رئاسيات أفغانستان: تأجيل فرز الأصوات.. وجنرالات الحرب يحسمون الانتخابات لصالح قرضاي


  

بسم الله الرحمن الرحيم

الإدارة الأمريكية تسعى إلى تمرير الانتخابات الأفغانية بسلام، وضمان وصول مرشحها حامد قرضاي إلى مقعد الرئاسة، بهدف التأكيد على أن مهمة بناء النظام وسيادة القانون قد أنجزت، بما يساهم في تعزيز موقف بوش في الانتخابات الرئاسية في مواجهة المرشح الديمقراطي جون كيري.

في مايو 2003 كان مقاتلوا طالبان ينتشرون في جنوب وجنوب شرق أفغانستان، وكان تنظيم القاعدة مسيطراً على منطقة الحدود بين أفغانستان وباكستان، وقتها لم يكن بإمكان الرئيس حامد قرضاي أن يمارس سلطاته خارج العاصمة الأفغانية، ومع ذلك فقط أسرع وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفلد إلى كابول، وأعلن النصر الذي لم يكن سوى خدعة تماثل خدعة النصر الذي حققته القوات الأمريكية في العراق.

وفي أكتوبر 2004 لا يزال مقاتلوا طالبان منتشرين في جنوب وجنوب شرق البلاد، ولا يزال تنظيم القاعدة يفرض وجوده وسيطرته بطول الحدود ولو بأعداد أقل من ذي قبل، وما زال حامد قرضاي محاصراً في كابول يتوقع في أي لحظة أن يهاجمه مقاتلوا طالبان المدججين بالسلاح على الرغم من الإجراءات الأمنية المكثفة التي تفرضها القوات الأمريكية منذ بدء الانتخابات الرئاسية يوم السبت الماضي.

ويجمع المراقبون على أن الرئيس المؤقت حامد قرضاي - المدعوم من واشنطن - هو الفائز في هذه الانتخابات، على الرغم من تأجيل عملية فرز الأصوات إلى موعد لم يحدد بعد، بسبب شكاوى واتهامات من المرشحين الآخرين بحدوث تلاعب في العملية الانتخابية التي أجريت بحضور 2400 مراقب دولي، وأشاد بها العديد من زعماء العالم، وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش قد أعلن أمام اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي أن الشعب الأفغاني "أصبح في طريقه لتحقيق الديمقراطية الحرة".

"هانينج أوجوست" رئيس المخابرات الألمانية أعلن منذ يومين في برلين أن أسامة بن لادن مازال حياً، ويختبئ في منطقة الحدود الأفغانية الباكستانية، في الوقت الذي أعرب فيه بعض خبراء مكافحة "الإرهاب" الأوربيين عن ثقتهم بأن ابن لادن موجود داخل الأراضي الأفغانية، بسبب عمليات المراقبة الشديدة جداً التي تفرضها الولايات المتحدة على المناطق القبليّة في باكستان.

لقد قصفت الولايات المتحدة أفغانستان في عام 2001 لتدمير تنظيم القاعدة والقضاء على مقاتلي طالبان ومع ذلك فإن زعماء القاعدة ما زالوا يمارسون أنشطتهم في أفغانستان، ومازال مقاتلوا طالبان يشنون هجمات عسكرية واسعة النطاق ضد القوات الأمريكية في مختلف أنحاء البلاد، الأمر الذي "مهمة" واشنطن في إيجاد شعب ونظام موالِ لها، أضف إلى ذلك أن الاعتمادات المخصصة من جانب الولايات المتحدة لإعادة الإعمار (4.5 بليون دولار) لم يوجه منها حتى الآن سوى 700 مليون دولار لأغراض الإعمار في أفغانستان.

قوات حلف الشمال الأطلنطي - التي يبلغ قوامها تسعة آلاف جندي، وتهدف إلى حفظ السلام في أفغانستان - لا يمكنها المغامرة بالخروج من العاصمة خوفاً من هجمات مقاتلي طالبان والقاعدة، ولذلك لا يمكن الثقة في قدرة هذه القوات على تحقيق الاستقرار في أفغانستان، لقد قتل من المسؤولين الأفغان وموظفي الإغاثة هذا العام أضعاف من قتلوا خلال العامين السابقين، ولم يعد بإمكان القوات الأمريكية في أفغانستان - والتي تزيد على 18 ألف جندي - أن تخرج ابن لادن من مخبئه الأسطوري.

أخطاء إدارة بوش في أفغانستان تكررت في العراق: عدم الاهتمام بتوفير الحد الأدنى المطلوب من الأمن، ثم التردد والتراخي في عملية تسليم السلطة إلى الحكومة الشرعية، والإصرار على تولية حكام موالين لواشنطن، حتى ولو كانت شعبيتهم متدنية، من أمثال قرضاي الذي يستمد شرعيته من الولايات المتحدة، ويعيش تحت حماية القوات الأمريكية في مواجهة رفض شعبي واسع له، وتهديدات عديدة باغتياله من جانب مقاتلي طالبان.

ربما كانت طالبان بعيدة عن السلطة، وقد يتم إعادة رصف طريق كابول - قندهار، وقد يتواصل عمل موظفي الإغاثة مع المسؤولين الأفغان رغم المخاطر المحدقة بهم، وبإمكان الولايات المتحدة أن تفعل أكثر من ذلك - لو أرادت - لمساعدة أفغانستان ولكنها لم تفعل، والسبب من وجهة نظر رجال البنتاجون أن أفغانستان فقدت للمرة الثانية أهميتها الاستراتيجية.

الانتخابات التي أجريت يوم السبت الماضي كانت حدثاً "زائفاً"، وتم تأجيل موعدها مرتين، وقد بلغ عدد الناخبين المسجلين 10.5 ملايين ناخب (الكثير منهم سجل مرتين على الأقل)، ثلاثة أرباع الشعب من الأميين، لم يروا التلفاز في حياتهم أبداً، ولم يسع أي منهم للتعرف على المرشحين الستة عشر، في كثير من المناطق - ومنها منطقة البشتون - ألصقت على الحوائط صور جنرالات الحرب، وبجوار صور هؤلاء الجنرالات كتبت عبارات تحذر المواطنين من عدم التصويت في الانتخابات.

نتيجة الانتخابات محسومة سلفاً لصالح قرضاي ليس فقط بسبب دعم واشنطن له، ولكن أيضاً نتيجة لعدد من الاتفاقات التي أبرمت مع جنرالات الحرب والقادة العسكريين الذين يسيطرون على أكثر من نصف أفغانستان، من أجل تأمين فوز قرضاي، وقبضوا الثمن مقدماً من واشنطن، وقد أشار المرشح الديمقراطي للرئاسة جون كيري مراراً وتكراراً إلى أن إدارة بوش أخطأت مرتين، مرة عندما استخدمت المرتزقة في حربها ضد القاعدة في أفغانستان، ومرة أخرى عندما قررت شراء نتيجة انتخابات الرئاسة الأفغانية من جنرالات الحرب.

لقد كانت القضية الرئيسية في هذه الانتخابات هي قضية تخويف الناخبين من جانب جنرالات الحرب المحليين في المناطق التي يسيطرون عليها لانتخاب قرضاي، وعلى الجانب الآخر فإن مقاتلي طالبان والقاعدة في مناطق نفوذهم قاموا بتهديد كل من يفكر في التصويت في الانتخابات، وهي القضية التي كانت حاضرة في ذهن مسؤولي الاتحاد الأوروبي، ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي الذين رفضوا إرسال مراقبين إلى هذه الانتخابات، وتحت ضغط من واشنطن اضطروا لإرسال 125 مراسلاً، لكنهم لم يخرجوا من العاصمة خوفاً من هجمات طالبان في جبال وصحاري أفغانستان.

الإدارة الأمريكية تسعى إلى تمرير الانتخابات الأفغانية بسلام، وضمان وصول مرشحها حامد قرضاي إلى مقعد الرئاسة، بهدف التأكيد على أن مهمة بناء النظام وسيادة القانون قد أنجزت، بما يساهم في تعزيز موقف بوش في الانتخابات الرئاسية في مواجهة المرشح الديمقراطي جون كيري، ومع أن تصاعد الاتهامات من جانب المرشحين "المنسحبين" بحدوث تلاعب في الانتخابات دفع اللجنة المشرفة على الانتخابات إلى تأجيل عملية فرز الأصوات، فإن هذه الاتهامات لن تؤثر كثيراً على نتيجة الانتخابات المحسومة سلفاً لصالح قرضاي.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply