فوائد من درس دلائل الإعجاز 73

73
7 دقائق
28 شعبان 1447 (16-02-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف.

يوم الأحد: 23 جمادى الآخرة 1447ه الموافق لـ 14 من ديسمبر 2025م:

• الشيءُ الجليلُ الذي لم أُشْبِعْه في عَرضي هو دقائقُ التفكير التي نحن في حاجة إلى أن نتعلَّمها.

• المعلومات جيدةٌ جدًّا، وتحصيلُها سهلٌ، لكنَّ العقلَ الذي وراء هذه الدَّقائق هو الذي نرجو من الله أن يَهبَنا شيئًا منه.

• عبد القاهر في هذا الكتاب وفي ما أضافه إليه كان يُعلِّم الناس كيف يفكرون، وما أجلَّ العالِمَ إذا جَعلَ مِن تعليمِه العلمَ تعليمَ أجياله كيف تفكِّر.

• قد تُحصِّل العلمَ ولكنك لا تتعلَّم كيف تفكِّر، وإذا تعلَّمتَ كيف تفكِّر لم تُحصِّل العلمَ فحسب، وإنما ستُنتج العلمَ.

• المطلوبُ هو تعليمُ الجيل العلمَ، وتعليمُ الجيل كيف يَصنع العلمَ.

• إذا لم أُعلِّمْ أجيالي كيف يَصنعون المعرفة أكون قد خرَّجتُ أجيالًا تعيش عالةً على الذين يَصنعون المعرفة، وهذا هو ما نحن فيه، وهذا هو التخلُّف.

• صدِّقوني، أنا أحيانًا أقف عند انتقال عبد القاهر مِن فكرةٍ إلى فكرةٍ أكثرَ مِن وقوفي عند الفكرة نفسِها.

• الذي في المُعجَم ليس كلامًا، وإنما هو ألفاظُ لغةٍ تُتيح لي أنا أيها الإنسانُ أن أضمَّ بعضَها إلى بعض، وأن أفيد معاني، هذه المعاني أصلُها عندي أنا، وأنت تَسمعُها، ولك أن تقبلَها ولك أن ترفضها؛ لأن دلالةَ اللغة ليست دلالةً حتميةً، هي دلالةٌ على رؤية الإنسان وعلى حُكم الإنسان.

• كلُّ الذي تَسمعُه مني هو ما رأيتُه أنا، حتى لو كان من كلام العلماء: حين تَسمعُ مني شيئًا عن «الآمدي» فاعلمْ أني أُحدِّثك عن فَهْمي ل«الآمدي» وليس عن «الآمدي»، ولذلك كان كلامي عن «الآمدي» يمكن أن يكون صوابًا ويمكن أن يكون خطًا، واللهُ خلقَ كلَّ ذلك ليقول لك: لا بدَّ لعقلك أن يتدبَّر كلَّ ما يَسمع، ولا يخدعنَّك أن فلانًا عالم؛ لأن كلَّ واحدٍ يؤخَذ من كلامه ويُترك، إلا سيدنا رسول الله فيما أوحاه الله إليه.

• المستبِّدون يُلزمون العقولَ بأن تُصدِّق ما يقولون، ويُحاكمون من يقول غيرَ ما يقولون. هذا قَتلٌ للإنسان، هذا ليس خطًا في السياسة، هذا تدميرٌ لبنية الإنسان؛ لأن بِنية الإنسان هي أن يَسمع، وأن يرى رأيًا فيما سَمِع، وأن يتدبَّر، وأن يَقبل، وأن يَرفُض.

• كلُّ ما يَحول بيني وبين أن أقبلَ أو أرفضَ هو تدميرٌ لذات نفسي، خصوصًا إذا كان في يده سَيفٌ ويُلزمني إلزامًا بأن أقولَ: «سَمِعْنا وأطَعْنا».

• «سَمِعْنا وأطَعْنا» لا تُقال إلا لله، ولغير الله نقول: «سَمِعْنا، ونتدبَّر، وسنرى»، وكلُّ من يُعارض هذا فهو يَهدِم بُنيانَ الإنسان الذي بناه الله ليُعمِّر الأرض.

• خلافةُ «آدم» في الأرض، وعِمارةُ «آدم» في الأرض، لا تكون إلا بعقلٍ يَقبلُ ويَرفُض، لا تكون إلا بعقلٍ يقول: «سَمِعتُ، وتدبَّرتُ، وقَبِلْتُ، ورَفضتُ»؛ فالذي يَحول بيني وبين أن أقبلَ وأرفُض كأنه يَحول بيني وبين خلافة الله في الأرض وتعميرِ هذه الأرض.

• الكتابُ والمُدرِّس عَملُهما هو تكوينُ إنسانٍ رائعٍ يستحقُّ الخلافةَ في الأرض.

• إذا شرحتُ لك دقيقةً من دقائق كلام العلماء عليك أنت أن تُدرِكَ دقائقَ بعد هذه الدَّقيقة؛ لأني نبَّهتُك إلى أنني لن أعلِّمَك العلم.

• علَّمنا شيوخُنا كيف نطلب العلمَ وكيف نتعلَّم العلم؛ فلا تُعلِّم أجيالَك العلمَ، وإنما عَلِّمْهم كيف يتعلَّمون العلم.

• مَن أراد أن يُعلِّمَه غيرُه فليَذهبْ إلى الجحيم.

• نحن في بؤس: الناسُ يَصنعون ونحن نَنقُل الصِّناعات، ونفتخر بأننا نقلنا أحدثَ الصِّناعات، وهذا كلامٌ يَفرحُ به «الهلافيت»، لكن عليك أن تقول: صَنَعْنا أحدثَ الصِّناعات، ولا ترضَ بأن تقول لقومك: نقلنا أحدثَ الصِّناعات.

• لا تُرسِّخ التخلُّفَ في النُّفوس؛ لأن النَّقلَ عن الغَير ترسيخٌ للتخلُّف.

• الذين أبدعوا ليسوا أفضلَ منَّا عقولًا، وإنما عَمِلتْ عقولُهم واجتهدتْ عقولُهم فأبدعوا.

• نحن لا نَدرُس «زيدٌ كالأسد»، نحن لا نَدرُس بلاغة، نحن نَدرُس الإنسانَ ونَدرُس ناطقيةَ الإنسان.

• النَّفسُ الإنسانيةُ هي التي من شأنها إنشاءُ الأفكار، هي التي من شأنها صناعةُ الأفكار، هي التي من شأنها الخواطرُ ودراسةُ الخواطر وتنميةُ الخواطر.

• القول بالصَّرفة لا يقوله أحدٌ تعلَّم «ألِف باء» العِلم، و«النظَّامُ» الذي قال بهذا الكلام التَّافه كان من شيوخ العلم، وكان «الجاحظُ» العظيمُ يَسمع إليه، و«النظَّامُ» حين كان صغيرًا وأراد أن يطلب العلمَ على يد الخليل بن أحمد اختبره «الخليلُ» - لأن «الخليل» لم يكن يَجلس في مجلسه إلا مَن اختبرَه ورَضِي عقلَه - فلما اختبره قال له «الخليل»: «حاجتُنا إلى الذي عندك أشدُّ من حاجتك إلى الذي عندنا»؛ فالمهمُّ أن «النظَّام» الذي أخذ عنه «الجاحظ»، ووَعَى كثيرًا مِن عِلمه، وقال عنه كلمةً رائعةً؛ قال: «لقد نجَّى الله بالنظَّام كثيرًا من الناس أن يَقعوا في الهَلَكة» = تحدث «الجاحظُ» عن هذا العقل الرَّائع كيف يُخْطئ، فقال إنه كان في «النظَّام» عادةٌ سيئةٌ جدًّا، هي أنه كان يتوهَّم الوَهْمَ، ثم يُنمِّي عقلُه هذا الوهم ويُعالِجه، ويَصنع من الوَهْم علمًا فيتكلَّم به على أنه عِلمٌ، ويَنسى أن مبدأه الوَهْم.

• «النظَّام» عالمٌ جليلٌ قال كلامًا لا قيمة له؛ لأن القول بالصَّرفة ضدُّ ما في القرآن، و«النظَّام» رجلٌ مؤمنٌ، فيه وَرعٌ، وفيه دِينٌ، وفيه علمٌ، ونجَّى الله به كثيرًا من الناس؛ فكيف قال هذا؟! كلُّ ذلك يُعلِّمك أنه لا يوجد أحدٌ في الدُّنيا تأخذُ منه وأنت مُغمَض العينين.

• عبد القاهر يُعلِّمنا تحليلَ الشِّعر، وأنا لا أستطيع أن أشرح لك كيف تتعلَّم تحليلَ الشِّعر من كلام العلماء، وإنما غايةُ ما عندي أن أنبِّه، وأنت عليك أن تتنبَّه، وأن تَتعلَّم؛ لأنه لن يُعلِّمك أحدٌ شيئًا من العلم إلا أنت.

• المهمُّ أن يَصنعَ منَّا العلمُ عقولًا نعيش بها، ولا أقول لك: عقولًا يَعيش بها غيرُنا؛ لأننا رفضنا أن نعيش بعقول غيرنا.

• الواجبُ الذي بدونه نكون في أحطِّ خَساسة هو أن نَعيش بعقولنا لا بعقول غيرنا: صناعتُنا بعقولنا، طِبُّنا بعقولنا، دواؤنا بعقولنا، فِقْهُنا بعقولنا. إلخ.

• اللهُ خلق فيك الاستعدادَ لأن تَكون لك موهبة، وترك لك أنت أن تَصنع هذه الموهبة؛ فلا تَقلْ لي: «إن تَذوُّق الكلام له أناسٌ خلقَهم الله على هذا»؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - علَّم الإنسانَ البيانَ، علَّم الإنسانَ كلَّه، أي: وضَع فيه الفطرةَ الصَّالحةَ لأن يكون مُبِينًا، وهو عليه أن يُربِّيَ هذه الفطرة.

• وُلِدتَ في مجتمعاتٍ الفردُ فيها ليس عليه مسئولية؛ لأن هناك مَن يَنوبُون عنه، وقد خلقَك اللهُ وجعلَك مسئولًا عن نفسك أولًا؛ لأنه لم يُعلِّمْك البيان، وإنما علَّمك كيف تُنمِّي هذه الموهبةَ التي عندك.

• إن الله لم يُعلِّمْك، وإنما هيَّأك لأن تتعلَّم؛ فإنْ تعلَّمتَ تكون أنت الذي تعلَّمتَ؛ لأن معنى «عَلَّمَه البَيَانَ»: هيَّأه ليكون مُبِينًا.

• كلُّنا يُركِّب الكلامَ، وكلُّنا يستعمل التعريف ويستعمل التنكير، ويستعمل التقديم ويستعمل التأخير، ويستعمل الذِّكْر ويستعمل الحذف. كلُّنا يَفعل، ولكنَّ هذه الأشياءَ في ألسنةٍ تُصِيب وفي ألسنةٍ لا تُصيب، حتى إن الكاتبَ أحيانًا يَذكُر تنكيرًا يَحْسُن به كلامُه وهو لا يدري أنَّ حُسْنَ كلامِه راجعٌ إلى هذا التنكير.

• «الجاحظُ» كان أبْيَنَ أهلِ زمانه، وإنما كان أبْيَنَ أهلِ زمانه لأنه صَبَر على قراءة كلام الكبار، حتى كان كلامُه يُشْبِه كلامَ الكبار، ولولا صَبرُه لكان مِن عامَّة أهل زمانِه.

• أنت مُهيَّأٌ لتكونَ مِثلَ الكرام، فإن عُنِيتَ بنفسك وعِشْتَ مع كلام الكرام قلتَ كلامًا يُشْبِه كلامَ الكرام، فإن لم تَفعلْ فإن الله لم يَظلِمْك، لا، اللهُ خلقَك مُهيًّا وطلب منك أن تُنمِّيَ نفسَك.

• نحن في إعدادنا أجيالَنا أخطأنا خطًا كبيرًا؛ لأنني ملأتُ عَيْبَتَهم بكلام البلاغيين، وكان يجب أن أملأ عَيْبَتَهم بكلام البُلغاء، بكلام الشعراء، بكلام الكُتَّاب.

• البلاغةُ مستمدَّةٌ من الشِّعر، وأنا عَلَّمتُ البلاغةَ ولم أعلِّم الشعرَ، البلاغةُ مستمدَّةٌ من الخُطَب النفيسة، وأنا عَلَّمتُ البلاغةَ وأهملتُ الخُطبَ النفيسة، ابدأ يا سيدنا بالشِّعر واجعل الطالبَ يَروي الشِّعر أكثرَ ممَّا يَقرأ في كتب البلاغيين، ثم يبدأ يقرأ في كُتب البلاغيين وهو عنده الخلفية التي تُعينه.

• المعنى الأساسُ الذي هو كلامُ البلغاء وكلامُ الشعراء الذي استُخرِجَتْ منه كلُّ علومِنا = نحن شُغِلْنا بعُلومنا عنه؛ فلم نَنجحْ ولم نُفلِحْ، وإنما علينا أن نَشغلَ أنفسَنا وأن نَشغلَ طلابَنا بكلام الكرام، ثم نبدأ في الحديث في النَّحو الذي هو عِلمٌ عن كلام الكرام، والبلاغةِ التي هي عِلمٌ عن كلام الكرام.

• تعليقًا على قول أبي نواس:

رَكْبٌ تَسَاقَوْا عَلَى الأَكْوَارِ بَيْنَهُمُ *** كَأْسَ الْكَرَى فَانْتَشَى الْمَسْقِيُّ وَالسَّاقِي

قال شيخُنا: يا سلام! بلاغةُ الشِّعر تُوقِفنا على شاطئ بلاغة القرآن، إذا ملأتُ عَيْبَتي من «فَانْتَشَى الْمَسْقِيُّ وَالسَّاقِي» أدركتُ أن الذي نزل على سيِّدنا رسول الله يَبْهَرُ ويَقْهرُ ويَقْطعُ الأطماعَ ويُخْرِسُ القُوَى والقُدَر، امكثْ مع «فَانْتَشَى الْمَسْقِيُّ وَالسَّاقِي» وانظرْ نَشوةَ المَسْقِيِّ ونَشوةَ السَّاقي لكي تقول إن «غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ» لا يَكون إلَّا من الله، قِفْ مع المَسْقِيِّ والسَّاقي حتى يَرفعَك المَسْقِيُّ والسَّاقي إلى أن تَشهدَ أن «وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى» كلامُ الله.

• كُتبُ التفسير مليئةٌ بشواهدَ مِن الشِّعر قِيلتْ في الخَمْر وفي المُنْكرات، وقد وضعَ العلماءُ شِعرَ المُنْكرات في تفسير القرآن ليَجعلوك تُقْبِلُ على الشِّعر الذي رفَع الله عنَّا الحَرجَ في روايته حتى نتعلَّم اللُّغة.

• خاطَب شيخُنا حضورَ الدرس قائلًا: سأظلُّ أقولُ حتى لو لم تَفْهموا؛ لأني لا أقول لأرضيَك، ولا لأرضِيَ غيرَك، أنا أريد أن أجعلَ حياتي كلَّها في خدمة أمةٍ كان رسولُها خيرَ خَلْق الله، وكان كتابُها خيرَ كُتبِ الله، وكانت أجيالُها خيرَ أجيال الأرض.

• حين أقرأ في تاريخ الجاهلية لا أغضبُ من الجاهليين؛ لأن هؤلاء لما فَتَح الله أقفالَ قلوبهم جاء نَصرُ الله والفتحُ ودخلَ الناسُ في دِين الله أفواجًا، مَن الناسُ الذين دخلوا في دِين الله أفواجًا؟ هم الذين حاربوا رسولَ الله، «قُريش» الضالَّةُ المُضِلَّةُ هي التي دَخلتْ في دِين الله أفواجًا، و«قُريش» الضالَّةُ المُضِلَّةُ هي التي صارت خيرَ أجيال الأرض، و«قُريش» الضالَّةُ المُضِلَّةُ هي التي فَتحت البلادَ، وأدخلتْ دِينَ الله في البلاد، ورَوَتْ عن رسول اللهما رواه لأمَّته.

• أهملْ تُهمِلْ نفسَك، ومَن أهملَ نفسَه أهملَ أرضَه وأهملَ قومَه وأهملَ أُمَّتَه، وإذا عشتَ جادًّا في أن تَصْقلَ نفسَك، وأن تُهذِّبها، وأن تَرفعَ شأنَها = فنفسُك ستَرفعُ أرضَك وتَرفعُ قومَك وتَرفعُ أمَّتَك.

• ما يَصنعه فينا اليهودُ سَببُه أنهم صنعوا أنفسَهم ولم نَصنعْ أنفسَنا، هم اعتمدوا على ذات أنفسِهم ونحن اعتمَدْنا على مَن اعتمَدْنا عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


أضف تعليق