مقاربة الشعائر الدينية بممارسات صحّية


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 

ممّا يشيع في الآونة الأخيرة، محاولة مقاربة الشعائر الدينية بممارسات صحّية وإيجابية حديثة، مثل تناول الصلاة بوصفها ممارسة التأمّل العلاجي في سياق الصحّة النفسية، أو مثل تناول الصيام بوصفه حِمية غذائية تشبه الصِيام المتقطّع، ونحو ذلك من المقاربات، وكأنّه الشعائر الدينية تحتاج إلى شرعية ومُبرّر كي تحظى بمقبولية ومُلائمة مع طبيعة الخطابات الشائعة في عالَم اليوم.

يقوم الدّين على مفاهيمه الخاصّة ويستخدم الإسلام مَعجمه الخاصّ به، على سبيل المثال:

لا يمكن بأيّ حال من الأحوال، أن نفهم مفهوم (الطهارة) من داخل مفهوم "النظافة  Hygiene" المتداوَل عالميًا اليوم، فالمُسلم قد يكون طاهرًا وهو غير نظيف كأحوال التيمّم مثلًا، وقد يكون نظيف 100% دونَ أن يكونَ طاهرًا.. إذا ما أغفل نيّة التطهّر على سبيل المثال.

هذا ينسحب بطبيعة الحال، على العديد من المفاهيم:

الصلاة ليست التأمّل.

الصيام ليس حمية غذائية.

الزكاة ليست ردًّا للجَميل.

الدُّعاء ليس تفريغًا عاطفيًا عن مكنونات النفس.

كلّ هذه الثنائيات تفترق في المُنطلَقات والغايات، حتّى وإن التقت في النتائج والفوائد!

أي شعيرة دّينية ينبغي أن تُفهم من خلال الدّين لا من خارجه، كما أنّ الشعيرة الدّينية تكتسب سُلطتها ومشروعيتها من جهة (الآمرية الإلهية) لا من جهة (فوائدها وعوائدها).

فالحُكم الشرعي هو خطاب الشارِع (الله) للمُكلَّفين الذين يصيرون مُلزَمين بهذا التكليف بمجرّد وصول هذا الخطاب إليهم (واستطاعتهم جسديًا) وموافقتهم على الانتماء للمنظومة الدينية التي أصدرت هذا الخطاب وقرارهم بتعريف أنفُسِهِم بأنّهم جُزء من هذه المنظومة (عن طريق نُطق الشهادتين.. في حالة الإسلام).

والعبادات كالصلاة والصيام والحج لا تُعلّل بمكاسبها الدُنيوية، وإنّما تكتسب مشروعيتها وسُلطتها كتكليف من (الآمرية الإلهية) لا من فوائدها وإن كان لها فوائد ومنافع، فالعبادات شرعها الله لعباده للتعبّد كما هو معلومٌ عند الأصوليين وأشار له الإمام الشاطبي في الموافقات: إنّ الشارع غلَّب في باب العبادات جهة التعبد، وفي باب العادات جهة الالتفات إلى المعاني، والعكس في البابين قليل.

فالصلاة تكليف لأنّها كُتبَت على المُؤمنين، والصيام تكليف لأنّه كُتبَ على المسلمين، ولا شيء أكثر ولا شيء أبعد، وإن وجدنا فوائدها وحكمها فهو زيادة في العلم وزيادة في الخير.

يُدرِك الأصوليون جيدًا أنّ هناك فرقًا بين "العلّة" و"الحكمة" وأنّ الحُكم الشرعي يدور مع العلّة حيثما حلّت، لكنّه لا يدور مع حكمته.. مثلًا قد نستنبط حِكَمًا عديدة للصلاة، قد يكون للصلاة بالفعل آثارًا نفسية وجسدية تُحاكي بعض التمارين الرياضية، لكنّ الصلاة لَم تُشرّع من أجل الحفاظ على صحّتك الجسدية، وإنّما فرضها الله وقرنها بالعلّة الزمانية (دخول الوقت) كي يتحقّق العباد من عبوديتهم عبر الطّاعة والاتّباع، ومن ثمّ تحقّق التقوى في نفس العبد.

ولهذا لا يسقط تكليف الصيام إذا عجز الصائمون عن الشعور بالفقراء، لأنّ أساس تشريع فعل الصيام كان "الأمر الإلهيّ" بأنّ مُجرّد دخول شهر رمضان يُوجِب الصيام على المُسلمين المُكلّفين، بصرف النظر عن شعورهم بالفقراء من عدمه، الشعور بالفقراء هذا أحد المعاني والأسرار المُحتملة التي يجتهد بها العلماء لتعميق معاني شعيرة الصيام لدى المسلمين، وبالطبع كلّما زادت المعاني والدروس والعبر المستقاة من أي شعيرة فإنّما هو زيادة في الخير ويُطلَب الحثّ عليه، كي يتعاظم الأجر ويتعمّق الالتزام ويتنامى النفع.

وليس ثمّة ما يعيب البحث في الحكمة من التشريعات ولا في استنباط الأسرار المحتملة لها، وقد مارس العلماء المسلمون ضروبًا من الاجتهاد لاستنباط الحِكَم والأسرار، كان أبرزها جُهد الإمام أبو حامد الغزاليّ في كتابه "إحياء علوم الدّين" وما أحسن ما قال، حين ذكر أنّ الصِيام وسيلة لتدريب الإنسان على الانضباط الذاتي وأنّ فيه استعادة لمركزية السيد في مواجهة الانفعالات والشهوات، لا أن يكون تَبَعًا لها وعبدًا خاضعًا لرغباته وما تُمليه عليه غرائزه، وهو الذي قد قال:

«فإنّ النفسَ إذا لَم تُمنَع بعض المباحات.. طَمِعَت في المحظورات».

لكن الإيمان لا يتحقّق في المرء إلّا حين يلتفت الإنسان في خطواته وفي قراراته إلى مَقولة الشرع، ومقولة الشرع في الصيام «لعلّكم تتّقون» أي أنّ الصيام مشروع لتحقيق التقوى، وكلّ صيام لا ينبني عليه ما يُحقّق لصاحبه التقوى فهو ناقص ومردود، لذا قال النبي :"مَن لَم يَدَع قَولَ الزُّورِ والعَمَل بِهِ وَالجَهْلَ فَلَيسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".

ومَن لَم يكفه مُبرّر التقوى كي تستقرّ الشعيرة في صدره وفي نفسه، فليراجع قلبه..

}ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ{

والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply