مسلمو جنوبي شرق آسيا: حرمان واضطهاد رسميان


 

بسم الله الرحمن الرحيم

السفير/ ما زالت الأقليات الإسلامية في عدد من بلدان جنوبي شرق آسيا تعاني من حكم الأنظمة المركزية التي تمارس ألواناً مختلفة من سياسة القوة والاستبداد، والحرمان ومعاملة الدرجة الثانية، في الوقت الذي تروج فيه الولايات المتحدة لتطبيق النظام الديموقراطي، واحترام حقوق الإنسان، ونشر الأمن والعدالة، وتوفير الفرص للشعوب، وخاصة في أفغانستان والعراق وفلسطين المحتلة.

إن الأكثرية في بلدان جنوبي شرق آسيا لم تتفهم أو تهضم ثقافة الأقليات، كما أن هذه الأخيرة لم تتمكن من الانصهار في بوتقة هذه الأكثريات بل ظلت محافظة على ثقافتها وعاداتها وتقاليدها ودينها.

وقد أدت هذه الممارسات الفظة القاسية إلى استنفار هذه الأقليات في الفلبين وتايلاند وتوحيد صفوفها في تجمعات تحريرية إلى حد المطالبة بالانفصال والاستقلال جراء ممارسة السلطات بالإفراط في استعمال القوة، والحرمان الإنمائي، وقد ابتدأ نضال هذه الأقليات منذ عقود يتأجج حيناً ويهدأ حيناً آخر، ولم تأت المفاوضات والوساطات أُكلها في الفلبين بين قادة الثوار وممثلي الحكومة المركزية، كما أن المساعي الحميدة التي بذلتها بعض الدول والمنظمات الإقليمية والدولية باءت بالفشل.

أما في تايلاند فإن سياسة رئيس الوزراء تاسكين شيناوترا الفوقية المسيئة إلى حقوق الإنسان قد أشعلت المناطق الإسلامية في الجنوب منذ أواخر العام الماضي، وما زالت الأوضاع مضطربة فيها حتى هذا التاريخ كما سنرى في سياق هذا المقال.

وليس وضع المسلمين في منطقة أراكان (Arkane) في ميانمار (بورما سابقاً) أحسن حالاً من وضعهم في الفلبين وتايلاندº حيث عانوا مؤخراً من بطش الحكومة العسكرية، وتعديات الأكثرية البوذية على حد سواء، وقد تناول هذان البطش والكراهية المسلمين في ميانمار داخل المساجد، إنها أقليات إسلامية في ماندناو في الفلبين، وفي منطقة أراكان في ميانمار، وفي منطقة فطاني في جنوب تايلاند يعود تاريخ تواجدها في هذه البلدان إلى قرون عديدة، لكن هذه المسافة الزمنية لم تأت بالتغيير المتوقع، ولم تحقق الطموحات والآمال، بل ظل سكان هذه المناطق الإسلامية على مسافة بعيدة من عدل الحكومات المركزية، وتفهم الأكثرية الكاثوليكية في الفلبين، أو الأكثرية البوذية في كل من تايلاند وميانمار.

جاء في وثيقة إعلامية رسمية في تايلاند: " أن 95% من عدد سكان البلاد يدينون بالديانة البوذية، و4% يدينون بالإسلام ونصفاً في المئة من السكان يدينون بالمسيحية، أما النصف في المئة الأخير من السكان فيدنيون بديانات أخرى كالبراهيمية والهندوسية، والسيخ والكونفوشية، وبالرغم من أن البوذية هي دين الدولة فإن الملك والحكومة يدعمان ويتقبلان الديانات الأخرى - بصورة حقيقية - بناء على الدستور، وهكذا فإن الشعب التايلاندي الغني بمعتقداته المتعددة يعيش بتوافق وسلام".

إن الأحداث التي أخذت تتفاقم في الجنوب منذ العام 1970 تنقض جوهر هذه الوثيقة الإعلامية، وكذلك تجدد الاعتداءات والنزاعات في الأشهر الأخيرة من العام 2004 حتى هذا التاريخ، وهي أحداث دامية نجم عنها وقوع المئات من القتلى والجرحى، ومما زاد الوضع سوءاً وتدهوراً التصنيف الذي قام به مؤخراً رئيس وزراء تايلاند تاسكين شيناوترا الذي جعل من 358 قرية من مجموع 1580 قرية في الإقليم الجنوبي من البلاد حيث يعيش المسلمون منطقة حمراء منبوذة ومحرومة من المساعدات الإنمائية، وقد وصف هذه المنطقة بأنها مراكز إرهاب واضطرابات، وقد صنف المنطقتين الأخريين من الإقليم واحدة بالمنطقة الصفراء حيث تراقب القوات العسكرية السكان مراقبة شديدة، وواحدة بالخضراء حيث يقطن السكان الصالحون وهي منطقة منعزلة في العمق الجنوبي من البلاد.

ويقول تاسكين عن نفسه: أنه غير متسامح، ولا يتحلى بالصبر، ولماذا يقدم المساعدات لسكان الجنوب ليشتروا القنابل؟ لقد عسكر الإقليم، وجعل منه بؤرة توتر وذعر، واستعاد النظرية القائلة: <<نحن ضدهم>>، وهذا ما جعل الأكاديميين، وجماعات حقوق الإنسان، والقادة المسلمين، ورؤساء تحرير الصحف، والجنرالات السابقينº يشجبون هذه السياسة، وقد وصف الجنرال سورايود شولانونت أحد أعضاء مجلس شورى الملك هذه السياسة: <<بأنها موضوع حساس جداً، وسيشعر هؤلاء الناس بالانعزال والفصل، وإن مثل هذه الإساءة هي بمثابة صب الزيت على النار>>، وقال أحد الأكاديميين من منتقدي رئيس الوزراء تاسكين: <<إنه بدلاً من تعزيز التفاهم بين السكان فإن الحكومة نفسها تعمل على تقسيمنا عرقياً>>، وقد اعتبر سكان الإقليم الجنوبي خطة رئيس الوزراء إهانة جديدة تضاف إلى ضيمهم المزمن، وإلى الإهمال الذي يصيب الإقليم، وإلى سياسة التمييز والمحاباة التي تنتهجها الحكومة المركزية، وطال هذا التذمر المواطنين الشبابº حيث قال أحدهم: أنه لو كان سكان المنطقة من البوذيين لما كان قد تجرأ رئيس الوزراء على تقديم مثل هذا الطرح، وأردف قائلاً: أنا مسلم، ولكني تايلاندي أيضاً، وإن الحكومة تعزلنا كمسلمين كأننا لسنا جزءاً من البلاد، وان رئيس الوزراء يمارس سياسة الحقد في الجنوب كون المسلمين لم يقترعوا له ولأعضاء حزبه في الانتخابات الأخيرة،  وإننا نعيش في خوف لأننا لا نعرف ماذا سيحدث غداً، وقد رفض تواجد القوات العسكرية لأن انتشار العسكر يهدئ الوضع، ولكن لا يجعله آمناً مسالماً، وهكذا فإن خطة رئيس الوزراء تضع تايلاند على مسافة قصيرة من حرب عصابات شاملة. وهي خطة تباعد بين المسلمين والبوذيين.

يقطن مسلمو تايلاند في أربع مناطق جنوبية هي ناراثيوان، فطاني، سونغكلا، ويالا، وهي مناطق تفتقر إلى التنمية والازدهار اللذين ينعم بهما وسط تايلاند، كما يشكو أكثر السكان من الفقر والحرمان مقارنة بالأكثرية البوذية في البلاد، إن هؤلاء السكان ليسوا تايلانديين، ويختلفون في عاداتهم وثقافتهم عن سكان البلاد الآخرين، وإن هذه المناطق الأربع الجنوبية كانت جزءاً من سلطنة فطاني القديمة، وكانت تشكل إقليماً شبه مستقل اعتنق سكانه الدين الإسلامي في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، ولم تتفاعل هذه السلطنة مع امبراطوريتي الخمير وبورما، ضمت تايلاند هذا الإقليم في عام 1902، وقد حافظ السكان على الكثير من الأمور والعادات المشتركة مع جيرانهم الماليزيين، فهم يتكلمون لغة ياوي (Yawi) وهي لهجة ماليزية، والأهم من ذلك أنهم مسلمون ملتزمون بالقوانين والأحكام والقيود الإسلامية.

إن أعضاء هذه الأقلية الإسلامية على خلاف مع العاصمة بانكوك منذ عقود، كونهم يشكون من التمييز، وفقدان الفرص، وهذا ما أدى إلى الاستياء المرير، ونشوب النزاعات مع السلطات المركزية، وقد حدث أول تمرد لهم عام 1970 بسبب تنفيرهم وتغريبهم الزائدين من قبل حكومة بانكوك، وهدأ هذا التمرد عام 1990 بعد أن وعدت الحكومة المركزية بمد الإقليم بالمزيد من الاعتمادات المالية، والتأكيد للقادة المسلمين بتمثيل سياسي عادل ومناسب مع عددهم، لكن هذه الوعود لم تتحققº مما أدى إلى استئناف التمرد في الأشهر الأخيرة من العام 2004 م وأوائل هذا العام 2005، وتكبد الفريقان خسائر في الأرواح، وكانت خسارة المسلمين أفدح من خسارة القوات العسكرية التايلانديةº حيث بلغ مجموعها في عدة أشهر 550 مواطناً.

يدعي رئيس الوزراء تاسكين شيناوترا أنه يتفهم مشاكل الأقلية الإسلامية في الجنوبº لكنه يؤكد في الوقت نفسه على احترام القوى الأمنية التي تعمل على تطبيق القانون والنظام، كما يدعي: "أن الحكومة لا ترغب بعزل المسلمين، ليست القضية <<نحن ضدهم>> إنما يجب تكثيف الحوار على المستويين المحلي والوطني كي يتفهم الواحد الآخر"، لكن القضية الرئيسية التي تواجه الحكومة التايلاندية هي كيفية استعادة ثقة المسلمين بهذه الحكومة التي أفرطت باستعمال القوة التي أدت إلى مقتل عدد كبير من المواطنين، كما يطالب القادة المسلمون بالتحقيق الشامل لتبيان حقيقة وقوع الأحداث الدامية، يقول أحد المفكرين الإسلاميين الدكتور شاران مالولين مستشار رئيس الوزراء التايلاندي للشؤون الإسلامية: <<إن وضع اللوم على المتمردين يبسط الموضوع كثيراً، إن المشكلة ليست منحصرة في جماعة واحدة، يوجد بعض المتعصبين الدينيين، ويوجد بعض الانفصاليين، وإن لتجار المخدرات دوراً في إثارة المشاكل، كما أن ثمة سياسيين يبحثون عن مزيد من السلطة، إن الحاجة ماسة لتأمين عدد وافر من المواطنين الذين يصغون إلى صوت الاعتدال، وهذا أمر صعب جداً>>.

إن السياسة المتشددة التي ينتهجها رئيس الوزراء في الجنوب هي سياسة بطش وحرمان إنمائي، وحجب للمساعدات، وقد سرّعت في تقوية النزعة الانفصالية لدى الجنوبيين، وتدل الشواهد على أن هؤلاء الانفصاليين أخذوا يقومون بدور متزايد في ما يجري من أحداث، وينتظم الانفصاليون في ثلاث منظمات تحريرية تتهم بأنها ترتبط بمنظمات إسلامية كبيرة كمنظمة الجماعة الإسلامية المتهمة بالقيام بأعمال إرهابية في بلدان جنوبي شرق آسيا، وبحركة أتشيه الحرة التي تقود الحرب ضد الانفصاليين في ولاية أتشيه الاندونيسية، ومما يدعو إلى التساؤل أن أياً من هذه المنظمات لم تدّع المسؤولية عن الهجومات والأحداث الأخيرة مما يعقد الأمور، ويجعل من الصعب التأكد من الجماعة أو المنظمة التي تقف وراء الاضطرابات المتزايدة.

ولكن ثمة حقيقة واضحة وهي أنه في حال استمرت القوات الأمنية بممارسة الإجراءات التعسفية المتشددة فإن العداء سيتفاقم بين هذه القوات والسكان المسلمين في الجنوب.

لم تهتم رابطة دول جنوبي شرق آسيا (ASEAN) بمشاكل الأقليات الإسلامية في عدد من الدول الأعضاء، واقتصر الأمر فقط على الجهود التي تبذلها دولة ماليزيا لتهدئة الوضع في منطقة فطاني في تايلاند، وقد نسيت هذه الرابطة أو تناست المشاكل القائمة في مندناو في الفلبينº حيث أفشّل عناد الحكومة المركزية جميع الوساطات والمحادثات، وتركت الساحة لأبي سياف ورجاله من جهة، وللقوات العسكرية النظامية المستبدة من جهة ثانية، يتقاتلون ويتخاطفون مما يزيد في قهر المواطنين المسلمين وتدمير قراهم، أما منظمة المؤتمر الإسلامي فقد ناشدت حكومة تايلاند بوضع نهاية لأعمال العنف الدموية المتواصلة في جنوب البلاد، جاء هذا النداء عقب اجتماع الأمين العام للمنظمة البروفسور إكمال الدين إحسانغلو برئيس الوزراء الماليزي عبد الله بدوي رئيس مؤتمر القمة الإسلامية العاشر، وعبّر الأمين العام عن استياء شديد لاستمرار تردي الوضع بالرغم من النداءات التي أطلقتها المنظمة لوضع نهاية للاعتداءات التي أودت بحياة مئات المواطنين، وطالب الأمين العام بتحقيق <<عادل وملحّ>> لمعرفة أسباب الأحداث، كما أكد على ضرورة إعطاء أهمية خاصة وعاجلة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في جنوب تايلاند بدون تمييز.

ختاماً: يقول أحد المواطنين العاديين البسطاء أن سكان الجنوب في تايلاند باتوا لا يعرفون عدوهم من صديقهم، بعد أن تدهور الوضع في المنطقة، فإذا ما هرب من براثن النمر وقع في أنياب التمساح.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply