الذوق الاصطناعي

2 دقائق
13 محرم 1448 (29-06-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

الذوق الاصطناعي - أحمد الجهني

سُئل عبد الرحمن بن مهدي — وهو من أئمّة نقد الحديث في القرن الثاني — كيف يميّز الكذّاب من الصادق في روايته؟

فأجاب جوابًا عجيبا: «كما يعرف الطبيبُ المجنونَ»، وقال عنه معاصروه: «علمُ عبد الرحمن في الحديث كالسِّحر».

لم يَسُق ابن مهدي قاعدةً تُحفَظ، بل ردَّ الأمرَ إلى مَلَكةٍ راسخةٍ في نفسه، تميّز الصوابَ من الخطأ قبل إن يقيم عليه برهانًا يُنطَق به. وهذا هو ما سمّاه الأقدمون «الذوق العلمي».

ثم تعاقب العلماءُ على تقرير هذا المعنى في الفنون كلِّها. فقرّر الغزالي في «المستصفى» إن درجات المناسبة في القياس لا تنضبط بقاعدة، بل «لكلِّ مسألةٍ ذوقٌ آخر»، وردَّ ابنُ رشد الحفيد التمييزَ بين الأقيسة إلى «الذوق العقلي، كما يُدرَك الموزون من الكلام من غير الموزون». ثمّ جرى ابنُ قدامة في «روضة الناظر» على عبارة شيخه الغزالي، وقعَّد ابنُ الصلاح هذا المعنى في علم الحديث فجعل معرفة العلل «من أجلِّ علوم الحديث وأدقِّها»، لا يضطلع بها إلّا أهلُ الحفظ والخبرة.

وجاء ابنُ تيمية فنقل المعنى نفسه إلى نقد الحديث في عبارةٍ محكمة، فقال: «ولكلِّ حديثٍ ذوقٌ، ويختصُ بنظرٍ ليس للآخر»، وعقد القزوينيُّ في «الإيضاح» بابًا جعل فيه «الذوقَ هو الحَكَم في أمور البلاغة».

فاجتمعت كلمةُ هؤلاء — على تباعد أعصارهم وافتراق فنونهم — على معنًى واحد: إن ما دقَّ من العلوم يُدرَك بالمَلَكة، ولا يُحاط بتقعيد القواعد.

وهنا يظهر وجه المفارقة مع أدوات الذكاء الاصطناعي.

تقوم هذه النماذج على إحصاء الأنماط واستخراج الاحتمالات من ملايين النصوص، فهي تُحسن ما يُقعَّد ويُنمَّط، وتلتقط القاعدةَ الظاهرة فتعيد إنتاجها على نحوٍ بارع.

بل بلغت في محاكاة الذوق مبلغًا مدهشًا، فتميّز جودة الحجّة وسلامةَ الاستدلال ورصانةَ الأسلوب، حتى توافق أحكامُها أحيانًا أحكامَ الخبراء، غير إن هذه الإصابةَ تبقى التقاطًا للنمط الغالب، فترى النموذج يصيب في مئات المواضع، ثمّ يزلّ في مسألةٍ نادرةٍ زلّةً لا يفسّرها مقدارُ ما أظهره من معرفة؛ لا لأنّه عجز عن المعلومة، بل لأنّه فقد الحاسّةَ التي تشمّ الخطأ من بُعد.

وقد يُقال: إذا كان الذوق ثمرةَ تراكمِ آلاف الحالات والخبرات، فلِمَ لا ينشأ نظيرٌ له في نموذجٍ تدرّب على مليارات الأمثلة؟ وهذا اعتراضٌ في محلّه، فالنماذج تتقدّم تقدّمًا مذهلًا في كلِّ ما يقبل التنميط، وليس ببعيدٍ إن تحاكي مخرجاتِ الذوق محاكاةً يعجز الناقدُ عن تمييزها، بيدَ إن الذوق ثمرةُ تراكمٍ طويلٍ من الخبرة والممارسة، يصعب اختزالُه في قواعد صريحةٍ أو خطواتٍ محدّدة؛ فالنموذج يحاكي آثارَه ونتائجَه، لكنّ مرجعه الأخير يظلّ الأنماطَ التي تعلّمها، لا خبرةً ذاتيّةً مستقلّة، فإذا واجه ما يخرج عن تلك الأنماط ظهرت حدود المحاكاة، وعاد السؤالُ من جديد: أهي مَلَكةٌ حقيقيّةٌ أم صورةٌ متقنةٌ لها؟

ولهذا يبقى الخبيرُ الإنسانيُّ هو الفيصلَ في المواضع الدقيقة: في تعليل الحديث، وفي نقد النصّ الأدبيّ، وفي تحرير المسألة الفقهيّة العويصة، فالأداةُ تُعينُه على الجمع والترتيب والمسح السريع، أمّا الحُكمُ الأخير فمردُّه إلى ذوقٍ لا يملكه إلّا من طالت ممارستُه وصدقت تجربتُه.

عرَف ابنُ مهدي الكذّابَ كما يعرف الطبيبُ المجنونَ، بحاسّةٍ لا ببرهان، وتعاقب العلماءُ بعده على تقرير هذه الحاسّة في فنونٍ شتّى.

وحين يخطئ النموذجُ ثمّ يُنبَّه إلى خطئه فيقرّ به قائلًا: «أعتذر، فقد أخطأت»، يبقى السؤالُ معلّقًا: أأدرك موضعَ زلّته حقًّا كما يدركها الخبير، أم ردَّ عبارةَ اعتذارٍ حفظها كما يحفظ سائر الأنماط؟

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق