وهم بها

2 دقائق
13 محرم 1448 (29-06-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

وهم بها - إبراهيم رفيق الطويل

لم يكن الهمُّ خطيئة. لكنَّه كان صراع الفطرة، أتعجَّب ممَّن يتحاشى هذا الموطن من القصَّة، وهو معقد العظمة! !
لم يثبت القرآن هذا (الهمَّ) لنقفز عنه، أو لنهرب منه وكأنَّنا نتكلَّم عن عيب ينبغي دفنه، بل لنقف هُنيّهَة، لندخل في قلب الفتى في لقطة تحبس الأنفاس، لحظة اتِّخاذ القرار. وما أصعبها من لحظة! !
نعم. ما كان للعبرة إن تكتمل لو فقد فيها معنى الإنسان، ما كان للمشهد إن يكون عظيمًا لو كانت لحظة ملائكيَّة خالية من المشاعر والأحاسيس البشريَّة والطَّبائع النَّفسيَّة.
فهناك غرائز طبعت، وجبلَّات استحكمت لا يمكن تخطِّيها هي محكُّ البلاء، وموطن الفتنة، وطبيعة الحياة (من ذكر وأنثى).
إن هذا الهمَّ -أيُّها السَّادة- لم يُسقط يوسف بل زاده رفعة حين تخطَّاه، حين أحسن التَّعامل معه سريعًا ولم يقف عنده كثيرًا، واستطاع النَّجاة من حبائله بمعيَّة الله له.

لكنَّ السُّؤال:
يوسف في عنفوانه وشبابه، والمرأة في قمَّةِ الحُسن ودلاله، والسَّاحة خالية، والعذر حاضر، والعقاب مأمون، أنت في بيت العزيز. فما الَّذي يمنعك؟
والجواب: لَوْلَا إن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ. هنا مربط الفرس!!

لاحت له الحجج وظهرت له البراهين في الوقت المناسب. وما أصعب تلَمُّح العواقب، وطيّ العنان، وصرف النَّفس عند اقتراب الأبدان وخفقان القلوب وتوقان النَّفس وما بقي إلَّا الإقدام
فعلًا. ليس الشَّأن إن تبصر العواقب بعد انقضاء اللَّذّة فالكلُّ يبصرها، لكنَّ الشَّأن إن تراها وهي تلوح لك من بعيد قبل إن تهوي في مكان سحيق، وهي تقول لك لا تقترب من الحِمى. لا تهتك السِّتر ولا تَفضَّ الخاتم إلّا بحقِّه.

وما زال الذِّهن يجول: كيف استطاع يوسف استحضار برهان ربِّه قبل إن تزلَّ القدم، ويصعب التَّدارك، ويُدفع الثَّمن؟!
ليست القضيَّة هي النُّبوَّة وإلَّا فات موطن القدوة. إنَّه أمر في وسع اليد ولا بدَّ معه من اصطفاء الرَّبِّ. ولكن ما هو؟!
لعلَّها تربية الأب الصالح، وعبوديَّة الشَّابِّ المؤمن الَّتي سبقت هذا المشهد وكانت عُدَّته. إنَّه من عبادنا المخلِصين -بكسر اللَّام في قراءة-.

ما أجمل يوسف وهو:
يصارع. وَهَمَّ بِهَا
ويسارع. واستبقا الباب
ويدافع. هي راودتني عن نفس
ويرافع. فاسأله ما بال النِّسوة اللَّاتي قطَّعن أيديهنَّ
ويوادع. وما أبرِّئ نفسي إن النَّفس لأمَّارة بالسُّوء

علَّمني يوسف: إن أعدَّ للبلاء عدَّته، وللفتن أقرانها.
علَّمني يوسف: إن أذكر نعم الرَّبِّ وسالف فضله عليَّ لأستحي من معصيته إنَّه ربِّي أحسن مثواي.
علّمني يوسف: إن الخلوة فتنة، وظنَّ العصمة وهم، وصلاح المرء لا يعني زوال (الهمِّ)، فنحن بشر، لكنَّ العبرة بمن يستبقُ الباب ويهرب من مواطن المعصية.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق