دارفور إبادة جماعية وحرب على النفط (1)


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 
مبادرات سياسية - نفطية صينية في إفريقيا، وسخط أمريكي معلن من السياسة الصينية، وغياب سوداني عن المشهد العام السياسيº هذا هو واقع الحال الراهن الذي يرسم ما أصبح يعرف بالحرب الباردة الجديدة حول النفط في إفريقيا.

هناك غبار وضجيج سياسي وحقوقي يثار تحت شعار وقف "الإبادة الجماعية"، أو المساس بأساسيات حقوق الإنسان في دارفور، والضغط على الحكومة المركزية في الخرطوم لتسليم شأنها الأمني لقوات أجنبية - الناتو أو الأمم المتحدة -، مع استبعاد قوات التدخل الإفريقية العاجزة عن ضمان الأمن، أو تنفيذ قرارات مجلس الأمن بخصوص تسليم المسئولين عن التجاوات الحاصلة في دارفور، غير أن ما يجري في العمق والواقع هو في الحقيقة صراع للسيطرة على الموارد والثروات الباطنية وبخاصة المورد الاستراتيجي "النفط".

لقد استمرت الصين من خلال ذراعها القوي في السودان هيئة البترول الوطنية الصينية - وهي هيئة نشطة تابعة للدولة - في الاستثمار في مجال النفط في السودان منذ ديسمبر/كانون الأول 1996م، ومنذ العام 1998م استثمرت بيكين ما يربو على 3 مليار دولار أمريكي في تطوير حقول النفط، وبناء خط أنابيب طوله 1,500 كيلومتر، ومصفاة وميناء.

وتعتبر هيئة البترول الوطنية الصينية إحدى الشركات النفطية الرئيسية التي تملك حق استغلال النفط في السودان، حيث تملك الحصة الأكبر في شركة النيل الأكبر للبترول (40%) التي استغلت الحقلين 1 و2 (هيغليغ والوحدة)º وتملك امتيازاً في أكبر الحقول إنتاجية، وهو الحقل 4، وفي يوليو/تموز 2006م بدأت الصين باستخراج النفط من الحقلين 3 و7 (في حوض ميلوط في ولاية النيل الأعلى الشمالية بجنوب السودان)، والذي يُقدر ما ينتجه بنحو 28200 برميل يومياً.

وتملك الصين امتياز التنقيب في الحقل 6 الذي يمتد من غرب كردفان إلى ولاية دارفور الجنوبية والشمالية، وقد رفعت إنتاج الحقل 6 الذي تقع معظم منشآته في كردفان، ولكنها تتصل بحقل دارفور من 10 ألف برميل يومياً في العام 2005م إلى 40 ألف برميل يومياً في يوليو/تموز 2006م، وقد يرتفع إلى الضعف في نهاية 2007م.

وقد ترافق الاستغلال المبكر لحقلي النفط 1 و2 في ولاية الوحدة بجنوب السودان في الوقت الذي كانت فيه الصين عضواً في الكونسورتيوم، مع عمليات نزوح جماعي قسري وقتل للسكان المدنيين الذين يعيشون هناك.

وفي دارفور يبدو أن النفط هو السبب وراء عمليات النزوح القسري الهائل، وتدمير القرى، والقتل والاغتصاب التي يتعرض لها السكان المدنيون، فحالة دارفور المأساوية في الجزء الجنوبي الغربي من السودان تُصور إعلامياً وسياسياً وكأنها حرب جديدة على النفط، حيث نجد تركيز الصين الشديد في طلب النفط والغاز للدفع بعجلة النمو الاقتصادي الصيني المتصاعد، الذي جعل من بيكين تلجأ إلى سياسة عدوانية تعتمد على دبلوماسية الدولار على حساب دبلوماسية حقوق الإنسان، وهي الدولة الشيوعية التي ما زالت تعتمد إيديولوجياً على توجهات وأفكار ماركس ولينين.

ومع 1.2 تريليون دولار من احتياطيات الصرف فإن الصين تتحرك وتنشط في الأرضية الجغرافية السياسية للنفط النشط في العالم، فإفريقيا هي المركز الرئيس، وفي إفريقيا المنطقة المركزية بين السودان والتشاد هي الأولوية في الخطة الصينية للانتشار، والاستحواذ على خيرات المنطقة.

ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003م الذي يسبح فوق بحار من النفط، وفتح جبهة جديدة لحرب باردة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية من أجل السيطرة على مصادر النفط الرئيسيةº لعبت بكين حتى الآن كل أوراقها بشكل ذكي ومرن أكثر من واشنطن وأحسن منها، وأصبحت دارفور ساحة حرب رئيسية ونفوذ في مسابقة "المخاطرة" من أجل السيطرة على النفط بين البلدين الكبيرين.

 

دبلوماسية الصين النفطية:

في الشهور الأخيرة بدأت بيكين بإجراء سلسلة من المبادرات صُممت لضمان مصادر المواد الأولية الطويلة المدى في أهم مناطق العالم، والأكثر غنى في جنوب الصحراء الكبرى (Sub-Saharian Africa) في إفريقيا.

وحالياً لا توجد بالنسبة إلى الاستراتيجية التنموية الاقتصادية الصينية مادة خام لها الأولوية العليا في الوقت الحاضر مثل النفط، فالصين تسحب اليوم ما نسبته 30% من النفط الخام من إفريقيا، وهذا يفسر السلسلة الاستثنائية من المبادرات الدبلوماسية التي اتخذتها بكين، تركت واشنطن تمتعض غيضاً منها.

الصين ومن خلال اقتحامها السوق الإفريقية بهدوء وسهولةº لم تصرف أي دولار كشرط للحصول على ثروات إفريقيا من المواد الخام وعلى رأسها النفط، في حين تركت لواشنطن لعبة السيطرة عن طريق البنك العالمي، وصندوق النقد الدولي IMF، فمن يحتاج إلى الوصفات "الطبية" المؤلمة لصندوق النقد الدولي في وقت تقدم الصين فيه كل التسهيلات الاقتصادية والمالية، وتبني الطرق والمدارس، والمستشفيات وغيرها؟

استضافت بيكين في نوفمبر/ تشرين الثاني من السنة الماضية قمة استثنائية بمشاركة 40 رئيس دولة إفريقية، منهم الجزائر ونيجيريا، ومالي وأنغولا، وجمهورية إفريقيا الوسطى وزامبيا، وجنوب إفريقيا، وعقدت الصين صفقة لشراء النفط مع اثنين من أهم الدول الإفريقية نيجيريا، وجنوب إفريقيا.

تستغل شركة National Offshore Oil Corporation (CNOOC) النفط في نيجيريا عن طريق ائتلاف "كونسورتيوم" الذي يضم شركة "South African Petroleum Co"، ويسمح لها بسحب 175 ألف برميل يومياً بحلول 2008م، إنها صفقة بقيمة 2.27 مليار دولار أمريكي لصالح الشركة الصينية، أي ما يساوي 45% من حصة استغلال حقل النفط، بينما في السابق كانت نيجيريا تعتبر في الوسط النفطي الأمريكي مركزاً مهماً للاستثمار الأنجلوسكسوني من خلال الشركات Exxon Mobilو Shell وChevron.

وكانت الصين كريمة جداً عند توزيعها القروض من دون فوائد، أو منح ميسرة بعيداً عن البيروقراطية الإدارية، أو الضغوطات السياسيةº إلى عدد من أفقر الدول الإفريقية المدينة، واستعملت هذه القروض لإرساء البنية التحتية الأساسية من طرق سريعة، ومدارس ومستشفيات، مقارنة بقروض صندوق النقد الدولي والبنك العالمي التي تفتح أبواب المجهول وكل المخاطر التي لا يمكن تصورها.

وفي 2006م صرفت الصين لوحدها فقط أكثر من 8 مليار دولار كمساعدات واستثمارات إلى نيجيريا وأنغولا وموزمبيق، في مقابل 2.3 مليار دولار أمريكي موجهة إلى جنوب الصحراء الكبرى من خلال البنك الدولي، وتتفاوض غانا حالياً مع الصين على 1.2 مليار دولار أمريكي للاستثمار في مجال الكهرباء، وخلافاً للبنك العالمي فإن فرض الشروط الأمريكية غير الواقعية السياسية والاقتصادية على الدول الأجنبية مكن الصين وبشكل مرن من الابتعاد عن ربط مساعدتها بشروط مسبقة، أو منح قروضها بفوائد كبيرة، وأدت هذه الدبلوماسية الصينية المتعلقة بالنفط إلى اتهام صريح من واشنطن لبكين بمحاولتها "ضمان النفط من مصادره الأصلية".

 

ثروات السودان النفطية:

تعتبر شركة نفط الصين National Offshore Oil Corporation (CNOOC) المستثمر الأجنبي الأكبر في السودان، بحوالي 5 مليار دولار، موجهة لتطوير حقل النفط، ومنذ 1999م استثمر الصين على الأقل 15 مليار دولار في السودان، حيث يمتلك 50% من مصفاة نفط في الخرطوم مقربة من الحكومة السودانية.

وتتركز حقول النفط في الجنوبº موقع الحرب الأهلية المدمرة بين الحكومة المركزية والجنوبيين منذ أكثر من عقدين، وقد تم تمويل البنية التحتية النفطية سرياً من طرف الولايات المتحدة لكسر محاولات الحكومة "الإسلامية" السودانية من بسط هيمنتها على الجنوب محل النزاع، وأنشأت شركة نفط الصين(CNPC) خط أنابيب نفط من جنوب السودان إلى المحطة النهائية الجديدة في بور السودان على البحر الأحمر، حيث يتم نقله على ناقلات النفط باتجاه الصين.

إن 8% من نفط الصين مصدره الآن من جنوب السودان، وتستحوذ على 65 - 80% من إنتاج السودان المقدر بـ500ألف برميل يومياً، وبذلك احتل السودان السنة الماضية المرتبة الرابعة في ترتيب الدول المصدرة للنفط إلى الصين.

وفي 2006م تجاوزت الصين اليابان لتصبح المستورد الأكبر الثاني في العالم من النفط بعد الولايات المتحدة الأمريكية، فهي تستورد 6.5 مليون برميل في اليوم من الذهب الأسود، فنمو طلب الصين للنفط يقدر بـ30% في السنة، وبذلك قد تتجاوز الولايات المتحدة في طلب النفط خلال بضعة سنوات، وهذه الحقيقة هي المحرك الأساسي لسياسة بكين الخارجية في إفريقيا.

من ينظر إلى الامتيازات النفطية غير العادية التي تحصلت عليها الصين في جنوب السودان من خلال شركة نفط الصين (CNPC) يرى أنها تمتد على جانبي دارفورº قرب الحدود مع التشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى.

وفي شهر أبريل/ نيسان 2005م أعلنت حكومة السودان أنها وجدت نفطاً في جنوب دارفور، وبمقدرتها أن تضخ 500 ألف برميل يومياً، في حين أغفلت الصحافة العالمية وخاصة الغربية أن تذكر أن السبب الرئيس للنزاع في دارفور هو اكتشاف النفط.

 

تحرك لـ"عسكرة" منطقة النفط في السودان:

كانت الإبادة الجماعية الموضوع المفضل للولايات المتحدة والدول الأوروبية، وقادت واشنطن الركب في هذا الاتجاه، بينما اعترف المراقبون أن ما حدث في دارفور كان مأساة إنسانية حقيقية من جميع الجوانب، حيث تم تهجير أكثر من مليونين من أهالي دارفور النازحين إلى مخيمات أو بلدات في إقليم دارفور، أو في أماكن أخرى من السودان، أو مخيمات اللاجئين في التشاد، ووفاة عشرات الآلاف - في حدود 300 ألف - في السنوات الماضية الأخيرة، واستعملت واشنطن والمنظمات غير الحكومية مصطلح "الإبادة" لوصف ما يحدث في دارفور.

وإذا استطاعت واشنطن وحلفاؤها تمرير مصطلح "الإبادة الجماعية" وقبولها شعبياً فإن هذا يعني إمكانية تغيير النظام في السودان، وتدخل منظمة حلف شمال الأطلسي (NATO) ومن ورائها الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية للسودان.

وتستعمل واشنطن مصطلح "الإبادة الجماعية" في إشارة إلى ما يحدث في دارفور، فمساعد وزير الخارجية الأمريكي Ellen Sauerbrey رئيس مكتب السكان واللاجئين والهجرة قال أثناء مقابلة له مع مكتب USINFO على الإنترنت في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي (2006): إن "الإبادة الجماعية المستمرة في دارفور بالسودان انتهاك خطير لحقوق الإنسان، وهي من بين القضايا الدولية الرئيسية التي تقلق الولايات المتحدة".

وتصر إدارة بوش بأن الإبادة الجماعية مستمرة في دارفور منذ 2003م، على الرغم من أن بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقيقة المتكونة من خمسة أشخاص تحت قيادة القاضي الإيطالي Antonio Cassese ذكرت أن تهمة الإبادة الجماعية لم يتم ارتكابها في دارفور في 2004م، ولكن تم تسجيل ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وطلبت واشنطن من الأمم المتحدة تبني إجراء محاكمة للمسئولين والسياسيين السودانيين بتهمة جرائم الحرب في حق الشعب في دارفور.

 

تجار الموت!:

دربت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال حلفائها في المنطقة - التشاد والدول المجاورة - جيش تحرير السودان في الجنوب (SPLA) بقيادة جون غارنغ حتى وفاته في حادث سقوط طائرة في يوليو/ تموز 2005م، وقد قامت القوات الخاصة الأمريكية بدور أساسي في تدريب وتسليح عناصر الجيش السوداني الجنوبي في حصن Fort Benning بجورجيا بالولايات المتحدة.

كما استمر تدفق الأسلحة إلى جنوب شرق السودان بمساعدة دول الجوار المناوئة للنظام السوداني، وساهمت الولايات المتحدة في تأجيج النزاع الذي أدّى إلى موت عشرات الآلاف، وهروب الملايين من بيوتهم، وخاصة منذ اكتشاف النفط في دارفور، واستضافت أرتيريا جيش تحرير السودان في الجنوب، والمعارضة المسلحة في دارفورº المتكونة من مجموعتين ثائرتين تحاربان حكومة الخرطوم المركزية بزعامة الرئيس عمر البشير وهما: حركة العدالة والمساواة وجيش تحرير السودان.

وفي شهر فبراير/ شباط 2003م قام جيش تحرير السودان بهجمات على المواقع الحكومية في منطقة دارفور، ودعا الأمين العام للجيش إلى الكفاح المسلح، متهماً الحكومة السودانية بإهمال دارفور وشعبها، مشيراً أن هدف جيش تحرير السودان المتمرد هو "بناء سودان ديمقراطي متحد"، وبكلمة أخرى تغيير نظام الحكم في السودان.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply