا حتى وجَدتُ بَردَ قَدَمَيه على صدري، فقال: ألا أدلٌّكما على ما هو خَيرٌ لكما من خادمٍ,؟ إذا أويتما إلى فِراشِكما أو أخذتُما مضجعَكما فكبِّرا أربعاً وثلاثين، وسبِّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثينº فهذا خيرٌ لكما من خادم). [9] قال القرطبي: \"إنَّما أحالَهما على الذِّكرِº ليكون عِوَضًا عن الدٌّعاءِ عند الحاجة\". [10]

 

ورَحِمَ الله ابنَ القيمº فقد أحسَنَ التعبِيرَ عن حالِ العَبدِ في الحمدِ والدٌّعاءº فذكرَ أنَّ \"مُشاهَدةَ المنّةِ تُوجِبُ له المحبةَ والحمدَ والشٌّكرَ لِوَلِيِّ النِّعَمِ والإحسانِ، ومُطالعة عَيبِ النفسِ والعمل توجِب له الذلَّ والانكسارَ والافتقارَ والتوبةَ في كل وقتٍ,º وأن لا يرى نفسَه إلا مُفلِساً، وأقربُ بابٍ, دخلَ منه العبدُ على الله - تعالى -هو الإفلاسº فلا يرى لنفسِهِ حالاً ولا مقاماً ولا سبباً يتعلّق به ولا وسيلةً منه يمنّ بها! بل يدخل على الله - تعالى -من باب الافتقار الصِّرف والإفلاس المحض دخولَ من قد كَسَر الفقرُ والمسكنةُ قلبَهº حتى وَصَلَت تلك الكسرةُ إلى سُوَيدائهº فانصدعَ وشَمَلَتهُ الكسرةُ من كلِّ كلِّ جهاتِهِ، وشهد ضرورتَه إلى ربِّهِ - عز وجل -، وكمالَ فاقتِهِ وفقرِهِ إليه، وأنَّ في كلِّ ذَرَّةٍ, من ذرّاتِهِ الظاهرة والباطنة فاقةً تامّةً، وضَرورةً كامِلةً إلى ربِّهِ تبارك وتعالى، وأنه إن تخلَّى عنه طرفةَ عينٍ, هلك وخسر خسارةً لا تُجبَرُº إلا أن يعود الله - تعالى -عليه ويتداركه برحمتِهِ\". [11]

 

فالحمدُ والدٌّعاءُ يجتمعان في إظهارِ العُبوديةِ لله - عز وجل - والافتقارِ إليه والإقبالِ عليهº \"ففي القلب شَعَثٌ لا يلُمّه إلا الإقبالُ على الله، وفيه وِحشةٌ لا يزيلها إلا الأنسُ به في خلوته، وفيه حزنٌ لا يُذهبه إلا السرورُ بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلقٌ لا يسكّنه إلا الاجتماعُ عليه والفرارُ منه إليه، وفيه نيرانُ حسراتٍ, لا يطفئها إلا الرِّضَى بأمرِه ونَهيِه وقضائه، ومُعانقة الصبرِ على ذلك إلى وقتِ لقائه، وفيه طَلَبٌ شديدٌ لا يقفُ دون أن يكونَ هو وَحدَه مَطلُوبَه، وفيه فاقةٌ لا يَسُدٌّها إلا مَحبَّتُه والإنابةُ إليه ودَوامُ ذِكرِه، وصِدقُ الإخلاصِ لهº ولو أُعطِيَ الدنيا وما فيها لم تُسَدَّ تلك الفاقَةُ منه أبدا\"! [12]

 

_______________________

[1] الوابل الصيِّب من الكَلِم الطيِّب لابن القيِّم ص 12. دار الكتب العصريّة بيروت. ط1. 1424 هـ.

[2] شرح ابن علان للأذكار 1/17. نقلاً عن تصحيح الدعاء للشيخ بكر أبو زيد ص 6.

[3] مدارج السالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين 1/5.

[4] رواه البخاري في كتاب الدعوات (باب الدعاء إذا انتبه من الليل). فتح الباري 11/116.

[5] مدارج السالكين دار الفكر ط 1408هـ. وقد أعرضتُ عن ذكر الحديث الثاني ـ وهو في الترمذي ـ لضعفه.

[6] فتح الباري 13/378.

[7] سنن الترمذي 5/579، باب ما جاء أن لله ملائكة سياحين في الأرض، حديث 3600.

[8] وهو آخرُ حديثٍ, في كتاب (التوحيد).

[9] رواه البخاري في (باب التكبير والتسبيح عند المنام) فتح الباري 11/119.

[10] المرجع السابق 11 /14.

[11] الوابل الصيِّب ص 14-15.

[12] مدارج السالكين لابن القيّم 3/164.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply