القلق التوقعي كيف يصل الإنسان الى السكينة

89
3 دقائق
28 شعبان 1447 (16-02-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

إياك نعبد وإياك نستعين: حين يرهقنا التفسير لا الحدث.

مؤخرًا انحلت لدي عُقدة كانت تؤرقني منذ سنوات، مشكلة غير مريحة لكنها صادقة وتستحق التوقف عندها بكل صدق. مشكلتنا كبشر في العادة ليست في الحياة نفسها ولا قلة الرزق ولا حتى في مشاكلنا النفسية، المشكلة في الغالب في الطريقة التي نعبدالله بها.

الإنسان لا تتعبه الحياة بذاتها بل يتعبه تفكيره العميق بها وينهكه تفسيره المستمر لها.

بشكل واعي أو لا وعي نحن نرى الله بالطريقة الخاطئة. نستعجله. نطالبه. ونحمله القلق الدائم والنتيجة؟ توتر مستمر ودائم. قال فيما يرويه عن ربه: "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء".

الطريقة الصحيحة لرؤية الله هي أن يكون مصدرًا للطمأنينة للأمان للقوة وللحكمة والخيرة وهذي الطريقة تنتج لنا قوة عظيمة تعمل على تهدئتنا داخليًا.

الطب في علم الأعصاب علمنا أن الدماغ البشري لا يتعامل مع الواقع كما هو. بحقيقته الواضحة. الدماغ يتعامل مع المعنى والتفسيرات التي نرسلها له عن أمور حياتنا اضافة لحرس الشيطان على حزن قلب المؤمن وتقنيطه وتخويفه قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾.

نحن كبشر لا نخاف من الأحداث نفسها بل نقلق من التوقعات التي تسبقها في عقولنا. على سبيل المثل نحن لا نحزن الفقد نفسه فكلنا مؤمنين بأن الموت حق وكلنا إلى الله سائرون. نحن نحزن على القصص والخيالات التي كتبناها في عقولنا.

وهنا أساس المشكلة حين نضع بشكل لا واعي الله كجزءٍ من نظام القلق داخل دماغنا فهذا يؤدي لصورة أن الله محاسب دائم وقوة تطالبنا بالكمال دائم والنتيجة على الدماغ = دخوله في حالة استنفار مزمن.

السكينة لا تأتي من وضع أهداف للسنة الجديدة ولا من قرارات كبيرة نعلنها للآخرين، السكينة تأتي عندما نرتب أفكارنا الداخلية وعقلنا اللاواعي بالطريقة الاسلامية الفطرية لا بطريقة الترند أو الهوس الاجتماعي.

السكينة تأتي عندما نرضى ونتشرب القناعة ونقدر النعم الموجودة التي اعتدنا عليها حتى نسيناها. تأتي عندما نعيش يومنا ببساطته ونستمتع بتفاصيله الصغيرة بسلام ونحمد الله بالفعل قبل الكلام.

ارتفاع هرمونات الضغط كالكورتيزول والتوتر والقلق بلا سبب واضح جميعها أعراض لا أسباب. وفي الواقع لم يكن الله يومًا مصدرًا للتهديد أو الخطر بل العكس كان مصدرًا للطمأنينة والأمان.

السكينة ليست شعورًا دينيًا فحسب بل هي حالة طبية عصبية تنشأ عندما يشعر الدماغ أن هنالك تدبيرًا أكبر منه. وأكثر الناس طمأنينة ليسوا الأكثر سيطرة بل الأكثر تسليمًا وثقة. قال الله:

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ نحن ننهك أنفسنا لأننا نعيش وكأن كل شيء بأيدينا وأننا نمتلك زمام الأمور وكأن أي خطأ يعني النهاية. ثم نتساءل بعد ذلك لماذا تتآكل صحتنا النفسية ببطء؟ ولماذا لا نشعر بالأمان ونشعر بالإرهاق؟.

طبيعة الحياة التي نعيشها أجبرتنا على صنع قيمتنا بأشياء واهية كالهوس بالترند ومعايير الجمال المزيفة وكل هذي محاولات بائسة وفاشلة لخلق قيمة اجتماعية.

تعلمنا في الطب أن الدماغ لا يهدأ بالقبول الاجتماعي ولا بالتصفيق بل يهدأ بالثقة والسكينة. وهنا النقطة التي نهرب منها جميعًا ولا يحب أي أحد مننا سماعها:

*حياتنا لن تصلح أبدًا إن لم نُصلح علاقتنا مع الله*.

والمقصود هنا أن العلاقة ليست طقوس عابرة أو خوف بل شعور مركزي في العقل اللاواعي تعدل رؤيتنا عن الله وتنظم أفكارنا حول الحياة ورؤيتنا للعالم.

قيل لنا كثيرًا حب نفسك. قدم نفسك. دلل نفسك. اختر نفسك. لكن لم يقل لنا أحدًا أن حب النفس: تربيتها! قال :"الكَيِّسُ من دانَ نفسَهُ، وعملَ لما بعدَ الموت".

أن تحب نفسك يعني أن تتوقف عن تحميلها مالا تطيق. أن تحب نفسك يعني أن تراقبها وتُعيد تربيتها … أن تحب نفسك يعني أن تحسن الظن بالله دائما وأبدًا وأن تتلم الخيرة في كل أمر.

أن تحب نفسك يعني أن تعمل وتسعى وتترك النتائج على الله. أن تحب نفسك يعني أن تعلمها أن الغيب مساحة آمنة لدى لطيفٍ خبير.

علم النفس يسمي هذا مركزًا للتحكم ودين الله يسميه التوكل والنتيجة واحدة. أن يكون الدماغ أهدأ وأن يغمر الأمان القلب وتكون الحياة أخف.

نحن لا نحتاج بدايات كبيرة أو جديدة ولا لسنوات مديدة أو قرارات صاخبة في النهاية كل دقيقة تمر هي جزء من أعمارنا لن يرجع وكل يوم يقربنا من أقدارنا أسرع

في النهاية: قال رسول الله : "يا غلامُ، إنِّي أُعَلِّمُكَ كلماتٍ، احفظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احفظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استَعَنْتَ فاستَعِنْ باللهِ، واعلم أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعت على أن ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوك إلَّا بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يضروكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليكَ، جَفَّتِ الأقلامُ، ورُفِعَتِ الصُّحُفُ".

أعد طريقة تفكيرك اللاواعي وعش حياتك بهدوء وثقة أعمق وحسن ظن بالله أكبر.

ليس لأن الحياة سهلة أو جميلة بل لأن الله مقدر لك كل أمر بأفضل صورة وأجمل دقة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق