الرد على من ينكر السُّنَّة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فإن سُنة نبينا محمد  لها منزلةٌ عظيمةٌ في الإسلام، ولا يستطيع مسلمٌ أن يستغني عنها، ولكن أعداء الإسلام دائمًا لنا بالمرصاد، فهم يريدون أن يشككوا أمتنا الإسلامية في ثوابتها كمن يطعنون في الصحابة وفي سُّنة نبينا . وفي وقتنا الحاضر ظهرت فرقة من الناس، يُسمون أنفسهم بالقرآنيين، والقرآنُ الكريمُ منهم بَراءٌ، يَدَّعُونَ تمسكهم بما جاء في القرآن الكريم فقط، وينكرون العمل بسُّنة نبينا محمد ، فأصبح من الواجب علينا بيان منزلة السُّنة في الإسلام، والرد على شبهات المنكرين لحجية السنة، وبيان حقيقة القرآنيين والتحذير أفكارهم الضالة.فأقول وبالله تعالى التوفيق

 

أهمية الرسالة الخاتمة:

لما أرادَ اللهُ تعالى أن يختمَ رسالته إلى أهل الأرض اصطفى نبينا محمدًا ليكون رسولًا إلى الجن والإنس كافة، فلما بلَغَ سن الأربعين أنزل اللهُ تعالى عليه الكتاب الخاتم الذي ليس بعده كتاب ألا وهو القرآن الكريم، وهو الكتاب المهيمن على جميع الكتب التي قبله. قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة: 48)    

 إن الله قد تولى بنفسه حفظ هذه الرسالة الخاتمة.قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)

ثم عهد اللهُ تعالى إلى رسوله بيان ما جاء مجملًا في القرآن الكريم.

 قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 44)

 وشهد الله تعالى له أن بيانه هذا من الوحي الشريف.

قال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)  (النجم 1 : 5)

 

تعريف السُّنة:

السُنَّةُ في اللغة:

 السُنَّةُ: هي الطريقةُ، محمودةً كانت أو مذمومةً.                

 روى مسلمٌ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ : «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (مسلم حديث: 1017)

السُّنة في الشرع:

السُنَّةُ:هي كُلُّ مَا ثَبتَ عَنْ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من قَولٍ أو فِعلٍ أو تقرير، أو صِفةٍ خَلْقِيَّة (بدنية) أو خُلُقِيَّة . (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي لمصطفى السباعي صـ:47)

السُّنة هي الحكمة:

ذَكَرَ اللهُ تعالى في كتابه العزيز كلمةَ الحكمة في العديد من آيات القرآن مقرونة بالقرآن الكريم، والذي لا شك فيه أن المرادَ بالحكمة في هذه الآيات الكريمات، هي السُّنة النبوية الشريفة.

 قال اللهُ تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (البقرة: 129)

* قَالَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ (رحمه الله): فَرَضَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعَ وَحْيِهِ وَسُنَنِ رَسُولِهِ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (آل عمران: 164) مَعَ آيٍ سِوَاهَا ذَكَرَ فِيهِنَّ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.فَذَكَرَ اللَّهُ الْكِتَابَ وَهُوَ الْقُرْآنُ وَذَكَرَ الْحِكْمَةَ فَسَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ يَقُولُ: الْحِكْمَةُ

سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (معرفة السنن والآثار للبيهقي جـ1صـ104 رقم:30:29)

 

* قال بعضُ العلماء: لم يَسُنُ النبي سُنةً قط إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سُنَّته لتبيين عدد الصلاة وعملها، على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سنَّ من البُيُوع وغيرها من الشرائع، لأن الله تعالى قال: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء:29)، وقال سُبحانه: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: 275)، فما أحلَّ وحرَّم فإنما بيَّن فيه عن الله، كما بَيَّن الصلاة. (الرسالة للشافعي صـ:169 رقم:302)

 

لا تعارض بين القرآن والسنة الصحيحة:

لا يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ آيَاتِ القرآن الكريم وَالأحاديث الصحيحة.فإذا وقَعَ تعارضٌ في الظاهرِ بين الآية والحديث الصحيح، فإن العلماءَ الربانيين يقومون بالتوفيق بينهما، لإزالة هذا التعارض الظاهري.

* روى الدارميُّ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَ يَوْمًا بِحَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَجُلٌ: فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا يُخَالِفُ هَذَا، قَالَ: «لَا أُرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُعَرِّضُ فِيهِ بِكِتَابِ اللَّهِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْكَ»    (إسناده صحيح)(سنن الدارمي جـ1:1صـ:154 رقم:590)

* قَالَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ (رحمه الله): لَيْسَ يُخَالِفُ الْحَدِيثُ الْقُرْآنَ وَلَكِنَّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَيِّنُ مَعْنَى مَا أَرَادَ خَاصًّا وَعَامًّا وَنَاسِخًا وَمَنْسُوخًا، ثُمَّ يُلْزِمُ النَّاسَ مَا سَنَّ بِفَرْضِ اللَّهِ، فَمَنْ قَبِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَنِ اللَّهِ قَبِلَ. (معرفة السنن والآثار للبيهقي جـ1صـ117 رقم:74)

* قَالَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ(رحمه الله): سَنَّ رسولُ الله مع كتاب الله، وسَنَّ فيما ليس فيه بعَيْنه نصُّ كتابٍ (أيْ القرآن). وكل ما سَنَّ فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العُنُود (تعمد الابتعاد) عن اتباع السُّنَّة معصيتَه سُبحانه التي لم يَعذر بها خَلْقًا، ولم يجعل لهم من اتباع سنن رسول الله مَخْرجًا. (الرسالة للشافعي صـ:165 رقم:294)

 

سوف نذكرُ بعضَ الأمثلة التي تَدُلُ على عدم وجود أي تعارض بين القرآن والسُّنَّةِ الصحيحة:

 (1) قَوْلُهُ تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة:67) وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ جُرِحَ رأسه يَوْمَ غَزْوَةِ أُحُدٍ.

 أجَابَ العُلماءُ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَسُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ أَوَاخِرِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ.

وَالثَّانِي: بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْأَخِيرِ فَالْمُرَادُ الْعِصْمَةُ مِنَ الْقَتْلِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَمِلَ كُلَّ مَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ فَمَا أَشَدَّ تكليف الأنبياء.

 

(2) قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(النحل:32) مَعَ ما رواه مسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ»  (مسلم حديث: 2816)

أجَابَ العُلماءُ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: نُقِلَ عَنْ سُفْيَانَ الثوري وَغَيْرِهِ، كَانُوا يَقُولُونَ: النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ بِعَفْوِ اللَّهِ وَدُخُولُ الْجَنَّةِ بِرَحْمَتِهِ وَانْقِسَامُ الْمَنَازِلِ وَالدَّرَجَاتِ بِالْأَعْمَالِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَاءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَدْلُولُهَا مُخْتَلِفٌ فَفِي الآية باء المقابلة وهي الداخلة على الأعراض وَفِي الْحَدِيثِ لِلسَّبَبِيَّةِ لِأَنَّ الْمُعْطِيَ بِعِوَضٍ قَدْ يُعْطِي مَجَّانًا وَأَمَّا الْمُسَبَّبُ فَلَا يُوجَدُ بِدُونِ السَّبَبِ وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ هَذَا الْجَوَابَ وَقَالَ: الْبَاءُ فِي الْآيَةِ لِلسَّبَبِيَّةِ وَفِي الْحَدِيثِ لِلْعِوَضِ وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: " قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ "

(3) قَوْلُهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا.قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) (السجدة:4) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ بَقِيَ لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ وَالظَّاهِرُ من الأحاديث الصحاح أن الخلق ابتدأ يَوْمَ الْأَحَدِ وَخُلِقَ آدَمُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ آخِرَ الْأَشْيَاءِ فَهَذَا يَسْتَقِيمُ مَعَ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَوَقَعَ في صحيح مسلم أن الخلقَ ابتدأ يَوْمَ السَّبْتِ فَهَذَا بِخِلَافِ الْآيَةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ آدَمَ ثُمَّ يَكُونُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ هُوَ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا بَيْنُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لِأَنَّ آدَمَ حِينَئِذٍ لَمْ يكن فيما بينهما.                                                           

 (البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ2صـ67:66)

 

الحكم بالسنة يعني الحكم بالقرآن:

إذا حَكَمَ أحدُ العلماء بالسُّنَّة الصحيحة، لم يخرج بذلك عن كتاب الله تعالى.

* روى الشيخانِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مسعود، رضي الله عنه، قَالَ: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ» قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ، لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: «وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللهِ» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: 7)

 (البخاري حديث: 4886 /مسلم حديث: 2125)

فهذا عبدُ الله بنِ مسعود رضي الله عنه يقول عن حُكْمٍ ثبتَ بالسُّنة ولم يُنَصَّ عليه في القرآن أنه في كتاب الله تعالى.

 

* قَالَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ (رحمه الله): ما سَنَّ رسولُ الله فيما ليس لله فيه حُكْمٌ، فبِحُكْم الله سَنَّه. وكذلك أخبرنا الله في قوله: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) (الشورى 53:52) (الرسالة للشافعي صـ:165 رقم:292)

 

اتباع سنة النبي وصية رب العالمين:

(1) قال سُبحانه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31)

* قال الإمامُ ابنُ كثير (رحمه الله): هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَإِنَّهُ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، حَتَّى يَتَّبِعَ الشَّرْعَ الْمُحَمَّدِيَّ وَالدِّينَ النَّبَوِيَّ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ" وَلِهَذَا قَالَ: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) أَيْ: يَحْصُلُ لَكُمْ فَوْقَ مَا طَلَبْتُمْ مِنْ مَحَبَّتِكُمْ إِيَّاهُ، وَهُوَ مَحَبَّتُهُ إِيَّاكُمْ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْأَوَّلِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تُحِبّ، إِنَّمَا الشَّأْنُ أَنْ تُحَبّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ فَابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ). (تفسير ابن كثير جـ3صـ46)

 

 (2) قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء:59)

قَالَ الإمامُ مُجَاهِدُ بنُ جَبْرٍ(رحمه الله) فِي قَوْلِهِ تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) أيْ فَرُدُّوهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِه ِ. (تفسير الطبري جـ8صـ:504)

 

* قال الإمامُ ابنُ كثير(رحمه الله): هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ أَنْ يَرُدَّ التَّنَازُعَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)(الشُّورَى:10) فَمَا حَكَمَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ وَشَهِدَا لَهُ بِالصِّحَّةِ فَهُوَ الْحَقُّ، وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) أَيْ رَدُّوا الْخُصُومَاتِ وَالْجَهَالَاتِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِمَا فِيمَا شَجَرَ بَيْنَكُمْ (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَحَاكَمْ فِي مَجَالِ النِّزَاعِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا يَرْجِعْ إِلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ، فَلَيْسَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ.  (تفسير ابن كثير جـ4صـ137)

 

(3) قال سُبحانه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65)

* قال الإمامُ ابنُ كثير(رحمه الله): يُقْسِمُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ الْمُقَدَّسَةِ: أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ حَتَّى يُحَكم الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، فَمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ الِانْقِيَادُ لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أَيْ: إِذَا حَكَّمُوكَ يُطِيعُونَكَ فِي بَوَاطِنِهِمْ فَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا حَكَمْتَ بِهِ، وَيَنْقَادُونَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فَيُسَلِّمُونَ لِذَلِكَ تَسْلِيمًا كُلِّيًّا مِنْ غَيْرِ مُمَانِعَةٍ وَلَا مُدَافِعَةٍ وَلَا مُنَازِعَةٍ.  (تفسير ابن كثير جـ4صـ141:140)

 

 (4) قال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء:80)

قال الإمامُ ابنُ كثير (رحمه الله): يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.   (تفسير ابن كثير جـ4صـ170)

وَقَوْلُهُ تعالى: (وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) أَيْ: لَا عَلَيْكَ مِنْهُ، إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ فَمَنْ تَبِعك سَعِد وَنَجَا، وَكَانَ لَكَ مِنَ الْأَجْرِ نَظِيرُ مَا حَصَلَ لَهُ، وَمَنْ تَوَلَّى عَنْكَ خَابَ وَخَسِرَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِهِ شَيْءٌ. (تفسير ابن كثير جـ4صـ171:170)

 

 (5) قال جَلَّ شأنه: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (النور:52:51)

 * قال الإمامُ ابنُ كثير (رحمه الله):أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، الَّذِينَ لَا يَبْغُونَ دِينًا سِوَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَالَ: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) أَيْ: سَمْعًا وَطَاعَةً؛ وَلِهَذَا وَصْفَهُمْ تَعَالَى بِالفَلَاحٍ، وَهُوَ نَيْلُ الْمَطْلُوبِ وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْمَرْهُوبِ، فَقَالَ: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).  (تفسير ابن كثير جـ10صـ260)

* قال الإمامُ ابنُ كثير(رحمه الله): قَوْلُهُ تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أَيْ: فِيمَا أَمَرَاهُ بِهِ وَتَرْكِ مَا نَهَيَاهُ عَنْهُ، (وَيَخْشَ اللَّهَ) فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، (وَيَتَقِهِ) فِيمَا يَسْتَقْبِلُ.

وَقَوْلُهُ (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) يَعْنِي: الَّذِينَ فَازُوا بِكُلِّ خَيْرٍ، وأمنُوا مَنْ كُلِّ شَرٍّ فِي الدنيا والآخرة. (تفسير ابن كثير جـ10صـ261)

 

 (6) قال الله تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (النور:54)

* قال الإمامُ ابنُ كثير (رحمه الله):قَوْلُهُ تعالى (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) أَيْ: اتَّبِعُوا كِتَابَ اللَّهِ وَسَنَةَ رَسُولِه ِ.

وَقَوْلُهُ تعالى:(فَإِنْ تَوَلَّوْا) أَيْ: تَتَوَلَّوْا عَنْهُ وَتَتْرُكُوا مَا جَاءَكُمْ بِهِ، (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ) أَيْ: إِبْلَاغُ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، (وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ وَتَعْظِيمِهِ وَالْقِيَامِ بِمُقْتَضَاهُ، (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. (تفسير ابن كثير جـ10صـ262)

 

(7) قال جَلَّ شأنه:(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النور:56)

 

(8) قال سُبحانه: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63)

* قال الإمامُ ابنُ كثير(رحمه الله): فَلْيَحْذَرْ وليخْشَ مَنْ خَالَفَ شَرِيعَةَ الرَّسُولِ بَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) أَيْ: فِي قُلُوبِهِمْ، مِنْ كُفْرٍ أَوْ نِفَاقٍ أَوْ بِدْعَةٍ، (أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا، بِقَتْلٍ، أَوْ حَد، أَوْ حَبْسٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.(تفسير ابن كثير جـ10صـ:281)

 

(9) قال جل شأنه أيضًا: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا)  (الأحزاب:36)

* قال الإمامُ ابنُ كثير(رحمه الله):هَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا حَكَمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِشَيْءٍ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ وَلَا اخْتِيَارَ لِأَحَدٍ هَاهُنَا، وَلَا رَأْيَ وَلَا قَوْلَ.  (تفسير ابن كثير جـ13صـ485)

 

(10) قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: 7)

* قال الإمامُ ابنُ كثير (رحمه الله): مَهْمَا أَمَرَكُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ، وَمَهْمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يَنْهَى عَنْ شَرٍّ. (تفسير ابن كثير جـ11صـ170)

حرص الصحابة على جمع السُّنة و نشرها:

كان الصحابةُ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم أجمعين، يحرصونَ على تَعَلِّمِ السُّنَّة، ومُذاكرتها فرادى أو مجتمعين مع اليقظة وشدة التحري وبَذْلِ الوُسْعِ في إصابة النَّص الذي جاءَ عن النبي ، عملًا بتوجيهه الكريم .

روى الترمذيُّ عن عبد الله بن مسعود أن النبي قال: نَضَّرَ اللَّهُ امْرًَا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ. (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث: 2140)

 

(1) روى الحاكمُ عَنِ عبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ فَإِنَّهُمُ الْيَوْمَ كَثِيرٌ "، فَقَالَ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى النَّاسَ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْكَ وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ فِيهِمْ، قَالَ: «فَتَرَكْتُ ذَاكَ وَأَقْبَلْتُ أَسْأَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِي بَابَهُ وَهُوَ قَائِلٌ فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ يَسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي» فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ؟ هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟، فَأَقُولُ: «لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ»، قَالَ: فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ، فَعَاشَ هَذَا الرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلِي يَسْأَلُونِي، فَيَقُولُ: «هَذَا الْفَتَى كَانَ أَعْقَلَ مِنِّي» . (إسناده صحيح)(مستدرك الحاكم جـ 1صـ 188)

(2) قال عبدُ الله بنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، : كُنْتُ لأَسْأَلُ عَنِ الأَمرِ الوَاحِدِ ثَلاَثِيْنَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ.      

  (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ 3صـ 344)

(3) روى ابنُ سعد عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ:سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَلْزَمُ الأَكَابِرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينِ وَالأَنْصَارِ فَأَسْأَلَهُمْ عَنْ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ. وَكُنْتَ لا آتِي أَحَدًا مِنْهُمْ إِلا سُرَّ بِإِتْيَانِي لِقُرْبِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَجَعَلْتُ أَسْأَلُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَوْمًا. وَكَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ عَمَّا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ:نَزَلَ بِهَا سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سُورَةً وَسَائِرُهَا بِمَكَّةَ  (الطبقات الكبرى لابن سعد جـ 2صـ 284:283)

(4) قال أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: كنا نكون عند النبي ، وربما كنا نحوًا من ستين إنسانًا فيحدثنا رسول الله ثم يقوم فنتراجعه بيننا هذا، وهذا وهذا، فنقوم وكأنما قد زُرع في قلوبنا. (الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي جـ2 صـ 264)

(5) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، " إِنِّي لَأُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: فَثُلُثٌ أَنَامُ، وَثُلُثٌ أَقُومُ، وَثُلُثٌ أَتَذَكَّرُ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ " (سنن الدارمي جـ1صـ:95 رقم:264)                                                          

(6) روى أحمدٌ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ:كَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ مسعودٍ وَأَبُو مُوسَى الأشعري جَالِسَيْنِ وَهُمَا يَتَذَاكَرَانِ الْحَدِيثَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامٌ، يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ " وَالْهَرْجُ: الْقَتْلُ. (حديث صحيح)(مسند أحمد جـ32 صـ249حديث : 19497)

(7) روى أحمدٌ عَنْ طَاوُسِ بْنِ كَيْسان قَالَ:قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ:كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمٍ أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَرَامٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَهْدَى لَهُ رَجُلٌ عُضْوًا مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ، فَرَدَّهُ، وَقَالَ: " إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ إِنَّا حُرُمٌ "

(حديث صحيح)(مسند أحمد جـ32 صـ22حديث : 19271)

 (8) روى الحاكمُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ " (مستدرك الحاكم جـ1صـ:187 رقم:359)

(9) روى الحاكمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «تَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ فَإِنَّكُمْ إِلَّا تَفْعَلُوا يَنْدَرِسُ (أيْ يُنْسى)»  (مستدرك الحاكم جـ1صـ:173 رقم:324)

(10) روى الحاكمُ عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بنِ مالكٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِبَنِيهِ: «قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ (أيْ بكتابته)» (مستدرك الحاكم جـ1صـ:188 رقم:361)

(11) روى الخطيبُ البغدادي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: «تَحَدَّثُوا، فَإِنَّ الْحَدِيثَ يُذَكِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا» (شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي صـ:95)

(12) روى الحاكمُ عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «تَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ فَإِنَّ ذِكْرَ الْحَدِيثِ حَيَاتُهُ»  (مستدرك الحاكم جـ1صـ:173 رقم:325)

(13) روى الدارميُّ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ مِنَّا حَدِيثًا، فَتَذَاكَرُوهُ بَيْنَكُمْ»   (سنن الدارمي جـ1صـ:156 رقم:607)                                                          

(14) روى الدارمي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «تَذَاكَرُوا هَذَا الْحَدِيثَ، لَا يَنْفَلِتْ مِنْكُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ الْقُرْآنِ مَجْمُوعٌ مَحْفُوظٌ، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَذَاكَرُوا هَذَا الْحَدِيثَ يَنْفَلِتْ مِنْكُمْ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ حَدَّثْتُ أَمْسِ فَلَا أُحَدِّثُ الْيَوْمَ، بَلْ حَدِّثْ أَمْسِ، وَلْتُحَدِّثِ الْيَوْمَ، وَلْتُحَدِّثْ غَدًا»  (سنن الدارمي جـ1صـ:155 رقم:600)  

(15) روى الدارمي عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «كُنَّا نَأْتِي جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ تَذَاكَرْنَا، فَكَانَ أَبُو الزُّبَيْرِ أَحْفَظَنَا لِحَدِيثِهِ» (سنن الدارمي جـ1صـ:157 رقم:615)

 

 رحلة العلماء في طلب السُّنة:

  قامَ كثيرٌ من العلماء بالرحلة من أجل طلب حديث النبي ، وسوف نذكر بعض الأمثلة:

 (1) روى أحمدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: رَكِبَ أَبُو أَيُّوبَ، إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، إِلَى مِصْرَ، فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ حَضَرَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَا وَأَنْتَ، كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي سَتْرِ الْمُؤْمِنِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى عَوْرَةٍ سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ " فَمَا حَلَّ رَحْلَهُ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ "  (مسند أحمد جـ28صـ 656 رقم: 17454)

 

(2) روى أحمدٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلِي، فَسِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا، حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ الشَّامَ فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَقُلْتُ لِلْبَوَّابِ: قُلْ لَهُ: جَابِرٌ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَخَرَجَ يَطَأُ ثَوْبَهُ فَاعْتَنَقَنِي، وَاعْتَنَقْتُهُ، فَقُلْتُ: حَدِيثًا بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقِصَاصِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَمُوتَ، أَوْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا " قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: " لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ " قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: " بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. "(إسناده حسن)(مسند أحمد جـ:25 صـ:431 حديث: 16042)

 

(3) قَالَ بُسْرٌ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ: «إِنْ كُنْتُ لَأَرْكَبُ إِلَى الْمِصْرِ مِنَ الْأَمْصَارِ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ؛ لِأَسْمَعَهُ» (سنن الدارمي جـ1صـ149 رقم:563)

(4) قَالَ أَبو الْعَالِيَةِ:«إِنْ كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ بِالْبَصْرَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَلَمْ نَرْضَ، حَتَّى رَكِبْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَمِعْنَاهَا مِنْ أَفْوَاهِهِمْ»  (سنن الدارمي جـ1صـ149 رقم:564)

 (5) روى الدارميُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: «لَقَدْ أَقَمْتُ بالمدينةِ ثَلَاثًا مَا لِي حَاجَةٌ، إِلَّا وَقَدْ فَرَغْتُ مِنْهَا، إِلَّا أَنَّ رَجُلًا كَانُوا يَتَوَقَّعُونَهُ، كَانَ يَرْوِي حَدِيثًا، فَأَقَمْتُ حَتَّى قَدِمَ فَسَأَلْتُهُ»    (سنن الدارمي جـ1صـ149 رقم:562)

(6) قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنْ كُنْتُ لَأَسِيرُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ مَسِيرَةَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ. (الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي جـ2 صـ339)

(7) روى ابنُ أبي شيبة، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: «خَرَجْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَطْلُبُ الْعِلْمَ وَالشَّرَفَ» (إسناده صحيح)(مصنف ابنُ أبي شيبة جـ:5صـ:285 رقم:26132 )

(8) قَالَ البُخَارِيُّ دخلت إِلَى الشَّام ومصر والجزيرة مرَّتَيْنِ وَإِلَى الْبَصْرَة أَربع مَرَّات وأقمت بالحجاز سِتَّة أَعْوَام وَلَا أحصي كم دخلت إِلَى الْكُوفَة وبغداد مَعَ الْمُحدثين.  (مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني 502)

(9) ذهبَ مسلمٌ بنُ الحجَّاج لسماع الحديث إلى مكة والكوفة والمدينة ومصر. (مقدمة صحيح مسلم صــ:8)              

(10) بدأ ابنُ خزيمة رحلته في طلب الحديث وهو في السابعة عشرة من عُمره، فسمع من علماءٍ كثيرين في نيسابور ومَرْو والرَّي وذهب إلى الشام والجزيرة ومصر وواسط وبغداد والبصرة والكوفة. (مقدمة صحيح ابن خزيمة جـ1 صـ8: 9)

 

التدوين الرسمي للدولة للسنة:

قال الإمامُ البخاريُّ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ (أي ذهابه وضياعه) وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلاَ تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم: «وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لاَ يَهْلِكُ(لا يضيع) حَتَّى يَكُونَ سِرًّا (مكتوما)»(صحيح البخاري ـ كتاب العلم ـ باب:34)

* كانت بداية التدوين الرسمي لسُنة نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز(رحمه الله) عام مائة وواحد من الهجرة.

* قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ: سَمِعْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ فَآمُرُ أَهْلَ الْعِلْمِ أَنْ يَنْشُرُوا الْعِلْمَ فِي مَسَاجِدِهِمْ، فَإِنَّ السُّنَّةَ كَانَتْ قَدْ أُمِيتَتْ» (المحدث الفاصل ـ للرامهرمزي صـ306)

 

رد الصحابة على من ينكر الاحتجاج بالسُّنة:

(1) روى أحمدٌ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْحَضَرِ، وَصَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: ابْنَ أَخِي، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَا مُحَمَّدًا يَفْعَلُ "   (إسناده صحيح) (مسند أحمد جـ9 ـ صـ495 ـ حديث: 5683)

(2) روى الطبراني عَن الْحَسَنِ البَصْرِي، قَالَ: بَيْنَمَا عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ يُحَدِّثُ عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ حَدِّثْنَا بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: «أَرَأَيْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، أَكُنْتُمْ مُحَدِّثِي كَمِ الزَّكَاةُ فِي الذَّهَبِ، وَالْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَأَصْنَافِ الْمَالِ، وَلَوْ شَهِدْتَ وَغِبْتَ أَنْتُمْ؟» ثُمَّ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الزَّكَاةِ كَذَا وَكَذَا» فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ أَحْيَيْتَنِي أَحْيَاكَ اللهُ، ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ: «فَمَا مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ حَتَّى كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ» (مسند الطبراني الكبير جـ18صـ165 حديث: 369)

 

شبهات المنكرين لحجية السنة والرد عليها:

يُمْكِنُ أن نوجزَ شبهات المنكرين لحجية السُّنَّة فيما يلي:

الشبهة الأولى:

قال المنكرون لحُجِّيَّةِ السُنَّةِ:

قال اللهُ تعالى:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9)

هذه الآية دليلٌ على أن اللهَ تعالى تَكَفَّلَ بحفظ القرآنِ دُونَ السُنَّةِ، ولو كانت السُنَّة دليلًا وَحُجَّةً كالقرآن لَتَكَفَّلَ اللهُ تعالى بحفظها.

الرَّدُ على هذه الشبهة:

(1) قال الإمامُ ابن حزم (رحمه الله): إن قال قائلٌ قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9) إنما عَنى اللهُ تعالى بذلك القرآنَ وحده، فهو الذي ضمن تعالى حفظه لسائر الوحي الذي ليس قرآنًا، قلنا له وبالله تعالى التوفيق:«هَذِهِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ البُرْهَانِ وَتَخْصِيصٌ لِلْذِّكْرِ بِلاَ دَلِيلٍ، وَالذِّكُرُ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَىَ كُلِّ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ وَحْيٌ يُبَيِّنُ بِهَا القُرْآنَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل: 44) فَصَحَّ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِبَيَانِ القُرْآنَ لِلْنَّاسِ، وَفِي القُرْآنِ مُجْمَلٌ كَثِيرٌ كَالَصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالحَجِّ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لاَ نَعْلَمُ مَا أَلْزَمَنَا اللهُ تَعَالَى فِيهِ بِلَفْظِهِ، لَكِنْ بِبَيَانِ النَّبِيِّ فَإِذَا كَانَ بَيَانُهُ لِذَلِكَ المُجْمَلِ غَيْرَ مَحْفُوظٍ وَلاَ مَضْمُونٌ سَلاَمَتُهُ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ، فَقَدْ بَطَلَ الاِنْتِفَاعِ بِنَصِّ القُرْآنِ، فَبَطَلَتْ أَكْثَرُ الشَّرَائِعِ المُفْتَرَضَةِ عَلَيْنَا فِيهِ، فَإِذَا لَمْ نَدْرِ صَحِيْحَ مُرَادِ اللهِ تَعَالَى مِنْهَا»  (الإحكام في أصول الأحكام ـ لابن حزم جـ1صـ122)

 

 (2) ذَكَرَ العلماءُ، وفي مقدمتهم الإمامُ الشافعي(رَحِمَهُ اللهُ) أن السُنَنَ موجودة ٌعند عامة أهل العلم، وإن كان بعضهم أجمع من بعض، ولكن إذا جُمعَ عِلْمهم أتى على السُّنَّةِ كلها، وإذا فُرِّقَ عِلْم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذَهَبَ عليه من السُّنَّة موجودًا عند غيره. (الرسالة للشافعي صـ:34)

 

(3) قال الإمامُ ابن حزم (رحمه الله): «لاَ خِلاَفَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالشَّرِيِعَةِ فِي أَنَّ كُلَّ وَحْيٍ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَهُوَ ذِكْرٌ مُنَزَّلٌ، فَالوَحْيُ كُلُّهُ مَحْفُوظٌ بِحِفْظِ اللهِ تَعَالَى لَهُ بِيَقِينٍ، وَكُلُّ مَا تَكَفَّلَ اللهُ بِحِفْظِهِ فَمَضْمُونٌ أَنْ لاَ يُضِيعَ مِنْهُ وَأَلاَّ يُحَرَّفَ مِنْهُ شَيْءٌ أَبَدًا تَحْرِيفًا لاَ يَأْتِي البَيَانُ بِبُطْلاَنِهِ»  (الإحكام في أصول الأحكام ـ لابن حزم جـ1صـ121)

 

الشبهة الثانية:

قال المنكرون لحُجِّيَّةِ السُنَّةِ:

 لو كانت السُّنَّة حجةٌ لما نهى النبي على عدم كتابتها، وذلك بدليل ما رواه مسلمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: " لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. "  (مسلم حديث: 3004)

 

الرَّدُ على هذه الشبهة:

* قال الإمامُ النووي (رحمه الله):قَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ بِجَوَازِ كتابة السُّنَّة ثُمَّ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ بَعْدَهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِ كتَابتها، وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ بِجَوَابَيْنِ:

 * أَحَدُهُمَا:أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَكَانَ النَّهْيُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ اشْتِهَارِ الْقُرْآنِ لِكُلِّ أَحَدٍ فَنَهَى عَنْ كِتَابَةِ غَيْرِهِ خَوْفًا مِنِ اخْتِلَاطِهِ وَاشْتِبَاهِهِ فَلَمَّا اشْتَهَرَ وَأُمِنَتْ تِلْكَ الْمَفْسَدَةُ أَذِنَ فِيهِ.

 * وَالثَّانِي:أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِمَنْ وُثِقَ بِحِفْظِهِ وَخِيفَ اتِّكَالُهُ عَلَى الْكِتَابَةِ وَالْإِذْنُ لِمَنْ لَمْ يُوثَقْ بِحِفْظِهِ.                               

(مسلم بشرح النووي جـ:5صـ141:140)

 

استحباب كتابة السُّنَّة:

(1) روى البخاريُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ»      (البخاري حديث:113)

 

(2) روى أبو داودَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاص، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ»  (حديث صحيح)(صحيح أبي داود للألباني حديث: 3099)

 

(3) روى الشيخانِ عَنْ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلاَ تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ»، فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ(نوع من الأعشاب)، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ» فَقَامَ أَبُو شَاهٍ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ - فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ»، قَالَ الْوَلِيدُ: قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.  (البخاري حديث: 2434/مسلم حديث: 1355)

قَالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ (رحمه الله): قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ) هَذَا تَصْرِيحٌ بِجَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ غَيْرَ الْقُرْآنِ.  (مسلم بشرح النووي جـ:5صـ:140)

 

(4) روى البخاريُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مَالكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، «فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا، فَلْيُعْطِهَا وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلاَ يُعْطِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاَثِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاَثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ، فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ، فَفِيهَا شَاةٌ وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلاَثِ مِائَةٍ، فَفِيهَا ثَلاَثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاَثِ مِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ العُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا» (البخاري حديث: 1454)

 

الشبهة الثالثة:

قال المنكرون لحُجِّيَّةِ السُنَّةِ: جَاءَت أحَادِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تدلُ على عَدَمِ حُجِيَّةِ السُنَّةِ.

الحديث الأول:

* روى البيهقيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَعَا الْيَهُودَ فَسَأَلَهُمْ فَحَدَّثُوهُ حَتَّى كَذَبُوا عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «إِنَّ الْحَدِيثَ سَيَفْشُو عَنِّي فَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ الْقُرْآنَ فَهُوَ عَنِّي وَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُخَالِفُ الْقُرْآنَ فَلَيْسَ عَنِّي»   (معرفة السنن والآثار للبيهقي جـ1صـ117)

قال الطاعنون:إذا كانَ ما رُوِي مِنَ السُنَّةِ قد أثبت حُكْمًا شَرْعِيًّا جَدِيدًا كان ذلك غير موافق للقرآن، وإن لم يثبت حُكْمًا جَدِيدًا كانت لمحض التأكيد وَالحُجَّةُ هو القرآن فقط. (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي لمصطفى السباعي صـ:154)

 

الرد على هذا الحديث:

* هذا الحديث موضوع، وكذبٌ على نبينا محمدٍ .

(1) قَالَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ (رَحِمَهُ اللهُ): ما رَوَى هذا أحدٌ يَثْبُتُ حَدِيثُهُ في شيء صَغُرَ وَلَا كَبُرَ، وهذه رِوايةٌ مُنْقَطِعة عَن رَجُلٍ مَجْهولٍ، ونحن لا نَقْبَلُ مِثْلَ هذه الرِّوايَةِ في شيْءٍ. (الرسالة للشافعي صـ:222)

(2) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ(رحمه الله): خَالِدُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ مَجْهُول، وَأَبُو جَعْفَر لَيْسَ بصحابي، فَالْحَدِيث مُنْقَطع. (معرفة السنن والآثار للبيهقي جـ1صـ117)

(3) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ(رحمه الله): الْحَدِيث الَّذِي رُوِي فِي عَرض الحَدِيث على الْقُرْآن بَاطِل لَا يَصح، وَهُوَ ينعكس على نَفسه بِالْبُطْلَانِ، فَلَيْسَ فِي الْقُرْآن دلَالَة على عَرض الحَدِيث على الْقُرْآن.  (دلائل النبوة للبيهقي جـ1صـ27)

 

الحديث الثاني:

* روى الطحاوي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا حُدِّثْتُمْ عَنِّي حَدِيثًا تَعْرِفُونَهُ وَلَا تُنْكِرُونَهُ، فَصَدِّقُوا بِهِ، قُلْتُهُ، أَوْ لَمْ أَقُلْهُ، فَإِنِّي أَقُولُ مَا تَعْرِفُونَهُ، وَلَا تُنْكِرُونَهُ، وَإِذَا حُدِّثْتُمْ عَنِّي حَدِيثًا تُنْكِرُونَهُ، وَلَا تَعْرِفُونَهُ، فَكَذِّبُوا بِهِ، فَإِنِّي لَا أَقُولُ مَا تُنْكِرُونَهُ، وَأَقُولُ مَا تَعْرِفُونَهُ. ( شرح مشكل الآثار ـ لأبي جعفر الطحاوي جـ15صـ347 حديث:6068)

قال الطاعنون:هذا الحديث يدلُ وجوب عرض ما يُنسبُ إلى النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على المعروف عند المُسْلِمِينَ مِن حُكْم االقرآنِ الكريم، وعلى ذلك لا تكون السُنَّةُ حُجَّةً.

 

الرَّد على هذا الحديث:

هذا الحديث موضوعٌ، وكذبٌ على نبينا محمدٍ ، ورواياته لا قيمة لها عند المحديثن.

(1) قال فيه أبو محمد بن حزم: «هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وَالأَصْبَغُ (أحدُ رُوَّاةِ الحديث) مَجْهُولٌ»  (الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم جـ2صـ77)

(2) قال الإمامُ ابن حزم (رحمه الله): «عبد الله بن سعيد( أحدُ رُوَّاةِ الحديث )كَذَّابٌ مَشْهُورٌ، وهذا هو نسبة الكذب إلى رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه حكى عنه أنه قال: «لم أَقُلْهُ، فأنا قُلتُهُ» فكيف يقول ما لم يَقُلْ؟ هل يستجِيزُ هذا إلا كَذَّابٌ زنديق كافر أحمق؟» (الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم جـ2صـ78)

 (3) قَالَ الْبَيْهَقِيّ (رحمه الله): قَالَ ابْن خُزَيْمَة (رحمه الله): "فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث مقَال، لم نر فِي شَرق الأَرْض وَلَا غربها أحدا يعرف خبر ابْن أبي ذِئْب من غير رِوَايَة يحيى بن آدم وَلَا رَأَيْت أحدا من عُلَمَاء الحَدِيث يثبت هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة". (مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي صـ24)

 (4) قَالَ الْبَيْهَقِيّ (رحمه الله): هذا الحديث مُخْتَلف فيه على يحيى بن آدم فِي إِسْنَاده وَمَتنه اخْتِلَافا كثيرا يُوجب الِاضْطِرَاب، مِنْهُم من يذكر أَبَا هُرَيْرَة، وَمِنْهُم من لَا يذكرهُ وَيُرْسل الحَدِيث. وَمِنْهُم من يَقُول فِي مَتنه (نَص الحديث): "إِذا رويتم الحَدِيث عني فاعرضوه على كتاب الله"، وَقَالَ البُخَارِيُّ فِي تَارِيخه: "ذِكرُ أبي هُرَيْرَة فِيهِ وَهْمٌ"(مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي صـ24)

(5) روى الْبَيْهَقِيُّ من طَرِيق الْحَارِث بن نَبهَان عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْعَرْزَمِي عَن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: "مَا بَلغَكُمْ عني من حَدِيث حسن لم أَقَله فَأَنا قلته". قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا بَاطِل، والْحَارث والعرزمي مَتْرُوكَانِ، وَعبد الله بن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة مُرْسل فَاحش، قَالَ: وَقد روى عَن أبي هُرَيْرَة مَا يُضاد بعض هَذَا.

(مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي صـ24)

(6) هذا الحديث فِيهِ مَا يَقْطَعُ العلماء بِكَذِبِهِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (فصَدِّقُوا بِهِ، قُلتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ )، فما كانَ لرسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن يسمحَ بالكذب عليه وهو الذي تواتر عنه قوله «مَن كَذَب عَلَيّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِن النّارِ»

 (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي لمصطفى السباعي صـ:163)

 

تعريف الحديث المتواتر:

* الحديث ُالمتواترُ: هو ما يرويه جَمعٌ مِن العُدُول الثقات عن جَمعٍ مِن العُدُول الثقات، وهكذا حتى يصلَ إلى النَّبِيِّ .

(السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي لمصطفى السباعي صـ:167)

 

الحديث الثالث:

* روى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أنبأ الشَّافِعِيُّ، أنبأ ابْنُ عُيَيْنَةَ، بِإِسْنَادِهِ يَعْنِي عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ وَإِنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ، إِلَّا مَا أَحَلَّ اللهُ لَهُمْ، وَلَا أُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ، إِلَّا مَا حَرَّمَ اللهُ" (وفي رواية (فِي كِتَابِهِ )".

 (السنن الكبرى للبيهقي جـ7صـ120 حديث: 13440)

الرد على هذا الحديث:

هذا الحديث غير صحيح، فلا تقوم به حُجَّةٌ عند أهل العِلْم.

(1) قَالَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ (رَحِمَهُ اللهُ): هَذَا حَديثٌ مُنْقَطِعٌ.   (السنن الكبرى للبيهقي جـ7صـ120)

(2) قَالَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ (رَحِمَهُ اللهُ): قَوْلَهُ إِنْ كَانَ قَالَهُ: «لَا يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ كَانَ بِمَوْضِعِ الْقُدْوَةِ فَقَدْ كَانَتْ لَهُ خَوَاصٌّ أُبِيحَ لَهُ فِيهَا مَا لَمْ يُبَحْ لِلنَّاسِ، وَحُرِّمَ عَلَيْهِ فِيهَا مَا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى النَّاسِ. فَقَالَ: «لَا يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ مِنَ الَّذِي لِي أَوْ عَلَيَّ دُونَهُمْ»  (معرفة السنن والآثار للبيهقي جـ1صـ119رقم:78)

(3) قَالَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ (رَحِمَهُ اللهُ): قَوْلُهُ: «فَإِنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَلَا أُحَرِّمُ إِلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ»، فَكَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ وَافْتَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ قَدِ اتَّبَعَهُ، فَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَحْيٌ فَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ فِي الْوَحْيِ اتِّبَاعَ سُنَّتِهِ فِيهِ، فَمَنْ قَبِلَ عَنْهُ فَإِنَّمَا قَبِلَ بِفَرْضِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ)(الحشر:7)                 

(معرفة السنن والآثار للبيهقي جـ1صـ119رقم:79)

 

الشبهة الرابعة:

قال المنكرون لحُجِّيَّةِ السُنَّةِ:

قال الله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)  (الأنعام، : 38)

وقال سُبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)  (النحل: 89)

هذه الآيات تدلُ على أن القرآنَ الكريمَ قد اشتملَ على كل شيء من أمور الدين، وكل حُكْمٍ من أحكامه، وأنه قد بينه بيانًا تامًا، وفَصَّلَه تفصيلًا واضحًا: بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر مثل السُنَّةِ ينص على حُكْم من أحكام الدين أو يبينه ويُفصله، وإلا لمَا كان القرآنُ الكريمُ تبيانًا لكل شيء، وفي هذه الحالة تصبح هذه الآيات لا معنى لها، وهذا أمرٌ مستحيلٌ.

 

الرد على هذه الشبهة:

(1) قال الإمامُ الشافعي(رحمه الله): سُنَنُ رسول الله مع كتاب الله وجهان: أحَدُهما: نَصُّ كتابٍ، فَاتَّبَعَهُ رسولُ الله كما أنزلَ اللهُ، والآخر: جُملةٌ، بَيَّنَ رسولُ الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرَضَها عامًَّا أو خاصًا، وكيفَ أرادَ أن يأتي به العباد، وكلاهما اتبعَ فيه كتاب الله تعالى.(الرسالة للشافعي صـ:168 رقم:298)

(2) روى الدارميُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: «السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ الْقُرْآنُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ»

(إسناده جيد)  (سنن الدارمي جـ1صـ153حديث:586)

(3) قَالَ مَكْحُولٌ الشَّامي(رحمه الله): «الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ»   (السنة ـ لمحمد بن نصر المروزي صـ33 رقم:104)

يجب على كل مسلمٍ أن يعلمَ أنه لا يمكن الاستغناء عن سُّنة رسول الله وذلك لأنها ضرورية لفهم ما جاء مُجملًا في القرآن الكريم، وســوف نذكر بعضَ أمثلة للأحكام التي جاءت مجملة في القرآن وبينتها السُّنَّة المباركة.

 

السُّنة ضرورية لفهم القرآن:

أولًا: الصلاة:

الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، جاء ذكرها في القرآن الكريم مُجملة.

فكيف تكون إقامة الصلاة ؟ السُّنَّةُ النبويةُ وحدها هي التي تجيب على هذا السؤال، فقد بينت السُّنَّةُ عَدَد الصلوات المفروضة، وعَدَد ركعاتها، وكيفية إقامتها وشروطها وأركانها، وما يُقَالُ فيها من الأذكار.

 

ثانيًا: الزكاة:

 جاءت الزكاةُ مقترنةٌ بالصلاة ومجملة في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وقال تعالى:(وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) فقامت السُّنَّة ببيان هذا الإجمال فوضحت مقدار الزكاة وشروطها ومصارفها وكذلك زكاة الفطر في نهاية رمضان.

 

ثالثًا: الصوم:

 جاء الصومُ بنوع من التفصيل في القرآن كما هو واضح في سورة البقرة وكانت هناك أسئلة لم تُجبْ عليها آيات القرآن الكريم، مثل: ما حُكْمُ من أكل أو شرب ناسيًا ؟ وما حُكْمُ من جامع امرأته في نهار رمضان؟

 

رابعًا: الحج:

 فرضَ اللهُ تعالى الحج على الناس، وبين بعض تفصيلاته في القرآن ثم جاءت السُّنةُ فبينت باقي الأحكام التي لم تَرِدْ في القرآن كما في حديث حجة الوداع من رواية جابر بنِ عبد الله في صحيح مسلم.

 

خامسًا: الزواج:

ذكرَ اللهُ تعالى المحرَّمات زواجهن من النساء:فقال سُبحانه:(وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) ( النساء :24:22)

* لم تذكر الآيات الكريمات حُكْمَ الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها.فبينت السُّنة أنه يحرمُ على الرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها.

* روى الشيخانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلاَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»

 (البخاري حديث: 5109 /مسلم حديث: 1408)

 

 سادسًا: البيوع:

 تحدث القرآنُ الكريمُ عن البيع والتجارة، قال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (البقرة: 275) ومع هذا جاءت السُّنة فوضحت أنواعًا من البيوع المنهي عنها ومنها:

1ـ بيع المسلم على بيع أخيه. 2ـ بيع النجش. 3ـ بيع الملامسة.4ـ بيع تلقي الركبان.5ـ بيع حاضر لباد. 6ـ وبيع الشاة المصَرَّاة.

فكل البيوع المشتملة على الجهالة محرمةٌ بالسُّنَّة.

 

سابعًا: الحدود:

 يقول الله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة:38)، وهذا كلام مُجملٌ يحتاجُ إلى بيانٍ وتفصيل.

فمثلًا: نريد أن نعرفَ ما هو المقدار الذي إذا أخذه السارق تقطع يديه؟ وما هو حد اليد؟ هل هو من المنكب؟ هل هو من المرفق؟ هل هو من مفصل اليد؟

فنقولُ إنَّ السُّنةَ وحدها هي التي أجابت على هذه الأسئلة فبينت أنه لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا وأن القطع يكون من مفصل الكف.

 

ثامنًا: الأطعمة:

 * قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) (المائدة:3) جاءت السُّنة القولية فبينت أن ميتة الجراد والسمك حلال وكذلك الكبد والطحال من الدم حلال.

* روى البيهقيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : " أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ. فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ " (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث 210)

* قال تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (الأنعام 145)

 

وجاءت السُّنَّةُ النبوية فحرمت أشياء لم تُذكر في هذه الآية:

 (1) روى مسلمٌ عن عبد الله بن عباس قال:" نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ" (مسلم حديث 1934)

(2) روى مسلمٌ عن أبي هريرة أن النبي قال: "كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ"   (مسلم حديث: 1933)

(3) روى الشيخانِ عن أنس بن مالكٍ أن النبي أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي النَّاسِ:إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ.  (البخاري حديث 5528/ مسلم حديث: 1940)

 

تاسعًا: اللباس والزينة:

قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف:32)

جاءت السُّنةُ المباركةُ فبينت أن من الزينة ما هو مُحرَّمٌ على الرجال مثل: الذهب والحرير.

* روى النسائيُّ عن عليِّ بنِ أبي طالب أن النبي أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ:إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي. (حديث صحيح)(صحيح النسائي للألباني جـ3 صـ376)

* روى النَّسَائيُّ عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله قال: "أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا"

 (حديث صحيح) (صحيح النسائي للألباني جـ3 صـ376: 377)

 

عاشرًا:آيات لا يمكن فهمها فهمًا صحيحًا إلا بالسُّنة:

(1) قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)  (الأنعام:82)

روى البخاريُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا) (الأنعام: 82) إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: " لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ (لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ "   (البخاري حديث 3360)

(2) قوله سُبحانه: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (النساء: 101)

 فظاهر هذه الآية يقتضي أن قصرَ الصلاة في السفر مشروطٌ له الخوف، ولذا سأل الصحابة الرسول عن ذلك.

روى مسلمٌ عن يعلى بن أُمية قال: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ. فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ.

 (مسلم حديث 686)

 

القرآنيون

تعريف القرآنيين:

القرآنيون:فئةٌ من الناس، نَسبوا أنفسهم إلى القرآن الكريم، زورًا وبُهتانًا،، والقرآنُ منهم براء، يقولُون: حسبنا القرآن وحده، لقوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)، ويرفضون العمل بالسُّنَّة بحجة أن السُّنة قد دخلها الكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأن فيها أحاديث متعارضة، حسب زعمهم.

نشأة القرآنيين:

ترجعُ نشأة القرآنيين إلى رَجُلٍ خَرَجَ مِنَ الْبِنْجَابِ مِنْ إِقْلِيمِ الْهِنْدِ وَانْتَسَبَ نَفْسَهُ بِأَهْلِ الْقُرْآنِ وَشَتَّانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْقُرْآنِ بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالْمُرْتَدِّينَ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ فَأَضَلَّهُ الشَّيْطَانُ وَأَغْوَاهُ وَأَبْعَدَهُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَتَفَوَّهَ بِمَا لَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَأَطَالَ لِسَانَهُ فِي إِهَانَةِ النَّبِيِّ وَرَدَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ بِأَسْرِهَا وَقَالَ هَذِهِ كُلُّهَا مَكْذُوبَةٌ وَمُفْتَرَيَاتٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ عَلَى الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فَقَطْ دُونَ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً مُتَوَاتِرَةً وَمَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ الْقُرْآنِ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الكافرون) وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِ الْكُفْرِيَّةِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ وَجَعَلَهُ إِمَامًا وَقَدْ أَفْتَى عُلَمَاءُ الْعَصْرِ بِكُفْرِهِ وَإِلْحَادِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ. (عون المعبود لآبادي جـ12صـ233)

 

الرسول يحذرنا من القرآنيين:

 (1) روى أبو داودَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ، إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا. (حديث صحيح) صحيح أبي داود للألباني حديث 3848)   

* قال الإمامُ شمسُ الحق العظيم آبادي (رحمه الله): فِي الْحَدِيثِ تَوْبِيخٌ مِنْ غَضَبٍ عَظِيمٍ عَلَى مَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِالْكِتَابِ (أي بالقرآن) فَكَيْفَ بِمَنْ رَجَّحَ الرَّأْيَ عَلَيْهَا أَوْ قَالَ:لَا عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ بِهَا فَإِنَّ لِي مذهبا أتبعه.(عون المعبود جـ12صـ233)

(2) روى ابنُ ماجه عن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي أن النبي قال: يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ؛ أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ مَا حَرَّمَ الله. (حديث صحيح) (صحيح ابن ماجه للألباني حديث 12)     

(3) روى أبو داودَ عن أبي رافع أن النبي قال: " لَا أُلْفِيَنَّ (أيْ أَجِدَنَّ) أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ" (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 3849)

 

الرد على القرآنيين:

اعتمدَ القرآنيون على القرآن فقط، مُدَّعينَ أن القرآن الكريم وحده كافٍ لإقامة الحياة الإسلامية وليست هناك حاجة إلى السُّنة.

وبناء عل ذلك تأولوا- بأهوائهم الضالة- آيات القرآن بما يجعله شاملًا للأحكام بتفاصيلها، وراحوا يلتمسون من الشبهات ما يُقوي بنيانهم، ولو أننا استغنينا عن السُّنة لا نهدم الدين من أساسه ولانفتح باب الزندقة على مصراعيه.

  في الحقيقة إن فرقة القرآنيين من الفرق الضالة، التي تخالف القرآن الكريم، وهم متبعون لأهوائهم، وهم خارجون عن القرآن كما خرجوا على السُّنة، لأن القرآن يدعو المسلمين إلى الأخذ بالسُّنة.

 قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(الحشر:7)، وكل من خالف هذه القاعدة الشرعية الربانية التي جاءت في كتاب الله تعالى، فهو ضالٌ ومُضِلٌ لغيره.

 

فنقول لهؤلاء القرآنيين:أجيبوا على هذه الأسئلة التالية من القرآن الكريم:

أولًا: الصلاة: الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، جاء ذكرها في القرآن الكريم:قال سُبحانه (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ)

فكيف تكون إقامة الصلاة؟ وما عدد فروضها في اليوم والليلة، وما عدد ركعاتها؟وماذا نقول أثناء الركوع والسجود، وعند التشهد؟

السُّنة النبوية وحدها هي التي تجيب على هذه الأسئلة، فقد بينت السُّنة عدد الصلوات وكيفية إقامتها وشروطها وأركانها.

 

ثانيًا: الزكاة : جاءت مجملة في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وقال تعالى:(وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) فما هي الأصناف التي تجب فيها الزكاة، وما نِصَاب الزكاة، وما هي المصارف الشرعية للزكاة؟

ونقول لهم أيضًا:أين الدليل من القرآن الكريم على زكاة الفطر في شهر رمضان؟

 قامت السُّنَّةُ ببيان هذا الإجمال فوضحت مقدار الزكاة وشروطها ومصارفها وكذلك زكاة الفطر في نهاية رمضان.

 

ثالثًا: الصوم: جاء الصوم بنوع من التفصيل في القرآن كما هو واضح في سورة البقرة.

 ولكن نريد منكم الإجابة على الأسئلة الآتية من القرآن الكريم:

* ما حُكْمُ من أكل أو شرب ناسيًا ؟

 * ما حُكْمُ من جامع امرأته في نهار رمضان؟

 

رابعًا: الحج: فرض اللهث تعالى الحج على الناس، وبين بعض تفصيلاته في القرآن.

ولكن نريد منكم الإجابة على الأسئلة الآتية من القرآن الكريم:

* ما الدليل على المواقيت الزمانية والمكانية للحج؟

* ما هي صفة إحرام الرجل والمرأة ؟      

* ما هي صفة التلبية ومتى تنقطع؟

* ما هي أنواع الإحرام بمناسك الحج؟

* متى يبدأ وقت الوقوف بعرفة ومتى ينتهي؟

* ما حكْم المبيت بمزدلفة؟

* ما عَدَدُ الأشواط حول الكعبة وبين الصفا والمروة؟

* ما عَددُ الجمرات التي يرمي بها الحاجُ يوم النحر وأيام التشريق؟

سُّنَّةُ نبينا محمد هي وحدها التي تجيب على جميع هذه الأسئلة.

 

حـكْـم إنكار حجية السنة:

إنَّ إنكارَ حُجِيَّة سُنَّة نبينا محمدٍ ولقول بأن الإسلام هو القرآن الكريم فقط لا يقول به أي مسلم يعرف دين الله تعالى وأحكام شريعته تمام المعرفة، وهو يصادم الواقع، فإنَّ أحكام الشريعة الإسلامية المباركة إنما ثبت أكثرها بِالسُنَّةِ، وما في القرآن الكريم من أحكام إنما هي مجملة في الغالب، وتحتاج إلى تفصيل وبيان.سوف نذكُرُ بعضَ أقوالِ أهل العِلْم فيمَن يُنكرُ حُجِّيَّة السُّنَّة:

(1) روى الخطيبُ البغدادي عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا حَدَّثْتَ الرَّجُلَ بِالسُّنَّةِ فَقَالَ: دَعْنَا مِنْ هَذَا وَحَدِّثْنَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ ضَالٌّ مُضِلٌّ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) (الحشر: 7) وَ (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ) (النساء: 80) وَيَدْعُوهُ إِلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ " (الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي جـ1صـ16)

(2) قال الإمامُ أبو بكر الآجُرِّيُّ (رحمه الله): جَمِيعُ فَرَائِضِ اللَّهِ، الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، لَا يُعْلَمُ الْحُكْمُ فِيهَا إِلَّا بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا قَوْلُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا خَرَجَ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَدَخَلَ فِي مِلَّةِ الْمُلْحِدِينَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الضَّلَالَةِ بَعْدَ الْهُدَى.

(الشرعة للآجري جـ:1صـ:412)

(3) قال الإمامُ ابن حزم(رحمه الله): لا يجوز لمسلمٍ، يُقرُ بالتوحيد، أن يرجعَ ـ عند التنازع ـ إلى غير القرآن والخبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يأبى عما وجدَ فيهما، فإن فعل ذلك ـ بعد قيام الحجة عليه ـ فهو فاسقٌ، وأما من فعله مُسْتَحِلًا للخروج عن أمرهما وموجبًا لطاعة أحدٍ دونهما، فهو كافر، لا شك عندنا في ذلك. (الإحكام في أصول الأحكام ـ لابن حزم ـ جـ1صـ99)

وقال الإمامُ ابن حزم أيضًا:ولو أن امرًا قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة.

 (الإحكام في أصول الأحكام ـ لابن حزم ـ جـ2صـ80)

(4) قال الإمامُ ابن عبد البَّر(رحمه الله): أُصُولُ الْعِلْمِ:الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَتَنْقَسِمُ السُّنَّةُ قِسْمَيْنِ:

 أَحَدُهُمَا: قِسْمٌ تَنْقِلُهُ الْكَافَّةُ عَنِ الْكَافَّةِ فَهَذَا مِنَ الْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ لِلْأَعْذَارِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ هُنَالِكَ خِلَافٌ وَمَنْ رَدَّ إِجْمَ‍اعَهُمْ فَقَدْ رَدَّ نَصًّا مِنْ نُصُوصِ اللَّهِ يَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ عَلَيْهِ وَإِرَاقَةُ دَمِهِ إِنْ لَمْ يَتُبْ؛ لِخُرُوجِهِ عَمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ الْعُدُولُ وَسُلُوكِهِ غَيْرَ سَبِيلِ جَمِيعِهِمْ.

الثَّانِي: قِسْمٌ مِنَ السُّنَّةِ أَخْبَارُ الْآحَادِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ الْعُدُولِ وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ مِنْهَا يُوجِبُ الْعَمَلَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ هُمُ الْحُجَّةُ وَالْقُدْوَةُ وَلِذَلِكَ مُرْسَلُ السَّالِمِ الثِّقَةِ الْعَدْلِ يُوجِبُ الْعَمَلَ أَيْضًا وَالْحُكْمَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا. (جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر جـ1صـ778 رقم: 1452)

(5) قال الإمامُ ابن تيمية (رحمه الله): مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْعُوثٌ إلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ: إنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ، فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَسُوغُ لِأَحَدِ الْخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَتِهِ وَطَاعَتِهِ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قَتْلُهُ. (مجموع فتاوى ابن تيمية جـ3صـ:422)

(6) قال الإمامُ السيوطي(رحمه الله): إنَّ مَن أنكرَ كَون حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قولًا كَانَ أَو فعلًا، بِشَرْطِهِ الْمَعْرُوف فِي الْأُصُول حجَّة، كفرَ وَخرجَ عَن دَائِرَة الْإِسْلَام وَحُشِرَ مَعَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى، أَو مَعَ من شَاءَ الله من فِرق الْكَفَرَة. (مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ـ للسيوطي صـ5)

(7) قال الإمامُ عبد العزيز بن باز (رحمه الله): مَن أنكرَ السُّنةَ فقد أنكرَ الكتاب، ومن أنكرهما أو أحدهما فهو كافرٌ بالإجماع، ولا يجوز التعامل معه وأمثاله، بل يجب هجره والتحذير من فتنته وبيان كُفره وضلاله في كل مناسبة حتى يتوب إلى الله من ذلك توبة معلنة، لقول الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 159: 160) (مجموع فتاوى ابن باز جـ2صـ403)

* * * * *

أسألُ اللهَ تعالى أن ينفعَ بهذه الرسالة إخواني الكرام، وأرجو مَنْ يقرؤها أن يدعوَ اللهَ سُبحانه لي بالتوفيقِ، والثباتِ على الحق، وحُسْنِ الخاتمة، فإن دعوةَ الأخِ المسلمِِ لأخيه بظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتجَابةٌ إن شَاءَ اللهُ تعَالى. وأختِمُ بقولِ الله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)    (الحشر: 10)     

وآخرُ دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply