بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
اتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ مَا يُعْنَى بِهِ الْإِنْسَانُ لَيْسَ ظَاهِرَ جَسَدِهِ، وَلَا كَثْرَةَ قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا سَلَامَةُ قَلْبِهِ؛ فَإِنْ صَلَحَ الْقَلْبُ صَلَحَ الْعَمَلُ، وَإِنِ اسْتَقَامَ الْبَاطِنُ اسْتَوَتِ الْجَوَارِحُ.
وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِنَا أَنْ سَاقَ لَنَا فِي كِتَابِهِ حِكَمًا لَا يَحُدُّهَا زَمَانٌ، وَلَا يُقَيِّدُهَا مَكَانٌ، وَمِنْ أَبْلَغِهَا وَأَجْمَعِهَا وَصَايَا لُقْمَانَ الْحَكِيمِ لِابْنِهِ، وَهِيَ وَصَايَا لَوْ وُزِّعَتْ عَلَى الْقُلُوبِ لَأَغْنَتْهَا، وَلَوْ عُمِلَ بِهَا فِي الْمُجْتَمَعَاتِ لَأَصْلَحَتْهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
تَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ هَذَا النِّدَاءَ الْعَجِيبَ: ﴿يَا بُنَيَّ﴾، كَلِمَةٌ قَصِيرَةٌ، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا دِفْءَ الْأُبُوَّةِ، وَحِكْمَةَ التَّرْبِيَةِ، وَدَلَالَةً عَمِيقَةً عَلَى أَنَّ النَّصِيحَةَ إِذَا خَلَتْ مِنَ الرَّحْمَةِ قَسَتْ، وَإِذَا لَبِسَتْ ثَوْبَ الشِّدَّةِ وَحْدَهُ انْكَسَرَتْ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ.
ثُمَّ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ الْأُولَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، وَلَمْ يَقُلْ: صَلِّ، بَلْ قَالَ: أَقِمْ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ حَرَكَاتٍ تُؤَدَّى، بَلْ حَيَاةٌ تُقَامُ، وَسُلُوكٌ يُسْتَدَامُ، فَمَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ أَقَامَ فِي قَلْبِهِ مِيزَانَ الْمُرَاقَبَةِ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا تَهَدَّمَتْ فِي دَاخِلِهِ أَعْمِدَةُ الِاسْتِقَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، لِأَنَّ الْإِيمَانَ الْحَقَّ لَا يَكْتَفِي بِصَلَاحِ صَاحِبِهِ، بَلْ يَتَعَدَّى أَثَرُهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَالْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُجْتَمَعِ، وَصَلَاحُهُ الْفَرْدِيُّ لَا يُعْفِيهِ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ الْجَمَاعِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ الْحِكْمَةَ هُنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ لَا يَكُونُ صَادِقًا إِلَّا إِذَا سَبَقَهُ مَعْرُوفٌ فِي النَّفْسِ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا إِلَّا إِذَا صَاحَبَهُ خُلُقٌ وَحِلْمٌ وَبَصِيرَةٌ.
ثُمَّ جَاءَتِ الْوَصِيَّةُ الَّتِي تُغَرْبِلُ الصَّادِقِينَ مِنَ الْمُتَعَجِّلِينَ: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾، لِأَنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ مَحْفُوفٌ بِالْأَذَى، وَلِأَنَّ الدَّعْوَةَ بِلَا صَبْرٍ كَزَرْعٍ بِلَا جُذُورٍ، وَلِأَنَّ مَنِ اسْتَعْجَلَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أَوَانِهَا قَطَعَ الشَّجَرَةَ مِنْ أَصْلِهَا.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، أَيْ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَحْمِلُهَا إِلَّا مَنْ رَبَطَ قَلْبَهُ بِاللَّهِ، وَشَدَّ عَزِيمَتَهُ بِالْيَقِينِ، فَالْعَزِيمَةُ لَا تُسْتَمَدُّ مِنَ الْقُوَّةِ، بَلْ مِنَ الثَّبَاتِ.
عِبَادَ اللَّهِ،
تِلْكُمْ وَصَايَا لَوْ وَعَتْهَا الْقُلُوبُ قَبْلَ الْآذَانِ، لَاسْتَقَامَتِ الْجَوَارِحُ قَبْلَ الْأَلْسِنَةِ، فَهِيَ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ تُتْلَى، بَلْ عُهُودٌ تُحْمَلُ، وَلَا مَوَاعِظَ تُسْمَعُ، بَلْ مَسْؤُولِيَّاتٌ تُعَاشُ.
فَأَقِيمُوا صِلَتَكُمْ بِرَبِّكُمْ قَبْلَ أَنْ تَطْلُبُوا صَلَاحَ دُنْيَاكُمْ، وَزَكُّوا قُلُوبَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُقَوِّمُوا غَيْرَكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ.
حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَعْمَالَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنَ عَلَيْكُمْ، وَاسْتَعِدُّوا لِيَوْمٍ تُعْرَضُ فِيهِ السَّرَائِرُ، وَتَنْكَشِفُ فِيهِ النِّيَّاتُ، وَيَقِفُ الْمَرْءُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَرْدًا لَا يَحْمِلُ إِلَّا مَا قَدَّمَ.
ثُمَّ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ حَيَاةٌ لِلْقُلُوبِ، وَجَلَاءٌ لِلذُّنُوبِ، وَفَتْحٌ لِأَبْوَابِ التَّوْفِيقِ.
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
عِبَادَ اللَّهِ:
بَعْدَ أَنْ أَصْلَحَ لُقْمَانُ أَسَاسَ الْإِيمَانِ، انْتَقَلَ إِلَى تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إِذَا لَمْ تُثْمِرْ خُلُقًا، كَانَتْ جَسَدًا بِلَا رُوحٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، أَيْ لَا تُمِلْ وَجْهَكَ تَكَبُّرًا، وَلَا تُظْهِرْ احْتِقَارًا، فَإِنَّ الْكِبْرَ يَبْدَأُ خَفِيًّا فِي الْقَلْبِ، ثُمَّ يَظْهَرُ جَلِيًّا فِي السُّلُوكِ. وَرُبَّ مُتَوَاضِعٍ فِي قَوْلِهِ، مُتَعَالٍ فِي نَظْرَتِهِ، وَرُبَّ خَافِضٍ لِصَوْتِهِ، رَافِعٍ لِنَفْسِهِ فِي قَلْبِهِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، لِأَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي نَمْشِي عَلَيْهَا سَتَضُمُّنَا يَوْمًا مَا، وَمَنْ تَذَكَّرَ نِهَايَتَهُ، رَقَّ مَشْيُهُ، وَلَانَ طَبْعُهُ، وَسَكَنَ فُؤَادُهُ. مَا طَغَى مُتَبَخْتِرٌ إِلَّا نَسِيَ ضَعْفَهُ، وَمَا تَكَبَّرَ عَبْدٌ إِلَّا جَهِلَ قَدْرَ نَفْسِهِ.
ثُمَّ جَاءَ الْمِيزَانُ الدَّقِيقُ لِلسُّلُوكِ الْيَوْمِيِّ: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾، لَا إِسْرَاعَ يُفْضِي إِلَى طَيْشٍ، وَلَا تَبَاطُؤَ يَدُلُّ عَلَى كَسَلٍ، فَالِاعْتِدَالُ خُلُقُ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْعَدْلِ مَعَ النَّفْسِ.
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، فَإِنَّ الصَّوْتَ الْمُرْتَفِعَ غَالِبًا دَلِيلُ فَرَاغٍ دَاخِلِيٍّ، وَالْوَقَارُ لَا يُسْمَعُ، وَلَكِنَّهُ يُحَسُّ. وَالسَّكِينَةُ خِطَابٌ صَامِتٌ يَفْهَمُهُ الْعُقَلَاءُ دُونَ ضَجِيجٍ.
ثُمَّ جَاءَ التَّشْبِيهُ الْقَاطِعُ: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾، لِيُغْلِقَ بَابَ التَّبْرِيرِ أَمَامَ الْفَظَاظَةِ، وَيُؤَكِّدَ أَنَّ الْجَمَالَ فِي الْخُلُقِ، لَا فِي الصُّرَاخِ، وَأَنَّ رِفْعَةَ الْإِنْسَانِ فِي سُمُوِّ أَدَبِهِ، لَا فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ.
عِبَادَ اللَّهِ هَذِهِ الْوَصَايَا تُعَلِّمُنَا أَنَّ:
• الْعِبَادَةَ الَّتِي لَا تُهَذِّبُ صَاحِبَهَا نَاقِصَةُ الْأَثَرِ.
• وَالتَّوَاضُعَ الَّذِي لَا يَصْدُرُ مِنْ قَلْبٍ صَادِقٍ تَكَلُّفٌ.
• وَالْوَقَارَ لَيْسَ هَيْئَةً مُصْطَنَعَةً، بَلْ طُمَأْنِينَةٌ نَابِعَةٌ مِنْ يَقِينٍ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا قُلُوبًا عَامِرَةً بِحُبِّكَ، وَأَلْسِنَةً صَادِقَةً بِذِكْرِكَ، وَأَخْلَاقًا زَكِيَّةً تَهْدِي وَلَا تُنَفِّرُ، وَتَجْمَعُ وَلَا تُفَرِّقُ.