فوائد من درس دلائل الإعجاز 72

95
6 دقائق
28 شعبان 1447 (16-02-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف.

يوم الأحد: 9 جمادى الآخرة 1447ه الموافق لـ 30 من نوفمبر 2025م:

• القِسمُ الذي نقرؤه في كلام الشيخ في «دلائل الإعجاز» معانٍ قريبةٌ جدًّا، ومعانٍ واضحةٌ، وكأنه يُحدِّث الإنسانَ عن نشأة البيان فيه، ونشأة اللغة فيه، وعمَّا يفعله الإنسانُ في الكلمات، وعمَّا يَعملُه الإنسانُ في اللغة، من غير أن يَسمع كلامَ عبد القاهر.

• مخاطبًا حضور الدرس، قال شيخُنا: فكَّرتُ أن أتركَ هذا القِسمَ لكم لتختبروا أنفسَكم في الفَهْم مِن غير شرح؛ لأن المطلوبَ من الذي يشرح كتابًا أن يُعلِّم طلابَ العلم كيف يَستقلُّون في فَهْم الكُتب.

• الأستاذ يشرح الكتابَ ليُعلِّم الطالبَ كيف يَفهم وحدَه، أي: يُرافِقُه في الفَهْم حتى يُدرِّبَه على الطريق الذي يَفهم به الكتابَ وحدَه.

• الشيخ عبد القاهر يقف عند أشياء معلومة جدًّا جدًّا؛ مثلَ أنَّ الخبرَ إثباتٌ ونفي، وأن الإثباتَ يَقتضي مثبَتًا ومثبَتًا له، وأن النَّفيَ يُوجِب منفيًّا ومنفيًّا عنه، وأن الإثباتَ والنَّفيَ كلاهما خبر، وأن الخبر معنى، وأن الخبر لا بُدَّ له من مُخبِر، وأنه في الخبر لا بد من مُخبَر عنه ومُخبَر به ومُخبِر، وأنه في النَّفي لا بُدَّ من مَنفيٍّ ومَنفيٍّ عنه ونافٍ. وكلُّ هذه أمورٌ لو فكَّرتَ فيها لوجدتَ أنك لستَ في حاجة إلى أستاذ يُعلِّمك إيَّاها.

• عبد القاهر يَسوق مسائلَ ظاهرة، لكنَّ الدقَّة الفكريةَ والعملَ العقليَّ فيها هو الذي يَجعلني أحرص على أن أتعلَّمها وأن أُعلِّمها.

• تعليقًا على قول الإمام عبد القاهر: «أنه لا تَتبيَّن لك صورةُ المعنى الذي هو معنى الفرزدق إلَّا عند آخر حرفٍ من البيت»، قال شيخُنا: عبد القاهر يقول لك إن حُسنَ الكلام قد يتوقَّف ليس على آخر كلمة فيه، وإنما على آخر حرفٍ فيه؛ فتنبَّهْ لهذا، واجعل عقلَك يدور مع الكلام وهو يبحث عن مواطنِ حُسْنِه، فقد يَجِدُ موطن حُسن البيت من أوَّله إلى آخره في الحرف الأخير. عبد القاهر يُعلِّمنا كيف نُحلِّل، وكيف نتذوَّق، وكيف نَفهم الكلام.

• حِفظُ الشِّعر والتدبُّر في الشِّعر هو الأرض الخِصْبة التي نَبتَ فيها عِلمُ العلماء.

• أكثَرْنا من قراءة كلام العلماء ولم نُكثِر من قراءة الشعر، وعِشْنا على كلام العلماء، ولو رَجَعْنا إلى الشِّعر لعِشْنا بكلام العلماء ولأضفْنا إلى كلام العلماء ونَمَت المعرفة.

• المعرفة نَبتتْ في وادي الشِّعر، ونحن تركنا الوادي وأخذنا الشواهد فقط؛ فلم نُضف إلى المعرفة أرضًا جديدة.

• حين يسألني باحثٌ يبحث في مَراثي شاعر أقول له: مِن أجل أن تَفهم مَراثيَ المتنبِّي لا بُدَّ أن تقرأ المَراثيَ التي قَبْل المتنبِّي؛ حتى تَتبيَّن شيئًا قاله المتنبِّي في المَراثي ولم يَقلْه أحدٌ قبلَه، أو تَتبيَّن شيئًا قاله الناس في المَراثي قبل المتنبِّي ولم يَقلْه المتنبِّي.

• تَعلَّموا الشِّعر من الشِّعر، وتَعلَّموا الإعجازَ من الإعجاز، وتَعلَّموا البيانَ من البيان.

• لا تعيشوا الذي عِشتُ عليه والذي عاش عليه جيلي؛ نحن عِشْنا على كلام العلماء، وهذا جيدٌ وجيدٌ جدًّا، لكنْ كان الواجبُ أن نَعيش على ما عاش عليه العلماء، وعبدُ القاهر ما كتب لنا هذا إلا لأنه عاش مع الشِّعر فألهمه الشِّعرُ، ولو لم يَعِشْ مع الشِّعر ما أخرج لنا ما كَتبه.

• تعليقًا على قول بشار:

كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِنَا *** وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُهْ

قال شيخُنا: «بشَّار» غَلَب على هذا المعنى، أي: لم يأتِ أحدٌ بعد «بشَّار» في هذا المعنى بأفضلَ مما جاء به «بشَّار»، وهذا جيدٌ جدًّا؛ لأن هذه القضية استُغلِّت في الإعجاز؛ فبعضُ المشكِّكين في الإعجاز قالوا إن من الشِّعْر ما أبان عن مَعانٍ يَستحيل أن يوجد شاعرٌ يُبِين في هذا المعنى بأفضلَ مما جاء به، وذكروا الأبياتَ التي وُصِفتْ بأن أصحابَها غَلبوا عليها، ومنها هذا البيت، وقالوا: «اعتبِروا القرآنَ كلَّه مِن مِثْل: كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ»، وقد رُدَّ على هذا الكلام، وسوف نتكلَّم عنه في «الرِّسالة الشَّافية» التي عَرضَتْ لهذا الكلام.

• من طريقة عبد القاهر العجيبة في التفكير أنه أحيانًا يتكلم في ذِروة فكرة جليلة لا يَنهضُ إليها إلا كبارُ العلماء، ثم تراه بعد سطورٍ يَرجع إلى أوَّليات التفكير الإنساني في البيان.

• تعليقًا على قول الإمام عبد القاهر: «وأن العِلمَ بإيجابها ذلك ثابتٌ في العقول، ومركوزٌ في غرائز النُّفوس»، قال شيخُنا: هذه الجملة الأخيرة مهمةٌ جدًّا، يا سيدنا أنت تُعلِّمني علمًا ليس في الأوراق ولا في أفواه العلماء، وإنما أنت تُحيلني على ما رَكَزه الله في طبعي، جيدٌ جدًّا أن نُعلِّم أبناءنا العلمَ الذي ليس في الكتب والذي ليس في أفواه العلماء، وإنما العلم الذي رَكَزه الله في طِباعهم. هذا يُنشِّئ جيلًا آخر.

• كانت أُمَّتنا خيرَ أمَّة أُخرجَتْ للناس لأنها تَدِينُ على الفطرة التي فطر الله الناسَ عليها.

• حين أجد كلمة «مركوز في غرائز النُّفوس»، وأفهم أن هذا موجودٌ في كل لغة وفي كل أمَّة وفي كل جِنس، أشعر أن الثقافةَ توحِّد الناس، وتُقرِّب الإنسان، وتنزع الضَّغائن من النُّفوس؛ لأنها تُحدِّثني عن أن الشَّاكلةَ التي شكَّلني الله عليها هي شاكلتُك التي شكَّلك الله عليها، وأن الفطرة التي أنا عليها هي الفطرةُ التي أنت عليها والتي كلُّ ولدِ آدم عليها.

• تعليقًا على عبارة صُدِّرت بها الصفحة رقم (539)، ونَصُّها: «هذا ممَّا نُقِل من مُسوَّدتِه بخطِّه بعد وفاته رحمه الله»، قال شيخُنا: لاحِظْ أن هذا الذي نُقِل من المسوَّدات أجد فيه غموضًا أحيانًا وتكرارًا كثيرًا أحيانًا؛ لأنها صفحاتٌ كَتبَها على أن يُراجِعَها، وأن يُثْبِتَها في مواضِعها من الكتاب، فعاجَله الموت؛ لذا أنا أستحيي من نفسي: لقد ظلَّ القلمُ في يده يَكتب للأمَّة ما يَنفعُها حتى جاءه الموت، وهذا أجد فيه حبًّا شديدًا من علماء الأمَّة لهذه الأمَّة، وأنهم ما كانوا يفعلون ما يفعلون ليُثنيَ عليهم حاكم، أو ليُقرِّبَهم حاكم، أو ليَذكرَهم الناس، وإنما كانوا أكبرَ وأجلَّ من كل ذلك؛ لأنهم كانوا يفعلون ما يفعلون لمرضاة الله عزَّ وجلَّ.

• أنْ تَفعلَ ما تَفعلُ لمرضاة الله سيكون لفِعْلك حلاوةٌ لا يمكن أن تجد شيئًا منها إن كنتَ تريد أن تَفعلَ لتُذكرَ، أو إن كنتَ تريد أن تَفعلَ ليرضى عنك من يرضى. فرقٌ شاسعٌ جدًّا بين حلاوة ابتغاء وجه الله وحلاوة ابتغاء غير وجه الله سبحانه وتعالى.

• تدبُّرًا لقوله تعالى: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتَمْ»، قال شيخُنا: أفكِّر في هذه الآية وفي الواجب علينا، إذا كان هو الذي على العرش استوى، وله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى = معي أنا، ومعك أنت يا زيدَ بن عمرو، فما الواجبُ عليَّ! الواجبُ عليَّ أن أكونَ أنا معه، ومِن سُوء الأدب أن يكون معنا ولا نكون معه.

• {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتَمْ} تفكَّرتُ فيها فوجدتُ لها صِلةً بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "أن تَعبدالله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وما دام معك وأنت معه فكأنك تراه، ولذلك هذه الفكرةُ فتحتْ لي أسلوبَ الخطاب في المصحف، الذي هو خطابي لربِّي؛ لأني أقرأ في القرآن: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، فكأن أسلوبَ الخطاب في القرآن ليُعِينَك على أن تَعبدالله كأنك تراه.

• أَذِنَ الله لك يا زيدَ بن عمرو أن تُخاطِبَه، أن تقول له: «أنعمتَ، اهْدِنا، اغفر لنا»، وأَذِنَ لي وأنا مُلوَّثٌ بالمعصية أن أكون في حضرته، وأنا مستحيلٌ أن أقولَ له: «اغفرْ لي»، ولولا أنه قال: {استغفروني} ما استغفرتُه؛ حياءً منه؛ لأني أبوء بنعمته وأبوء بذنبي، وأنا خَسِيسٌ حين أبوء بنعمة الله؛ لأن الخَسِيسَ فينا هو الذي لا يَذكُر صنائعَ الناس له، فكيف بنِعَمِ الله عليك ثم بعد ذلك تَعْصِيه.

• تفكَّرتُ في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} وفي بنائها على أسلوب القَصْر، وأن الله تعالى خلقَهم ليَعبدُوه مع أنهم يَزرعون ويُتاجرون. إلخ، نَعم، الله يفتح بابًا ليصيرَ كلُّ ما يزاولونه في حياتهم؛ ممَّا هو لدِينهم ولدنياهم، هو من باب العبادة، ولذلك قال القرطبيُّ الرائع: النِّياتُ الطيِّباتُ تُحوِّل المُباحاتِ إلى طاعات.

• عبد القاهر أنهى «دلائل الإعجاز» ولم يبدأ كتابةَ كتابٍ جديدٍ؛ لأنه استشعر أنه في نهاية العُمر، فراجَعَ الكتابَ الأول، فكتب مُسوَّداتٍ فيها مسائل. أين نحن يا مولانا؟! آخرُ نَفَسٍ لك في دُنياك يجب أن يكون لصالح هذه الأمَّة التي هي خيرُ أمَّة أُخرِجتْ للناس.

• تعليقًا على الفقرة رقم (634)، قال شيخُنا: ما دامت ألفاظُ اللغة لم تُوضَع لتُعلِّمَنا معانِيَها فلماذا وُضِعتْ؟ يقول لك الذكيُّ الرائعُ (عبدُ القاهر) إنها وُضِعتْ ليُضمَّ بعضُها إلى بعض، فيُفيدَ هذا الضمُّ معنًى أراده المتكلِّم في نفسه، فلا تَفهم اللغةَ إلا من هذا الباب، وهو أنها للإبانة عن معاني النفوس، وأن هذه الإبانةَ لن تكون ولا يُعقل أن تكون إلا إذا أُضِيفَ بعضُها إلى بعض.

• سأعرِّفك (أ) وأتركك تَعْرف (ب)، ولا تقل لي: علِّمني (ب) كما علَّمتني (أ). يا سيدنا، أنا عرَّفتُك (أ) فاعْرِف أنت (ب)، ولا تَنتظرْ لأعلِّمك؛ لأنك إذا انتظرتَ تكون قد ألغيتَ وجودَك؛ لأن وُجودَك كإنسان هو أن يُعلِّمك الناسُ واحدة، وأن تتعلَّم أنت واحدةً وواحدةً.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


أضف تعليق