القوى التي تبنت الوحدة العربية أفشلتها


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحوار مع أكاديمي وباحث وسياسي ومثقف بحجم الدكتور خير الدين حسيب بلا شك شائق وممتعº لأنه صاحب تجربة ثرية لم يكتف فيها بمجرد القراءة البحثية النظرية في قضايا الأمة ومصيرها، بل قبل هذا كان صاحب تجربة سياسية ثرية في العراق، قبل انتقاله للإقامة في بيروت التي ابتدأ فيها مشروعه الذي طالما راوده كثيراً مشروع (الوحدة العربية) التي سعى إليها سياسياً وأكاديمياً من خلال إنشاء مركز دراسة الوحدة العربية المركز الوحيد الذي ظل صامداً على الرغم من كل العوائق والمثبطات، وأنتج تراثاً فكرياً وسياسياً واقتصادياً يرمي إلى تحقيق الوحدة العربية.

في هذا الحوار الذي اقتطعناه على عجل من وقته الثمين طرحنا عليه عدداً من هموم وأشجان وأحزان هذه الأمة فإلى تفاصيل الحوار:

 

* ما الذي يجري اليوم في العراق، وتحت أي توصيف يمكن أن تضعه؟ وهل تحقق الهدف الأمريكي من هذا الاحتلال؟

ما يجري في العراق باختصار شديد، وبغض النظر عن الأهداف المعلنة من قبل الأمريكان لغزو العراق، والذي تبين أنها غير صحيحة نتيجة التحقيقات التي قام بها الكونجرس الأمريكيº فليس هناك أسلحة دمار شامل، وليس هناك علاقة بين النظام السابق وبين القاعدة، وبالتالي المسوّغات التي أعلنتها أمريكا لغزو العراق كانت غير صحيحة، وبعد ما تبين عدم صحة هذه المسوّغات قالوا: نريد تحقيق الديمقراطية في العراق، وأن يكون العراق نموذجاً في منطقة الشرق الأوسط، والآن النموذج الديمقراطي الذي في العراق كلنا نشاهد ما هو، فهذا النموذج غير قابل للتصدير للدول الأخرى في المنطقة لأنها تخاف من أن هذا النموذج هو الاقتتال والاغتيالات إلى آخره.

إذن فهناك ثلاثة أهداف قد لا تكون معلنة ظاهرياً لكن هناك إجماع على أنها الأهداف الحقيقية:

الهدف الأول: هو موقع العراق الاستراتيجيº فالذي يسيطر على العراق يسيطر على المنطقة.

والهدف الثاني: نفط العراق، فالعراق هو ثاني بلد في العالم من حيث احتياطي النفط، والولايات المتحدة تريد السيطرة على نفط الخليج كله حتى يكون معها ورقة تتعامل بها مع الاتحاد الأوروبي، والصين، واليابان الذين يحتاجون النفط ليكون ورقة مساومة تتعامل بها مع هذه الدول.

الاحتلال للعراق تم دون قرار من مجلس الأمن، والأمين العام للأمم المتحدة قال: \"إنه احتلال غير قانوني\"، وإذا كانت القضية قضية \"دمقرطة العراق\" فالشعب العراقي ليس الشعب الوحيد العربي الذي لم يختر حكامه بحرية، والعراق ليس الشعب العربي الوحيد الذي قد لا يكون راضياً عن حاكمه أو نظامه، والعراق ليس الشعب العربي الوحيد الذي قد لا يكون قادراً على تغيير حاكمه، فلماذا اختيار العراق وهناك أنظمة أخرى عربية أكثر دكتاتورية، وأقل ديمقراطية من العراق؟ وما ذلك إلاّ للأهداف التي ذكرنها سابقاً.

كان المخطط الأمريكي ابتداء هو أن يأتوا ويحتلوا العراق، ويغيروا النظام، وينشئوا عمليه سياسية تنتهي إلى قيام حكومة عراقية موالية للأمريكان، ويحلوا الجيش والقوات الأمنية والأحزاب، وينشئوا قوة أمنية موالية لهم تستلم الأمن في المدن، وهم ينسحبون إلى قواعد خارج المدن، وقد بنوا خمس عشرة قاعدة منها خمس قواعد رئيسة حول العراق، هذه الخطة لم تنجحº فالعملية السياسية أخفقت، وكل شي قاموا به ابتداء من الحكومة التي أنشؤوها والتي هي عبارة عن ائتلاف حكومات وليس لها سيطرة، وكلهم ساكنون في المنطقة الخضراء، وهي تحت الحماية لأمريكية، ولا يستطيعون الذهاب إلى وزاراتهم.

وفي أول أيام الاحتلال لم تكتف أمريكا بتغيير النظام فقط بل قضت على الدولة العراقيةº فما تركت وزارة إلاّ وأخذت تتلف أوراقها وسجلاتها وملفاتها...الخ.

فهم أرادوا القضاء حتى على الذاكرة العراقية، متاحف، مكتبات، كل شيء نُهب وحُرق، فالحكومة غير قادرة، والأمن يتدهور من الاحتلال الأمريكي إلى الآن حتى بعد الخطة الأمريكية الحالية التي قالوا عنها \"خطة أمن بغداد\"، فالشهر الماضي كان عدد القتلى الأمريكان أعلى من أي شهر آخر خلال فترة الاحتلال كله، في أول أسبوعين من هذا الشهر كذلك عدد القتلى في ارتفاع فقد وصل نهاية الشهر الماضي إلى (154) قتيلاً.

 

* هل تعتقد أن هذه الإحصائيات حقيقية خاصة وهي صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية؟

أعداد هؤلاء القتلى هم فقط من الجنود الأمريكان الذين لديهم الجنسية الأمريكية، وهناك قسم منهم ليس معهم الجنسية لكن عندهم إقامة دائمة وهم يحملون Green-Card، وهؤلاء لا تُعلن حصيلتهم كقتلى، وهناك مجموعه ليس عندهم لا جنسية ولا إقامة، ويقاتلون على أمل أن يحصلوا بعد الحرب على إقامة دائمة، وهناك نوع رابع يسمون بالمقاولين وهم تابعون لشركات خاصة للخدمات وللأمن وعددهم (120) ألفاً، وعدد القتلى والجرحى بينهم كبير، ولا يدخلون في الإحصائيات، وعدد قتلى الأمريكان المجموعة الأولى فقط هي (3400) جندي، وعدد الجرحى يصل إلى (25) ألف جريح، وهذا عدا (600) جندي نُقلوا إلى أمريكا لأسباب مرضية نفسية وعقلية، وهناك حوالي (6000) فروا من الجيش إلى مناطق مختلفة من العالم، وهناك خسارة كبيرة في المعدات، المقاومة أسقطت حتى الآن أكثر من (60) طائرة من أنواع مختلفة، و أكثر من ألف آلية عسكرية من دبابات ومعدات وناقلات دُمرّت.

فالعلمية السياسية فاشلة، والتدريب للقوات ليس جارياً، والقوات هذه هناك نسبة كبيرة منها يحضرون لأخذ رواتبهم وينصرفون، وتوجٌّه وولاء هذه القوات للمليشيات التي أتت بها، وليس لديها ولاء وطني، وبالتالي فهم يقومون بالأعمال الإرهابية التي يشكو العراق منها، ولن يستطيع الأمريكان أن يدربوا قوات عراقية حتى تحل محلهم حينما ينسحبون، فالعملية كلها فاشلة، وهذا الفشل انعكس داخل أمريكا نفسها، وحتى الذين كانوا موافقين في السابق على الحرب تراجعوا عنها، ونحن متابعون لما يجري بين الديمقراطيين والجمهوريين في أمريكا، وحتى الجمهوريون هناك مجموعات منهم تتراجع عن تأييد بوشº لأن هناك انتخابات رئاسية قادمة في نوفمبر 2008م، ويخافون أن يسقطوا في هذه الانتخابات، فأمريكا مضطرة للانسحاب، وتوقيت الانسحاب من الديمقراطيين يريدون الانسحاب الآن، ويكون هناك جدول زمني، وينهي الانسحاب كلياً في مارس 2008م، وقسم يريدونه في أكتوبر 2008م، والإدارة الحالية الأمريكية تحاول إذا ما استطاعت تأجيل الانسحاب إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، لكن هذا ليس في استطاعتها، لأن أعداد الضحايا كثيرة، والنفقات تزداد يومياً، والكونجرس ربما لن يوافق على تمويل استمرار الحرب في العراق، ومن المحتمل أنه قبل نهاية العام الحالي سنشهد انسحاباً للقوات الأمريكية من العراق.

* لكن ألا ترى أن الانسحاب الأمريكي سيحدث فراغاً أمنياً ستعمل إيران على ملئه مما يؤدي إلى وقوع العراق لقمة سائغة بيد الإيرانيين؟

قبل الاحتلال الأمريكي لم كان هناك نفوذ إيراني في العراق، فالنفوذ الإيراني - مع اعترافي بالأخطاء الكبيرة التي ارتكبها النظام السابق في العراق - لكننا من حيث المبدأ يجب أن ننظر لإيران كعمق استراتيجي إسلامي للأمة العربية، وأن نحاول أن نجعل منها صديقاً محتملاً وليس عدواً محتملاً حتى لا نشل قدراتنا في الصراع معها، وإيران أخطأت قبل الاحتلال وبعد الاحتلال، وحتى الآن مستمرة بالخطأ، والأمريكان حاولوا أن يوظفوا هذه الأخطاء بقولهم: إن العدو الأول للعراق هي إيران وليس أمريكا ليحاولوا استعداءنا لإيران، فنحن ليس لدينا مصلحة في ذلك، أمريكا تريد ضرب إيران لأسبابها الخاصة، ونحن العرب ليس لدينا مصلحة أن نكون مجرد أداة توظفها أمريكا ضد إيران، وتعرف أن أمريكا تتفق مع إيران، إذاً نحن دخلنا في معركة مع إيران، وسيكون لهذه الحرب آثار كارثية على المنطقة برمتها.

ونحن ما يهمنا هو إخراج الأمريكان وانسحابهم من بلادنا، وبعد انسحابهم سواء كان النفوذ الإيراني أو غير الإيراني فسيرجع إلى ما كان عليه قبل الاحتلال الأمريكي، وستُعالج الأمور حكومة وحدة وطنية، وسننهي كل مظاهر التأزم القائم.

 

* هل فعلاً ستكون الأمور بمثل كل هذا التبسيط الذي ذكرت؟

العراق كان وما زال على الرغم من الاحتلال الأمريكي يمثل البوابة الشرقية للأمة العربية، وحمى الخليج كله، وأعطى درساً لإيران الكل يعرفه، وهي الوحيدة المستفيدة مما صار إلية حال العراق اليوم.

 

* لكن ماذا عن التداعيات المستقبلية للاقتتال الطائفي الحاصل اليوم في العراق؟

لا، أرجو أن تطمئنوا من الوضع الطائفي في العراق، فهو يختلف عما هو في لبنان وأماكن أخرى، العراق منذ تأسيسه إلى احتلال الأمريكان لم يشهد أي تصادم طائفي في العراق، والعرب السنة لا يستطيعون أن يزايدوا على العرب الشيعة في العروبة وفي القومية العربية.

ثورة العشرين التي قامت ضد الإنجليز ثورة شارك فيها قيادات شيعية رئيسية، والشيعة في العراق عمرهم حوالي (150) سنة، وهم قبائل عربية ذهبت للجنوب وراء الكلأ والمرعى، وكان هناك المرجعيات بإمكانياتها تساعد الشيوخ وصاروا شيعة، لكن لا يزال جزء من القبيلة في الجنوب شيعة وسنة في الشمال، فقبيلة شمر في الشمال سنة، وفي الجنوب شيعة، وقبيلة الجبور، وهكذا فلا يمكن للقبيلة أن يتقاتل بعضها مع بعضº لأن قسماً منها شيعية وقسماً آخر سنة، ومن ثم في العراق كل الأحزاب كانت مختلطة، وليس هناك حزب مذهبيº فحزب الاستقلال كان رئيسه الشيخ محمد مهدي قبة شيعي، ونائبه كان صديق شنشل سني موصلي، وهكذا كل الأحزاب حتى حزب نوري السعيد، وصالح جبرº كانت مختلطة، وحتى البعث أغلبية أعضائه كانوا شيعة حتى القيادةº فأول أمناء عامين له كانوا شيعة، وقائمة الخمسة والخمسين التي نشرتها قوات الاحتلال الأمريكي كان أغلبهم (35) هم شيعة، وحتى السيستاني حينما سألوه بعد الاحتلال عن طائفية النظام السابق قال: إن النظام السابق بزعامة صدام حسين \"لم يكن طائفياً، بل كان ديكتاتورياً ولم يكن طائفياً\"، ولهذا فالطائفية في العراق أوجدها الاحتلال الأمريكي بمجيئه إلى العراق، فمنذ مجيئهم لم يتعاملوا مع الشعب العراقي بل مع سني وشيعي، وعرب وأكراد وتر كمان.

وأول مجلس حكم مؤقت شكله الاحتلال تشكل على أساس المحاصصة الطائفية: كذا للشيعة، وكذا للسنة، وكذا للأكراد وهكذا.

فأنا عايشت الحرب الأهلية في لبنان كلها، وحدثت في لبنان أحداث تكاد تكون نسخة طبق الأصل عما يجري اليوم في العراق، لكن في العراق تم بنطاق أوسع، وما أن انتهت الحرب الأهلية لم يبق بيروت شرقية ولا بيروت غربية، والناس تروح وتأتي، فأنا لست خائفاً من القضية الطائفيةº لأنه بإزالة الأسباب التي تؤدي إليها - وهو الاحتلال - تنتهي بل وتحل قضية الطائفية نهائياً، في حالة الاحتلال الأمريكي للعراق كثر هؤلاء الذين يسمونهم بالشركات الأمنية الخاصة، والذين يبلغ عددهم (120) ألفاً، وهم الذين يقومون بأعمال لا يُحاسبون عليها، والذين يقتلون ويعبثون بين السنة والشيعة لإدخالهم في دموية الاقتتال الطائفي.

 

* في تصريح سابق لك قلت: \"إن العمود الفقري للمقاومة العراقية هو الجيش العراقي السابق\"، لكن ما نلاحظه اليوم هو أن كل فصائل المقاومة المعروفة على الساحة العراقية ذات خلفية إسلامية بحته، بعكس ما ذهبت إليه، فما تفسيرك لهذا؟

أولاً يجب أن تميز بين شيئين أولهما: المقاومة، وثانيهما: الإرهاب، فالمقاومة ليس لها علاقة بالعملية الإرهابية، المقاومة تستهدف القوات الأمريكية والقوات الأجنبية المتعاونة معها، والعراقيون المتعاونون مع الأمريكان بعد استنفاد كل المحاولات لردهم عن التعاون مع الأمريكان من خلال رسائل بواسطة مخابرات المقاومة القوية من قبيل \"إنك تتعاون مع الاحتلال، وهذا في غير صالح الشعب العراقي، وبعد شهرين إذا لم تقطع علاقاتك مع الأمريكان فستكون هدفنا، وبعد شهرين إذا لم يتم قطع العلاقة تُرسل رسالة تحذيرية نحو إنذار ثانٍ,، فإما تقطع العلاقة، وأمامك شهر، وإذا لم تقطع علاقتك مع الاحتلال فأنت تعرض نفسك للقتل، فالمقاومة هنا لا تستهدف المدنيين الآمنين وغير المسلحين، والإرهاب شي آخر.

فالإرهاب خمسة أنواع: فهناك إرهاب من الجيش الأمريكي كما حدث في أبو غريب وحديثة، وإرهاب من قبل الدولة فالقوات التابعة للداخلية والأمن الوطني والتي هي عبارة عن مليشيات مخترقة للشرطة والجيش، وولاؤها هو لأحزابها لا لشعب العراق، بدر وغير بدر كجيش المهدي، ومليشيات الجلبي وغير الجلبي، والنوع الرابع هو المخابرات الأجنبية فإسرائيل عندها مخابرات، وإيران عندها مخابرات في العراق، وهؤلاء يقومون بعملية تهدف إيجاد فتن وتصفيات، فإيران مثلاً صفت معظم الطيارين الذين شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية، والنوع الخامس هو ما يسمونه بالزرقاوي، لكن هناك أكثر من زرقاويº فقد تبين أن الأمريكان وعملاءهم ينسبون كل العلميات للزرقاوي حتى يشوّهوا سمعة المقاومة.

بالنسبة للمقاومة فهناك أربع مجموعات: جيش الإسلام، وجيش المجاهدين، وكتائب ثورة العشرين، وجيش الراشدين، وفصائل أخرى، وهذه تابعة لحزب البعث، لكن كل هذه المجموعات أغلبهم ضباط الجيش العراقي السابق.

 

* من تحديداً يتبع حزب البعث من هذه الفصائل المقاومة؟

جيش الراشدين وتحته مجموعة فصائل لأسباب أمنية في كل منطقة يعمل المجاهدون تحت اسم معين كعمرو بن العاص، لكن كل هذه الفصائل تابعة لجيش الراشدين، وهو ما كان يُعرف بجيش محمد، وتم تغيير هذه التسمية، وهناك خليط من بدو يسمون بالجيش الإسلامي، ولكن الجيش الإسلامي يضم سلفيين، وقوميين، وبعثيين، ويضم وطنيين، وهذا ينطبق على كل الفصائل الأخرى.

كتائب ثورة العشرين انقسمت إلى مجموعتين، ومؤخراً الجيش الإسلامي، وجيش المجاهدين، وحماس شكلوا جبهة الإصلاح والمقاومة، لكن هناك حد أدنى من التنسيق بينهم كالعمليات المشتركة، والتنسيق الميداني، وما ينقصهم هو العمل السياسي، أي لا يوجد عمل سياسي موازٍ, للعمل العسكريº لأن هناك بعض المحاولات للقوى المقاومة للاحتلال أن تجتمع مع بعض، ويكون بينها تنسيق والاهتمام بمرحلة ما بعد الاحتلال حتى تتم المرحلة الانتقالية بشكل يؤدي لحياة ديمقراطية.

 

* ما صحة التسريبات التي كان آخرها على لسان الرئيس طلباني، وأخرى على لسان إياد علاوي بخصوص مباحثات تتم بين الحكومة العراقية والأمريكان من جانب وبعض فصائل المقاومة من جانب آخر؟

مثل هذا الحديث تتحدث عنه الحكومة منذ سنتين، وهم كاذبون في هذان، لكن هناك أناس يدعون أنهم ممثلون للمقاومة، لكن أيضاً ليس هناك أي مفاوضات مع الاحتلال إلاّ بعد أن يعلنوا مبدأ الانسحاب، وقرار جدولة زمنية للانسحاب بدون أي قواعد عسكرية أو غيرها.

 

* كنت قد طرحت مبادرة لخروج القوات الأمريكية من العراق، فماذا عن هذه المبادرة؟ وماذا حصل من الردود تجاهها؟

المبادرة كانت من أجل تقديم صيغه لخروج الأمريكان وتحرير العراق، وتؤدي إلى مرحلة انتقالية، وهم - كما أشرت سابقاً - لم يصلوا بعد إلى هذه المرحلةº فهم يحاولون من خلال حلول جزئية ربع حل، نصف حل، ولكن أتوقع قريباً سيصلون إلى مثل هذا، وفي هذا الوقت سيبدؤون التفاوض حول المبادرة.

 

* صدر قرار المحكمة الدولية حول محاكمة قاتلي رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ما هي الأبعاد الخفية لمثل هذا القرار؟ وهل هذا في صالح الشعب اللبناني؟

القصة الأساسية في لبنان قد تكون غير المعلنة، هو الموقف من المقاومة وقرار 1559 الذي يطلب نزع سلاح المقاومة، وأن يكون السلاح الوحيد هو للجيش اللبناني، وجبهة المعارضة تشك في نوايا الحكومة أو ما يُسمّى \"الموالاة\"، وأنه ممكن في ظروف معينة أن ينزعوا سلاح المقاومة، ولولاها فإن إسرائيل كانت ستعربد في لبنان، ولا تزال تخترق الأجواء على الرغم من وجود قوات \"اليونيفل\"، وما لم يكن هناك سياسة دفاع وطني، ويكون جيش لبنان عنده قدرة كافية للدفاع حتى يحمي لبنان، فالجيش اللبناني ليس لديه قوة جوية، ولا عنده صواريخ ضد الدبابات، ولا صواريخ أرض جو، وبالتالي بوضعه الحالي لا يستطيع أن يحمي لبنان، فالمقاومة أو المعارضة تريد صيغة للحكومة يكون عندهم ثلث مشارك ثلث معطل، الحكومة ثلاثون وزيراً، (19) للمولاة، وللمعارضة (11)، فالدستور اللبناني في القضايا الرئيسة لا يمكن أن يتم إلاّ بموافقة الثلثين، والمعارضة تريد هذا حتى لا يأتي يوم تقرر فيه الحكومة نزع سلاح المقاومة وكل الأشياء الأخرى من الادعاءات وغيرها، وهي واجهات لهذه القضية الرئيسة وهي سلاح المقاومة.

 

* هل هناك حل لهذه القضية المعقدة التي زادت من تأزم الوضع اللبناني المهدد بالانفجار في أي لحظة؟

القضية أو المشكلة ليست لبنانية بحتة، وحتى لو لبنانية هناك مصالح خاصة تلعب دوراً، هناك مصالح إقليمية ودولية، وأنا متفائل أنه قبل موعد الانتخابات الرئاسية، رئيس الجمهورية مدته تنتهي في نوفمبر القادم، والانتخابات لابد أن تتم قبل شهرين، وأنا أعتقد إذا توصلوا إلى صيغة لانتخاب رئيس الجمهورية من الممكن أن تبدأ حلحلة الأمور في لبنان، لكن ما نقرؤه في الصحف اللبنانية، وما نشاهده في الفضائيات اللبنانية وغيرها لا يعكس حقيقة الوضع في لبنانº فالوضع الأمني في ألف خير، وأحسن من لندن، فأنا مطمئن في لبنان أينما تريد أن تذهب فلا تحس بأي شي، وكل ما ينشره الإعلام هو بمثابة إعطاء انطباع أن الأمور في أسوأ الأحوال، وهذا غير صحيح.

 

* ما الذي يجري اليوم بين فصائل الشعب الفلسطيني؟ ولماذا هذا الاقتتال ولصالح من؟ وكيف ترى مستقبل القضية الفلسطينية؟

ما يجري اليوم من اقتتال بين الإخوة في فلسطين هو شيء محزن، فأنا من جيل نشأ على القضية الفلسطينية، وكل شيء آخر نحكم عليه بقدر علاقته بالقضية الفلسطينية معها أو ضدها، ننظر للفلسطينيين يتقاتلون فيما بينهم والضحايا تكون أحياناً أكثر من ضحايا الاحتلال نفسه، هذا شيء محزن، وأنا بتقديري - وقد أكون مخطئاً في هذا - أن حماس في الانتخابات حصلت على نتائج لم تكن تتوقعها، حصلت على أكثرية، واضطرت أن تستلم السلطة وهي غير متهيئة للسلطة، وبعد أن مارسوا السلطة وما لهذه السلطة من تأثيرات أحبوها.

وأنا أتمنى أن حماس وبأكثريتها في المجلس التشريعي (تبقى عندها الأكثرية) أن تقول لفتح وغير فتح: شكلوا الحكومة، وهذه الحكومة لن تستطيع أن تخرج عن إرادة المجلس التشريعي لا في مفاوضات مع إسرائيل، ولا في تسوية مع إسرائيل، ولا في أي شيء آخرº لأن المجلس التشريعي ممكن يسقطها في أي لحظة، وكان هذا من الممكن أن يوفر عليهم وعلى الشعب الفلسطيني الكثير، لكن أنا انطباعي - وقد أكون مخطئاً - أن حماس أعجبتها السلطة وليسوا قادرين أن يتخلوا عنها.

 

* لكن هذا معناه أن حماس وحدها من يتحمل المسؤولية عما يجري، مع أن كل الدلائل تشير إلى أن المسؤولية الأكثر تتحملها فتح التي لم تستطع أن تتصور وجودها خارج السلطة، وغدت بمثابة أداة طيعة لتنفيذ المخطط الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية؟

لا شك إن القيادات الرئيسية في فتح كانت قد تبنت اتفاق أوسلو، لكن حتى الذين تبنوا اتفاق أوسلو يقولون: إن اتفاق أوسلو أدخل القيادة الفلسطينية إلى فلسطين بعد أن كانت في تونس، ومنظمة التحرير وقياداتها صاروا في الداخل، بالتالي قاتلوا في الداخل، ومن الصعب هنا أن تصدر أحكاماً قاطعة في مثل هذه الأمور، وأعتقد أن الأخطاء من الطرفين، وقد يكون هناك طرف يتحمل مسؤولية أكثر، لكن إن ما يحدث في فلسطين اليوم يسيء إلى القضية الفلسطينية وللفلسطينيين، ويسيء للعرب، ويحرجنا أمام الخارج، وكيف نقول لهم: إسرائيل تقتل الفلسطينيين وهم يقتلون بعضهم بعضاً.

 

* بصفتكم رئيساً لمركز دراسات الوحدة العربية .. الوحدة العربية هذا الحلم الجميل الذي عشت من أجله ونما وكبر معك دكتور حسيب، واليوم نحن وأنت نشاهد العراق وقد احتل، وفلسطين محتلة، والصومال مضطرب، والسودان على الأبواب، ومشاريع تجزئة وتفكيك لهذه الأمة، أين يكمن اليوم هذا الحلم في وجدان وذاكرة الدكتور خير الدين حسيب؟

هذا لا يعني أن قضية الوحدة هي قضية خطأ ومغلوطة، لكن القوى التي تبنت الوحدة سميت قوى قومية وإسلامية، وهي لم تكن عند مستوى القضية، أي لم تعد لها العدة الكافية.

والعالم كله يسعى اليوم تجاه تكتلات كبيرة، والكتلة التي أقل من (600) مليون ليس عندها إمكانية أن تنافس في العالم أوروبا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وكلها دول عدد سكان كل منها فوق الـ (50) مليون وأكثر، ولكنها لم تستطع أن تبقى وحدها، وبالتالي اجتمعت في نفس الوقت الذي بدأنا فيه بداية الخمسينيات باتفاقية تسهيل التبادل التجاري، والوحدة الاقتصادية، والسوق العربية المشتركة.

وهم بدؤوا باتفاقية الحديد والصلب، ثم الحماية الأوروبية، إلى أن وصلوا إلى فكرة الاتحاد الأوروبي، ونحن لا زلنا نراوح في الشيء الذي بدأنا فيه أوائل الخمسينيات، والسبب في ذلك هام وجوهري وهو أن هناك دولاً ديمقراطية وأنظمة ديمقراطية حينما يقررون موضوعاً ما يأخذون بعين الاعتبار مصالح الناس، وبعد ما يتم الاتفاق لا أحد يستطيع التراجع، ولا يغلقون الحدود لأنه بعد سنة سنتين سيكون هناك اقتراع وانتخاب، والناس الذين انتخبوهم يستطيعون إسقاطهم، وهذا غير موجود في بلداننا، وأما نحن العرب فنغلق الحدود، نمنع تصدير النفط، ليس عندنا حياة ديمقراطية، وأنا أعتقد أن هذا خلاف ما كان يُقال لنا من أن الوحدة العربية حتمية، لا ليست حتميةº فمن الممكن أن تحدث ومن الممكن ألاّ تحدث، من الممكن أن تتحقق وحدة بعد (300) سنة، ومن الممكن أن تصير بعد (50) سنة، وهذا يعتمد على: إلى أي مدى نحن راغبون وقادرون على العمل من أجل الوحدة، وبدون الديمقراطية التي فيها يقرر الناس مصالحهم لن تتحقق الوحدة.

ولكونها لم تحصل وحدة حتى الآن هذا لا يعني أنها لا يمكن أن تتحقق، لا بل أعني أن الوحدة الجزئية التي تحققت كما في اليمن وغير اليمن كان فيها أخطاء، لكن هذه الأخطاء تُعالج، وهذه فرصة تاريخية، ونحن ضيعنا الوحدة ما بين سوريا والعراق 1979م، وضيعنا في 1963م الوحدة الثلاثية ما بين مصر وسوريا، وهذا يعني أنه قد تأتي فرص تاريخية فإذا لم تقتنص هذه الفرصة التاريخية فقد لا تتكرر، والله - سبحانه - قد خلقنا في منطقة استراتيجية ومهمة للعالم، فيها نفط يهم الاقتصاد العالمي، وبالتالي هناك مصالح دولية وإقليمية في المنطقة العربية تقف عائقاً أمام هذه الوحدة.

فاليمن مثلاً - ولولا أن الاتحاد السوفيتي كان يتفكك حينها، ولولا أن أمريكا كان لها موقف يختلف عن موقف السعودية، وظروف إقليميه أخرى ما كانت لتتحقق الوحدة اليمنية، ولو تأجلت الوحدة لكان الوضع اختلف، ولبقي حتى الآن شمال وجنوب، فالفرص تُقتنص ولا تؤجل، ففي الندوة التي أقمناها تحدث أحد الأخوة بخصوص هذه الوحدة بقوله: إنه كان يجب أن يسبقها تنسيق اقتصادي، ووحدة اقتصادية، وتعليم... الخ، وهذا كله كلام نظري صحيح، لكن إلى أن يقوم بهذه الخطوات ستذهب الفرصة، وهذا يعني أن وضعنا يختلف عن المناطق الأخرىº فاليابان قامت والغرب ما كان عنده مصالح فيها، فتركها تتقدم، أما نحن فله مصالح عندنا.

 

* أين دور المثقف العربي في تهيئة الشارع لهذه الوحدة؟

أنا أعتقد أنه ما لم تقم مجموعة من المثقفين العرب بتولي مسؤولية الإصلاح ومسؤولية تطوير الديمقراطية لا يمكن أن نخرج من الأزمة التي نحن فيها، وأنا منذ زمن أقترح كتلة تاريخية في كل بلد على مستوى الوطن العربي، والتيارات الأربعة الرئيسة (التيار القومي العربي، والتيار اليساري العروبي، والتيار الليبرالي الوطني، والتيار الإسلامي العروبي) يجتمعون على برنامج كامل موحد على مدى عشر أو خمس عشرة سنة، وعليهم أن يحاولوا أن يضغطوا على الأنظمة حتى يحصلوا على مكاسب تدريجية، بدون هذا لا يستطيع أي تيار وحده أن يحقق الإصلاح المطلوب.

 

* هذا يستوقفنا عند تجربة المؤتمر القومي الإسلامي وهو يعمل بنفس الآلية التي ذكرتها لكنه لم يصل إلى أي نتيجة؟

الآن تجري محاولة تنشيط هذه التجربة، والمؤتمر القومي الإسلامي بعد منسقه العام الأول دكتور أحمد صدقي الدجاني أتى الدكتور محمد عبد الملك المتوكل، وللأسف مرض الدكتور المتوكل، وأخذ فتره طويلة، وما كان يمكن تغييره وهو مريض، وسبب هذا خمولاً كبيراً في نشاط المؤتمر، والشيء الذي يعكس الكتلة التاريخية أكثر هو المؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي العربي ليس بمعنى التيار القومي التقليدي، لا بمعنى الشيء الذي ذكرته لك، وهو الكتلة التاريخية، والناس الذين يؤمنون ويقتنعون بالعناصر الستة للمشروع الحضاري النهضوي العربي وهي: (الوحدة العربية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستقبلية، والاستقلال الوطني القومي، والتجديد الحضاري) لهذا هناك يساريون وشيوعيون سابقون وقوميون عرب وفيه إسلاميون، وفيه ليبراليون وطنيون في الأمانة العامة، مثلاً نواف الموسوي، وإسماعيل صبري عبد الله - رحمه الله - كان يسارياً سابقاً، وهكذا فإن المؤتمر القومي العربي الآن يشمل أكثر من (600) شخصية، وكلهم ينتمون إلى النخب العربية المثقفة.

وآمل أن يصبح مرجعية شعبية للأمة العربية، لكن هذا على المستوى القومي، أما على المستوى العربي فهناك في اليمن شيء من هذا القبيل وهو اللقاء المشترك.

إذا انتهيت إلى موضوع الكتلة التاريخية بعد أن قلت: إنه لم يعد في الوقت الحاضر إمكانية لثوره شعبية، آخر ثورة كانت هي الثورة الإيرانية، والثورة الشعبية التي صارت في أندونيسيا لم تكن ممكنة لولا تدخل الجيش، ولا أعتقد أنه تُتاح ظروف لثورة شعبية جديدة، فالأنظمة تعلمت كيف تحتوي الانقلابات العسكرية، جربناها وليس كل الضباط \"عبد الناصر\"، وهناك من عنده نوايا حسنة، لكن من يأتي ويجلس على كرسي السلطة فالكرسي مغري، فإذا جربناها فمن الصعب أن نقوم عنه، يعني مادة الانقلابات إلى آخرها وحتى الانقلابات العسكرية غير مرغوب فيها.

 

* لكن الانقلاب الأخير في موريتانيا يبدو أنه قاد إلى تجربة رائدة على مستوى العالم العربي والإسلامي بعد تجربة الرئيس السوداني السابق المشير سوار الذهب، ما تقييمك لهاتين التجربتين؟

نعم هذه صيغه جديدة للانقلابات لمجموعة من العسكر يقومون بانقلاب لفترة انتقالية لإعادة الحياة الديمقراطية كما حدثت في السودان من قبل سوار الذهب، وكما حدث مؤخراً في موريتانيا، فهذا التجربة نجحت بالمعايير النسبية حتى الآن من حيث الممارسة الديمقراطية، وحرية التعبيرº أحسن فيما كانت في الفترات السابقة منذ قيام موريتانيا حتى الآن، لكن هل ستستمر بهذا النجاح هذا يعتمد على المؤسسة العسكرية إلى أي حد ستنجح القوى الوطنية في إبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة والحزبية، وإلى أي حد ستلتزم المؤسسة العسكرية بهذا، ولا تقوم بانقلابات عسكرية أخرى، وأنا شخصياً متفائل على الرغم من أن التجربة السودانية لم تنجحº لأنها أجهضت بالانقلاب الذي تم ضد الحكومة (المنتخبة)، ولكن هل يمكن أن تتكرر تجربة موريتانيا في مكان آخر؟ أعتقد لا، وذلك لأن المؤسسة العسكرية منغلقة، وقليلون الذين يعرفون ما يدور بين الضباط، وعلى كل نتائج هذه التجربة في ظهر الغيب، ونحن لن نراهن على شيء لا نعرف عنه شيئاً وما مضمونه، وهل يمكن أن تنجح أو لا تنجح، فالطريق الصحيح هو طريق الديمقراطية والتعددية السياسية.

 

* يُعدّ مركز دراسات الوحدة العربية في نظر الكثيرين مشروعاً شخصياً للدكتور خير الدين حسيب؟

مقاطعاً لا. لا. لا. نحن حرصنا أن نقيم مؤسسة بحيث يكون غياب شخص ما لا يؤثر عليها، فغياب مدير عام قد يؤثر 10% 20%30% لكن سيستمر، وأنا متفائل فالمركز في وضع مؤسسي، وأنا يمكن أغيب شهر أو شهرين أو ثلاثة لكن بالهاتف يمكن أديره، فهناك أقسام وإدارات لها كل صلاحيتها، ونحن لا نعاني إلاّ من القضية المالية \"يعني الخبز مع الكرامة صارت صيغة عربية صعبة\"، والاستقلال له ثمن، وعندنا مشكلة مالية.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply