فوائد من درس دلائل الإعجاز 74

78
7 دقائق
17 رمضان 1447 (06-03-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف.

يوم الأحد غرَّة رجب 1447ه الموافق لـ 21 من ديسمبر 2025م:

• تعليقًا على الفقرة رقم (643)، قال شيخُنا: هذه الفقرة مرَّتْ قبل ذلك في «دلائل الإعجاز»، وهي فقرةٌ مشهورةٌ ومتعالَمة في علم البلاغة، ومضمونُها أن الإحساسَ بالفَرْق بين كلامٍ وكلامٍ إحساسٌ قليلٌ في الناس، وأن هذا من أهمِّ أسباب غُموض علم البلاغة.

• إدراك الفَرْق بين كلامٍ وكلامٍ في حاجةٍ إلى وعي شديد، وحين كنتُ أقرأ هذا الكلامَ لم أكنْ أعتقد أنه أمرٌ راجعٌ إلى الفطرة، وإنما كنت أعتقد أنه راجعٌ إلى ممارسة الإنسان، وتدريب الإنسان لحِسِّه وفطرته على تذوُّق الكلام العالي.

• تربيةُ الحِسِّ والفطرة على تذوُّق الكلام العالي ليست علمًا، وإنما لها بابٌ واحدٌ؛ هو طُول مراجعة الشِّعر العالي، وطُول مراجعة الخُطب العالية، وطُول مراجعة كلام البلغاء وكلام الفُصحاء.

• تبيَّنتُ أنني أخطأتُ في إعداد نفسي لمَّا عُنِيتُ بالمعرفة أكثرَ من عنايتي باللغة الفصيحة، ولمَّا طالتْ قراءتي في الكُتب وقلَّتْ قراءتي في الشِّعر؛ فكان لا بدَّ أن يتغيَّر هذا الحال، وأن يكون الشِّعرُ هو الغالب على قراءتي.

• أذكُر أنني من أجل أن أُدرك بحسِّي الفرقَ بين كلام الله وكلام الناس، ولا أكتفي بما يقوله العلماء، اشتريتُ مُسجِّلًا له بابان: بابٌ سجَّلتُ فيه بصوتي قصائدَ من «المفضَّليات»، وبابٌ سجَّلتُ فيه بصوتي سُورًا من القرآن الكريم، ثم بدأتُ أستمع بتأمُّل شديد إلى «المفضَّليات»، ثم أُغلِق وأستمع بتأمُّل شديد لآيات القرآن، إلى أن أدركتُ أن معرفةَ الفرق بين كلام الله وكلام الناس ليست في حاجةٍ فقط إلى عِلم، وإنما في حاجةٍ إلى أُذنٍ تَسمعُ وعَقلٍ يَعِي.

• حين أقرأ شكوى عبد القاهر من أن الإحساس بالفَرْق بين كلامٍ وكلامٍ قليلٌ في الناس = أستيقنُ أنه ليس قليلًا في النَّاس مِن صُنْع الله فقط؛ لأن الله هيَّأ الناسَ؛ كلَّ الناس، للوعي الأعلى وللفَهْم الأعلى، ثم يُهمِل بعضُ الناس أنفسَهم فيكونُ وَعْيُهم أقلَّ.

• أنا وأنت وزيدٌ وعمرو سواءٌ إذا نظَرْنا وقرَأْنا وتدبَّرْنا، وإن كان بيننا تفاوتٌ فسيكون تفاوتًا ميسورًا وقليلًا.

• صناعةُ إحساسِك أنت ومعرفتِك أنت بفَضْل كلامٍ على كلام أمرٌ يَرجِع إليك أنت، ولا تَرْجِع الأمرَ إلى الفطرة؛ لأن الفروقَ في الفطرة ستكون ضئيلةً جدًّا.

• لو قرأتُ أنا وأنت في الشِّعر الجاهلي قراءةً واحدةً سأكون أنا وأنت قريبَيْن جدًّا جدًّا من الإحساس بفَضْل كلامٍ على كلام، وإذا زاد أحدُنا على الآخر فلن تكون الزيادةُ أكثرَ من درجة أو درجتين.

• المهمُّ جدًّا أن نَعيش في ما نَطَق به أهلُ البيان، لا أقول: أعلى مِن أن نَعيش في لُغة العلماء، وإنما أقول: على الأقل في مستوى العَيْش في لُغة العلماء.

• شُغِلْنا بكلام العلماء عن اللُّغة التي هي الصَّانعةُ للحِسِّ الإنسانيِّ العالي.

• علمُ المعاني مِن أجلِّ العلوم، مُهمٌّ جدًّا جدًّا؛ التقديم، والتعريف، والتنكير، والذِّكر، والحذف، والقَصْر، والفصل = من أهمِّ الأبواب في الإبانة عن المعاني؛ ولذلك إتقانُ علم المعاني في كتاب «دلائل الإعجاز» وفي الشِّعر ضرورةٌ.

• إذا تعلَّمتَ علم المعاني في «دلائل الإعجاز» تكون قد تعلَّمتَ نِصفَ العلم، وإذا تعلَّمتَ علم المعاني في دواوين الشعراء تكون قد تعلَّمتَ العلمَ كلَّه.

• اقرأ علم المعاني في شِعْر النَّابغة الذُّبياني؛ اقرأ الشِّعر واستخرج التعريفَ ودلالاتِه، والتنكيرَ ودلالاتِه: ستجد تعريفًا كثيرًا جدًّا، وتعريفًا قليلًا هو الذي يُورِث الكلامَ حُسنًا، وستجد تنكيرًا كثيرًا، وتنكيرًا قليلًا هو الذي يُورِث الكلامَ حُسنًا؛ لأن هذه أساسياتٌ بُنِيَ عليها الكلام.

• التعريفُ موجودٌ في كلام الكبير والصَّغير، والتنكيرُ موجودٌ في كلام الكبير والصَّغير، والتقديمُ موجودٌ في كلام الكبير والصَّغير، والمهمُّ هو استخراجُ التعريف والتنكير الذي يُورِث الكلامَ حُسنًا.

• مِن أوَّل حياتي وأنا أُعلِّم طلابَ العلم كيف يقرؤون كُتبَ العلم، لا أُعلِّمك العلم وإنما أُعلِّمك كيف تتعلَّم العلم، وهذا هو الطريقُ الذي تُعدُّ به الأجيالُ التي تحمي الأرضَ والعِرْض.

• حين تُنبِّه الإنسانَ إلى مَواطِن الحُسْن وهو فاقدٌ القدرةَ على هذا التنبُّه فلن تَصنع شيئًا، وإنما تَصنعُ شيئًا إذا لَقِيتَ الإنسانَ الذي إذا نبَّهتَه تَنبَّه.

• الإنسانُ الفاقدُ القدرةِ على التنبُّه ليست مُشكلتُه فقط أنه فاقد، وإنما المشكلةُ الأعلى أنه يَدَّعي أنه غيرُ فاقد.

• مصيبةُ الوجود أن تجد طاغيةً جاهلًا، ويَجْهلُ أنه جاهل، وإذا قلتَ له الحقيقةَ: «إنك جاهل» فَتح عليك بابَ جهنم في الدُّنيا.

• الإقرارُ بالحقِّ هو طريق الصَّواب؛ فحين أكون جاهلًا وأقرُّ بأنني جاهلٌ أكون قد فَتحتُ طريق الصَّواب، أمَّا أن أكون جاهلًا، وأُنكر أنني جاهلٌ، وأُعذِّب من يقول لي إنني جاهل = فهذا تَجاوَز الجهلَ المركَّبَ الذي أخبر به حِمارُ الحكيمِ «توما».

• ليس هناك سطرٌ في «دلائل الإعجاز» أقرؤه إلا ويَسحَبُني إلى الواقع، ويُعيِّشُني في المجتمع الذي أعيش فيه؛ لأن هذا الكتابَ ليس مكتوبًا لمجتمع عبد القاهر، وإلا لَمَا كنَّا قرأناه، ولَمَا بَقِيَ في المكتبة، وإنما كان يَذهبُ مع المجتمع الذي كُتِبَ له.

• الكُتبُ مكتوبةٌ لكلِّ المجتمعات؛ لأنها مكتوبةٌ للعقل الإنساني؛ فهي باقيةٌ، والإنسانُ في حاجةٍ إليها ما بَقِيَ هذا العقلُ حيًّا، وما بَقِيَ هذا الوجود.

• عبد القاهر حين يُحدِّثك عن الإنسان فإنما يُحدِّثك عن الأمَّة التي أنت منها أساسًا، ويُبعِدُك عن القَوْقَعة في أُطرٍ ضيِّقة؛ في اللُّغة، والجِنْس. إلخ.

• أجدُ متعةً شديدةً حين أجد عبد القاهر يُتابع ما بُنِيَتْ عليه الجِبِلَّة، وأقول: ها هو ذا يُتابع الإنسانَ؛ عربيًّا كان أو غيرَ عربي، ويتجاوز الحدودَ الضيِّقةَ التي يعيش فيها كثيرٌ من الناس حين يتحدَّثون عن العَرب أو الفُرْس. إلخ.

• عجيبٌ أن الحِسَّ العلميَّ يُدرِك في كلام الذين سبقوه أن فيه إشاراتٍ إلى مكان الخَبيء ليُبحثَ عنه ويُستخرَج. أيُّ ذكاءٍ هذا! وأي انقطاعٍ للعلم أفضلُ من هذا!

• مُعظَم فكر عبد القاهر كان استخراجًا للخَبيء، وليس هو الذي اخترع الخَبيء، وإنما وَجَد في كلام العلماء إيماءةً إلى هذا الخَبيء.

• ابحثْ عن الذين صَنعوا عبد القاهر، وابحثْ عن الذين صنعهم عبدُ القاهر، ستجد أن الذي صَنَع عبدَ القاهر هو ابن أخت أبي علي الفارسي - وأبو عليٍّ الفارسيُّ كان أمَّةً وحدًه - وعبد القاهر صَنَع أجيالًا، ولا يزال يَصنع.

• أبناءُ القِرَدة ليسوا شيئًا، لكنهم لمَّا وجدوا غيرَهم ليس شيئَا مطلقَا صاروا شيئًا.

• أَحبُّ الكلامِ إليَّ هو الكلامُ الغامض؛ لأنه يَستفزُّ عقلي بقوَّة شديدة جدًّا جدًّا، وعقلي لا بدَّ أن يكون في أقصى طاقات يقظته، ولستُ أنا الذي أقول ذلك، وإنما العلماءُ هم الذين ذكروا أن المسائلَ الغامضةَ هي التي أنتجت العلماء، وذكروا أن مسائل الخلاف كان لها أكبرُ الأثر في تكوين العلماء.

• مسائلُ الخلاف تدعوك إلى أن تُحْسِنَ فَهْم الآراء المختلفة، وتدعوك إلى أن تبذل أقصى طاقتك في تخيُّر الرأي الذي تراه بين هذه الآراء؛ لأنها آراء أئمةٍ كبارٍ ليس فيهم واحدٌ ضعيفٌ، وإنما هي عقولٌ عاليةٌ اختَلفتْ.

• إذا اختلفت العقولُ العاليةُ، ووَقَفْتَ أنت في خِلافها، نما عقلُك وصِرتَ شيئًا آخر.

• نَعم، تيسيرُ المعرفة مهمٌّ، لكنْ ليس تيسيرها حتى تكون غيرَ مُحتاجةٍ إلى إعمال عقل.

• أبو نواس عبقريٌّ عجيب، وقد قالوا إن إبراهيم بن سيَّار النظَّام بدأ شاعرًا ثم غَلَب عليه علمُ الكلام فذُكِرَ به، وإن أبا نواس بدأ متكلمًا ثم غَلَب عليه الشِّعرُ فعُرِفَ به. عقلياتٌ تتفوَّق في أكثرَ من مَيدان، وأعجبني قولُهم هذا لأنني كنتُ قرأتُ من زمن بعيد أن «الشافعيَّ» شاعرٌ غَلَب عليه الفِقْهُ فعُرِفَ به.

• إذا لم تقرأ إلا النَّحوَ الذي أنت مُتخصصٌ فيه فلن تَعْقِلَ النَّحوَ؛ فالذي لا تقرأُ إلا هو تأكَّدْ أنك لن تَعْقِلَه. مَن الذي علَّمكم هذا التعليمَ السيئ! العلمُ يَسقِي بعضُه بعضًا، البلاغةُ وُلِدتْ مِن رَحِم النَّحو لأن عبد القاهر، الذي أسَّس علمَ البلاغة، كَتَب في النَّحو كتاباتٍ كثيرةً قبل أن يكتب سطرًا واحدًا في البلاغة.

• هناك فرقٌ بين مَن شَغَلَتْه الدُّنيا عن العلم، وهؤلاء هم «الهلافيت»، ومَن شَغلَه العلمُ عن كلِّ شيءٍ في الدُّنيا.

• تعليقًا على الفقرة رقم (645)، قال شيخُنا: كنا نَستحْسِن مع الخطأ، كنا نَستحْسِن ولا نُدرك الخطأ، فكأن عبد القاهر هنا يَنصحُك بأن تُثير أقصى طاقات نفسِك وعقلِك وأنت تقرأ الكُتب؛ لأن الخطأ خَفِيٌّ.

• تعليقًا على الفقرتين رقمي (645) و(646)، قال شيخُنا: سأشرح رؤوس المسائل وعليك أنت أن تُتِمَّها، وإذا عَجِزتَ عن تمامها فتأكَّد أني لم أُعلِّمْك شيئًا طوالَ ما سبق، أنا علَّمتُك كيف تَفْهم، وعليك أنت أن تُمارِسَ الفَهْم، فإذا لم تَفْهم أكون قد أضعتُ وقتَك ووقتي، لكنِّي غيرُ آسفٍ؛ لأني أبذل قصارى جهدي.

• تعليقًا على أوَّل الفقرة رقم (647)، قال شيخُنا: لا تَجِدْ حرجًا إن أخطأتَ؛ فقد أخطأ قبلك العلماءُ، أخطأ مَن هم أكبرُ منك، والذي يرى أنه لا يخطئ هو الذي لا يُصيب؛ لأن كلَّ مَن أصاب أخطأ.

• ليس هناك ما يُسمَّى «الخطوط الحمراء» أمام العقل، وإنما العقلُ يُصيب ويُخطئ، ويَختار ويُخطئ في الاختيار؛ حتى يَعملَ ويتحرَّك؛ لأنك إذا حرَّمتَ عليَّ الخطأ فقد حرَّمتَ عليَّ الصَّواب.

• تعليقًا على شرح «الآمديِّ» بيتًا ل «البحتريِّ»، قال شيخُنا: لاحظْ أن كلام «الآمديِّ» مترتِّبٌ على كلام «البحتريِّ»، وكأن الشاعر هو الذي فتح البابَ للنَّاقد، فإذا عشتَ أنت مع النَّاقد ولم تَرجِعْ إلى الشاعر الذي فتح الكلامَ للناقد، فأنت مخطئٌ. عِشْ مع الشاعر كما عاش معه النَّاقدُ الذي تُصرُّ أنت على أن تَعيشَ معه.

• عندي شاعرٌ فَتحَ الكلامَ، وعاش على كلامه النَّاقدُ، ثم جئتُ أنا الآخر وعِشتُ على كلام النَّاقد وأهملتُ كلامَ الشاعر، فصِرتُ نصفَ إنسان؛ لأن الإنسانَ الذي قبلي عاش مع الشاعر وصار ناقدًا، وأنت عِشتَ مع النَّاقد ولم تَعِشْ مع الشاعر.

• لولا «البحتريُّ» ما تكلَّم «الآمديُّ»، فإذا عِشْتَ أنت على كلام «الآمديِّ» الذي كان فرعًا على كلام «البحتريِّ» فهذا شأنُك.

• كيف أتهيَّب من الخطأ وقد أخطأ «الآمديُّ». تَكلَّمْ لتُصيبَ، ولا تَخَف الخطأ، بشرط أن تجتهد في معرفة الصَّواب.

• تعليقًا على ما جاء في الفقرة رقم (647)، قال شيخُنا: حين أرى «الآمديَّ» يُخطئ هذا الخطأ لا أتردَّد في أن أتكلَّم وأن أقول ما أرى؛ لأن «الآمديَّ» لا شكَّ في أنه اجتهد، ويَدلُّك على هذا الاجتهاد كتابُ «الموازنة»، ولا تُحاسِب «الآمديَّ» على كلمةٍ قالها في بيتٍ لأبي تمَّام، إنما انظرْ جلالَ «الآمديِّ» فيما كَتَب «الآمديُّ».

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


أضف تعليق