أبواب السلاطين


بسم الله الرحمن الرحيم

 

من دلائل النبوة على صاحبها أتم الصلاة وأكمل التسليم: تلكم الأحاديث التي حذرت من أمور لم يكن لها في واقع الصحب الكرام وجود..من هذا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: \"مَن سَكَنَ البَادِيَةَ جَفَا، وَمَن اتَّبَعَ الصَّيدَ غَفُلَ، ومَن أتى أبوابَ السلاطين افتَتَنَ\"(1).

 

فاشتمل الحديث على التحذير من ثلاثة أمور: أما البادية والصيد فكلاهما واقع يعايشونه، أو هوَ مُشاهَدٌ لهم ليس منهم ببعيد.وأما إتيان أبواب السلاطين: فهو ما لم يعرفوه، إلا ما وقع منه لبعضهم في بعض أسفارهم، حينما كانوا يفدون على ملوك الحبش والروم والفرس، أو من تشبه بهم من العرب على ندرة، أما قريش فلم يكن لها سلطان ولا مَلِكٌ. إذاً فما علة تحذيرهم من أمر ليس فيهم؟

 

 لقد كان تحذير النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم تحسباً لما أعلم به مما سيكون، وإن كان لم يزل وراء حجب الغيب وآماد السنين. وأيضاً لأن خطاب النبي ممتد امتداد الزمان لاعتبار عموم رسالته إلى الناس كافة.

 وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - غاية في الحرص والحذر، وبِداراً(2) إلى ما ينبغي فعله والتعجيل به، استباقاً للحدث المترقب وتحسباً له..

 

إذاً كان ذم إتيان أبواب السلاطين تنزيهاً للصحب الكرام عن مواطن زلل ومخاطرة، وسداً للذرائع والمداخل الشيطانية التي تتصل بواقع قد يواجهونه، أو قد يغشاهم وليس لهم به سابق اختبار. وإنه والله لفقه لم نقدره قدره في تعاطينا لواقعنا طبقاً لتوقعاتنا، سواء البعيدة المستنبطة أو القريبة المنظورة.

هذا.. ودلالة\"أبواب السلاطين\" ظاهرة إذا ما قيست بواقعها إبان السلطنة في شكلها البسيط، حينما كان معناها لا يتجاوز قصور القوم وأبوابها.

 

 أما دلالة اللفظة المعاصرة فإنها ـ بنظري ـ قد تتسع إلى ما هو أشمل وأعم من ذلك بكثير.

 فلا يبعد أن يدخل في مدلول \"أبواب السلاطين\": المنتجعات السيادية، والاستراحات الخاصة، والمركبات \"الدبلوماسية\"، ووزارات الحكم، و\"البرلمانات\"، ومجالس إصباغ الشرعية، والمؤتمرات الرئاسية (أو الملكية)، وصالات كبار الزوار... بل وربما يدخل فيها مؤسسات الصحافة الرسمية.... إلى غير ذلك مما يجمعه و\"أبواب السلاطين\" ـ بمدلولها القديم المحدود ـ علة الافتتان بالسلطان، وكتمان الحق عنده، والانزلاق إلى مداهنته... ذلك فضلاً عن منافقته، والمبالغة في إطرائه، وخلع الألقاب عليه، بصفات وخصائص مما ليس فيه ومما يناقض ما فيه، وتزيين باطله، وإغرائه بالصالحين، وغره(3) بنفسه...

 

 فلولا تنزه الصالحون عن مواقف التهم تجنباً لمزالقها، وتفادياً لورطاتها، ولو من باب الورع، وما أهون الورع.. قال حسان بن أبي سنان(4): ما رأيت أهون من الورع \"دع ما يُريبك إلى ما لا يريبك\" أي كما قال النبي الله عليه وسلم (5).

 ولقد يزين الشيطان ـ والنفس من ورائه تفلسف وتبرر ـ إتيان أبواب السلاطين بدعوى المصلحة، كدفع مظلمة، أو رفع ظلم، أو قضاء حاجة عامة... فيقدم عليه المغتر، مغفلاً ما يستوجبه غشيان أبوابهم من شروط إيمانية وضوابط شرعية.. منها:

ــ أن تكون المصلحة المرجوة، أو الضرورة النازلة، حقيقية غير متوهمة.

ــ وأن لا يتجاوز حدها أو يبالغ فيهاº فإن الضرورة تقدر بقدرها.

ــ وأن يتوفر قصد الساعي بها على ذلك غير متطلع إلى منفعة خاصة أو مأرب شخصي.

ــ وأن يتوفر بتقوى الله وخشيته والعلم بأحكام الشريعةº فلا ينبغي أن يأتي هذه الأبوابَ من تُخشى عليه الفتنة في الدين، أو الافتتان بالدنيا، بل الواجب على من يضطر لغشيان أبوابهم أن يستوثق من ثبات قلبه وطهارة نفسه، وأن يكون عارفاً بأنه من أزهد الناس فيما في أيدي القوم.

ــ وأن لا يستديم على غشيان أبوابهم، أو يكثر منه، فإن كثرت عليه المصالح والضرورات فليشرك معه غيره ممن في مثل حاله، أو ليوازن بين ما يراد جلبه من مصلحة وما يتوقع حصوله من مفسدة، مراعياً أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

ــ وأن يكون أبعد الناس عن الشبه أبرأهم من التهم، وأن يتحرى ذلك حينما يغشى أبوابهم فلا يأتيها على هيئة أو حال تثير الريبة أو الشكوك حوله.

ــ وأن يصدع بالحق عندهم، لا كما يمسك عنه قوم، وهم ينكرون على من يصدع به جهراً، بدعوى لزوم نصحهم سراً!!

فيا أخي العالم التقي، والداعية النقي.. إن كان ذلك كذلك، وإلا فدَع.

 وإني لأرى أنه لو استوفي كل ما تقدم من شروط ـ لو فرض استيفاؤها ـ يبقى من يغشى أبواب السلاطين على خطر عظيم، وحسبك من ذلك شهود مجالسهم، والنظر في وجوههم، ومطالعة دنياهم وزخارفها، ورؤية منكراتهم وتوابعها، ولا سيما إن لم ينكرها، وتعمدوا هم كسر هيبته باقترافها في حضرته.

ربنا احفظنا من فتنتهم ومن الفتنة بهم.. اللهم آمين

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش وإحالات:

(1) أخرجه أحمد، عن ابن عباس في ثلاثة مواضع من المسند، وأورده السيوطي في الجامع الصغير: (6172)، وصححه الألباني في\"صحيح الجامع\"، و\"تخريج المشكاة\": (3701).

(2) بداراً: تقول: بادره، مبادرة وبداراً، وابتداراً، وبدر غيره إليه عاجله. وبدره الأمر، وإليه: عجل إليه واستبق.

(3) غره: مصدر. من قولك: غره غراً وغُروراً وَغِرة، بالكسر، فهو مغرور وغرير، كأمير. وهذه والله تكاد تكون على وزن تلك لفظاً ومعنى لو قصد بها كثير من أمراء زماننا.

(4) ذكره البخاري ـ البيوع ـ ترجمة باب تفسير المشبهات.

(5) أخرجه الترمذي ـ كتاب صفة القيامة ـ (60) باب..: (ح/2708).  

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply