بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف يوم الأحد: 8 من رجب 1447ه الموافق لـ 28 من ديسمبر 2025م:
[هذا هو الدرس الأخير في شرح صُلب كتاب «دلائل الإعجاز»، ويتبقى شرح وريقات ملحقة به، ثم سيشرع شيخنا في شرح «الرسالة الشافية في الإعجاز» التي ألحقها بالكتاب الشيخ محمود شاكر. وكان شيخنا - حفظه الله ومد ظله علينا - قد بدأ في الثامن عشر من شهر فبراير عام ٢٠١٤ شرح كتاب «أسرار البلاغة»، وفرغ منه في العشرين من شهر ديسمبر عام ٢٠١٦، واستهل في الأسبوع الذي يليه شرح «الدلائل»، وتحديدًا في السابع والعشرين من شهر ديسمبر عام ٢٠١6].
• الذي كنت أحبُّ أن أفعلَه في هذه المرحلة الأخيرة من قراءة الكتاب أن نقرأ الكتاب بدون شرحي، وكلُّ واحدٍ فينا يحاول أن يَفهم، ومن يستغلِقْ عليه شيءٌ أشرحه له.
• قلتُ لكم: معنى أن أشرحَ هو أن أُعلِّمكم الشرح، وليس أن أشرحَ لكم كتابًا فقط، أن أُعلِّمكم كيف تشرحون الكُتب؛ لأن صلتَك بي محدودةٌ، وستُنهيها الأيام، والمفروضُ أن تكون تعلَّمتَ مني كيف تَشرح لنفسِك ولغيرك.
• نحن نتعلَّم، ولا نتعلَّم كيف نُعلِّم، وهذا خطأ.
• لأنْ تتعلَّم كيف تُعلِّم أفضلُ بكثير من أن تتعلَّم.
• العلمُ في منهجنا يتطلَّب منك أمرين بعد العِلم: أن تعملَ بما عَلِمتَ، وأن تُعلِّم ما عَلِمتَ.
• أمَّتنا ليس فيها نزعةٌ فرديةٌ، النزعةُ الشخصيةُ ليس لها وجود في هذه الأمَّة؛ فما دمتَ قد تعلَّمتَ فلا بدَّ أن تَعمل بما تعلَّمت، وإلا كان تَعلُّمك لا أثر له في بناء نفسك، ثم – وهذا هو الأهم - أن تُعلِّم ما تعلَّمتَ.
• تعليقًا على ما جاء في أوَّل الفقرة رقم (648)؛ مِن أن الأستاذ أبا الفضل ابن العميد كان يختار من شعر ابن الرُّومي ويُنقِّط عليه في نُسختِه، ثم يدفعها إلى الصاحب بن عبَّاد، قال شيخُنا: هذه كلمةٌ أنت لا تَلتفت إليها مع أنها جيدة جدًّا؛ لأنها تُعلِّمك كيف تَعلَّم مَن قبلك؛ الأستاذ أبو الفضل كان حين يُمسِك ديوان ابن الرُّومي يَضعُ علاماتٍ على الأبيات التي يختارها، ويضع إشاراتٍ حول الشِّعر الذي يقرؤه: إشارات استحسان، إشارات نَقْد وملاحظة. إلخ، وكان يأتي مَن بعدَه ويقرأ نُسختَه التي قرأها من ديوان ابن الرُّومي، ومن خلال النِّقاط والعلامات والإشارات التي يكتبها بقلمِه على نُسخة شِعْر ابن الرُّومي يبدأ يَتعلَّم لا مِن مُعلِّم، وإنما مِن نُسخةٍ قرأها أستاذ؛ لأن الأستاذ قد يَضعُ إشارات.
وأنا عِشتُ هذه المرحلةَ مع بعض العلماء، وأذكر أنني كنت مرَّةً في مكتبة المرحوم محمود شاكر، فوجدتُ نسخةً لكتابٍ مِن كُتبي في المكتبة، فقلَّبتُ فيها فوجدتُ إشاراتٍ بقلم الشيخ محمود، لا أستطيع أن أشرحها، لكنَّ وُجودَها يَجعلني أفكِّر في الموضوع الذي وُجِدتْ فيه، وأُراجع الموضوع الذي وُجِدتْ فيه، فعرضتُ على الشيخ شاكر أن أستبدل بهذه النسخة نسخةً جديدةً فرَفَض، وقال: «لا. النسخةُ التي قرأتُها لا بدَّ أن تَبقى في المكتبة، وانقلْ ما شئتَ منها في النسخة الجديدة»، فنقلتُها، وراجعتُ هذه الإشارات، فوجدت أن هناك مسألةً فيها خلاف، أو مسألةً لم أُدقِّقها تدقيقًا كاملًا، أو مسألةً سبقني غيري من علمائنا الكرام الكبار إليها وأغفلتُ ذِكْرَهم إياها. إلخ، فوجدتُ نفسي مع النسخة التي قرأها الشيخ محمود كأني أجلس بين يدَي الشيخ محمود وأقرأ عليه النسخة، وهو يُرشدني ويقول لي: «كذا وكذا»؛ فهكذا كان علماؤنا.
• نحن نَتعبُ في طلب العلم، ولكنْ «معلوماية» مِن جملةٍ واحدةٍ نقرؤها لكريمٍ كبيرٍ تُساوي هذه المتاعب، وأكثرَ من هذه المتاعب.
• تعليقًا على قول ابن الرَّومي: «أَتَحْتَ ضُلُوعِي جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ؟»، قال شيخُنا: قرأتُ «أَتَحْتَ ضُلُوعِي جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ؟» بعدد شَعْر رأسي، لكنَّ الكلامَ الرَّائعَ وإنْ سَمِعتَه بعدد شَعْر رأسك فكأنك لم تَسمعْه إلا الآن.
• إذا رزقك الله حُبَّ العبادة كان حُبُّ العبادة أقربَ إلى الله مِن العبادة نفسِها، وإذا رزقك الله حُبَّ العلم كان حُبُّ العلم يكاد يكون في مرتبة العلم.
• هناك آياتٌ فسَّرتُها تفسيرًا ليس مخالفًا لكلام المفسِّرين، وإنما أحيانًا أخطو خُطوةً من كلام المفسِّرين، وتأتي بعد كلام المفسِّرين، أي: لا أكتفي بأن أقول ما قاله العلماء، وإنما أهتدي بما قاله العلماء لأسمحَ لنفسي بأن أقول شيئًا.
• أحفظ ما قاله العلماء وأريد أن أقول أنا شيئًا، ولا أستطيع أن أقول في العلم ما ليس منه، وإنما أهتدي بما قالوه لأقول شيئًا هو ممَّا قالوه وليس الذي قالوه؛ فالمعرفةُ أمانة، والعلمُ أمانة.
• تعليقًا على قول ابن الرُّومي:
بِجَهْلٍ كَجَهْلِ السَّيْفِ وَالسَّيْفُ مُنْتَضًى *** وَحِلْمٍ كَحِلْمِ السَّيْفِ وَالسَّيْفُ مُغْمَدُ
قال شيخُنا: يا سلام على الكلام الرائع الذي لا تَشبع منه النفوسُ الطيبة! ليس ألعن وأشد وأخْوف مِن جَهْل السَّيف والسَّيفُ خارجٌ عن غِمْده؛ فالسَّيف ما دام مُنتضًى لا تأمنْ شرَّه، والسَّيف ما دام مُغمَدًا فأنت آمِنٌ من شرِّه. كلامٌ جيد، هذا هو الكلامُ الذي ربَّى الناس، هذا هو الشِّعر الذي صنع رجالًا، وصنع أجيالًا غَلبتْ وسادتْ وحَمتْ أرضَها.
• الحديثُ عن أهل العلم ولو أخطأوا لا بدَّ أن يكون فيه أدب؛ لأن هؤلاء عِلمُهم يُذكَرون به، والذي لا يَجدُ عِلمًا يُذكَر به يُطيل لسانَه حتى يُذكَر بطُول لسانه، وبئس الذِّكرُ هذا.
• الذي عنده عِلمٌ يُذكَر به يَتأدَّبُ في الحديث عن أهل العلم، والذي ليس عنده عِلمٌ يُذكَر به يَتطاول ليُذكرَ بهذا التطاول، وهذا نظامُ شُعوبٍ متطوِّرة متقدِّمة، وهذا نظامُ شُعوبٍ متخلِّفة.
• كلُّ شيء تقرؤه يُعطيك معنًى، كلُّ شيء تُراجعه تَجِدُ فيه معنًى، وكلما تدبَّرتَ الكلام أعطاك.
• تعليقًا على قول «دِعْبِل»:
أَضْيَافُ عِمْرَانَ فِي خِصْبٍ وَفِي سَعَةٍ *** وَفِي حِبَاءٍ وَخَيْرٍ غَيْرِ مَمْنُوعِ
وَضَيْفُ عَمْرٍو وَعَمْرٌو يَسْهَرَانِ مَعًا *** عَمْرٌو لِبِطْنَتِهِ وَالضَّيْفُ لِلْجُوعِ
قال شيخُنا: «دِعْبِل» شاعرٌ مشهورٌ هجَّاء، وهو هنا يريد أن يَهجوَ عَمْرًا؛ فلماذا لم يَقصدْ إلى هجاء عمرو وسَبَقه بمَدْح عِمْران؟! هو يريد أن يُريَك الصورةَ الحَسَنة التي مضى على خلافها مَن هجاه، فقدَّم لك الصورةَ الجيدةَ التي ليستْ عند مَن يُريد هجاءه.
• اسْتَغْنَ عنِّي؛ فلن أعيشَ معك. اسْتَغْنَ عنِّي وعن كلِّ مَن يَشرح، والتقِ أنتَ التقاءً مباشرًا بكلام الكرام، وتعلَّم كيف تَسمع لُغة الكرام من ألسنة الكرام، وَأْبَ أن يكون هناك وسيطٌ بينك وبين ألسنة الكرام.
• تعليقًا على قول قَيْس بن خارجة: «عندي قِرَى كلِّ نازل، ورِضَا كلِّ ساخط»، قال شيخُنا: «قَيْسٌ» هذا من المذكورين في شِعر «زُهير» مع هَرِم بن سِنان بن خارجة، هذه عائلةُ فَضْلٍ وَرِثُوا المكارمَ عن آباء آبائهم قَبْلُ، هم كِرامُ النَّاس. قِرَى كلِّ نَازِل، أي: ثَروة، رِضَا كلِّ ساخط، أي: حكمة؛ فتَفهَمُ مِن هذا يا سيِّدنا أن الثروة كانت في يد حُكماء الأمَّة، ولم تكنْ الثروةُ في يد الطبَّالين والزمَّارين، وإذا كانت الثروةُ في يد الكرام فالرَّكبُ يَسير في الطريق الصَّحيح، وإذا كانت في يد الطبَّالة فالأمر يحتاج إلى مراجعة؛ لأن الكرام تَقودُهم عقولٌ كريمةٌ؛ فيوجِّهون الثروة لِمَا يَنفع، والطبَّالة عقولُهم خَرِبة؛ فيوجِّهون الثروة لِمَا لا ينفع.
• تعليقًا على قول قَيْس بن خارجة: «عندي قِرَى كلِّ نازل، ورِضَا كلِّ ساخط، وخُطبةٌ مِن لَدُن تَطلُع الشمسُ إلى أن تَغْرُب، آمُر فيها بالتواصل، وأنهى فيها عن التقاطع»، قال شيخُنا: إذا مَررتُ على قول قَيْس بن خارجة مِن غير أن أتنبَّه أكون قد دمَّرتُ العِلم، لا، ليس دمَّرتُ العلم، وإنَّما حرمتُ نفسي من العلم؛ لأني لم أقف عند الأفكار وأتبيَّن دقائقَها ورقائقَها وأستخلص وأستخرج.
• قال شيخُنا بعد أن وقف مَليًّا مع كلام قَيْس بن خارجة: سُرِرتُ بنفسي وشكرتُها لمَّا دلَّتني على أنَّ جُملتَيْ «قَيْسٍ» إحداهما تتكلَّم عن الثروة، والأخرى تتكلَّم عن الحكمة، وأن الثروة حين تكون في يد الحُكماء فنِعْمت الثروة. راقني هذا، وحَمِدتُ الله أنْ ألهمني هذا.
• الله لا يُلهِمني وأنا نائم، إنما أتعبُ وأتعبُ وأتعبُ من غير فائدة، ثم بعد التَّعب يُعطيني، ويرحم الله الشيخَ الذي علَّمنا؛ كان يقول: إن لله عطايا يُعطيها المرءَ بعد أن يَشُقَّ المرءُ على نفسِه في طلبها، وبعد أن يُوشِك أن ييأسَ؛ فربُّنا يُربِّي الناس.
• تدبُّرًا لتكرار كلمة «الحق» في قوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}، قال شيخُنا: تكرَّرتْ كلمةُ «الحق» لأن لها قَرْعًا في النَّفْس، ولها فِعلًا في النَّفْس، ولها إثارةً في النَّفْس، ولها استفزازًا في النَّفْس، ولها خطابًا مع النَّفْس. كلُّ ذلك لا يكونُ لو قيل: {وبالحقِّ أنزلناه، وبه نَزَل}.
• تدبُّرًا لقوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}، قال شيخُنا: الإعجازُ الآخرُ الذي بعد الإعجاز الأوَّل هو أنك تجد كلمتين اثنتين في القرآن رُكِّبَتا معًا فلا تَجِد لهما نظيرًا في كلام البَشَر؛ هاتِ من كلام الخَلْق، مِن يوم أن نطق لسانُ آدم إلى أن تقوم السَّاعة، فلن تَجِد جملةً كجُملة: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}.
• الجملةُ القرآنيةُ معجزة، وإنما كان التَّحدي بالسُّورة لأن التَّحديَ بالجملة يمكن أن يُجادَل فيه، وأعداءُ الدِّين سيُجادِلون، وقد قالوا ل«مُسيلمة»: «والله إنك لتَعلمُ أنك كاذب، وإنك لتَعلمُ أننا نَعلمُ أنك كاذب، ولكنْ كاذب ربيعة أحبُّ إلينا مِن صادق مُضَر»، في هذا الجوِّ من العصبية لو تحديتَ بالجملة لخرج واحدٌ يقول لك إن قولَ «عنترة»: «كذا كذا» مِثلُ الجملة القرآنية.
• لن تكونوا على شيء إلا إذا كانت قراءةُ القرآن عندَكم أكثرَ مِن قراءتكم لأي شيء: كنْ طبيبًا ولكن لتكنْ قراءتُك للقرآن معادِلةً لقراءتك للطب، كنْ مهندسًا، كنْ صانعًا، كنْ مَن شئتَ، إلا القرآن؛ لا بدَّ أن يكون مصاحبًا لك.
• طولُ القراءة في القرآن يعطيك الإحساسَ بأن الجملةَ القرآنيةَ لا يمكن أن تَدخُل في كلامٍ ويُظنَّ أنها منه، وإنما ستظلُّ متميزة.
• جملةُ القرآن إذا دخلتْ في غيره نادتْ على نفسها وأنها ليستْ في أُسرتها، وإذا أُدْخِلتْ جملةٌ في القرآن نادتْ على نفسها وأنها ليست في عشيرتها، وهذا شيءٌ عجيبٌ جدًّا، وهذا هو الإعجاز.
• كلُّ الذي قِيل في أسرار الإعجاز صواب، ولكنْ في الإعجاز شيءٌ آخر.
• أعجبني «الرَّازيُّ» حين هاج الناسُ على القول بالصَّرْفة ففاجأهم وقال: أنا أقول بالإعجاز بالصَّرْفة في قصار السُّور؛ لأن قصار السُّور يمكن أن يُجادَل فيها ويُقال: أين وجهُ الإعجاز في {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}؟ فنقول بالصَّرْفة لنُغلق هذا الباب.
• «الخطَّابي» قال إن القول بالصَّرْفة جيد، لكنَّ الآية لا ترضاه، وابنُ كثير قال إن القول بالصَّرْفة جيد، لكنه غير مُرْضٍ. والقولُ بالصَّرْفة ليس فيه كُفْر؛ فلم أجد أحدًا كفَّر القائلين بالصَّرْفة إلا الشيخ «أبو زهرة»، وتلك قضيةٌ أخرى.
• وقفتُ مع قوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} وأنا يقيني أن الإعجازَ بالجملة ولكنَّ التَّحدي بالسُّورة. فَرقٌ بين الإعجاز والتَّحدي.
• الجملة القرآنية مُعجزةٌ لا شكَّ؛ لأنه ما دامت السُّورةُ المكوَّنةُ مِن جُمل معجزةً فالجملةُ القرآنيةُ معجزةٌ، ولا يمكن أن تتكوَّن السُّورة مِن غير المُعجز ثم يقال إن السُّورة معجزة. ما دامت السُّورة معجزةً فلا بدَّ أن تكون مكوِّناتُها معجزةً، ومكوِّناتُها الجُمَل.
• افتحوا الآفاقَ للعقول؛ ربُّنا - سبحانه وتعالى - حكى لنا في كتابه العزيز أقوال أعدائه: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}، {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}، وأثابَنا وتَعبَّدنا بها. ربُّنا - سبحانه وتعالى - يقول لك: افتحْ آفاقَك، وتقبَّلْ، واستمعْ إلى ما يُقال مِن صوابٍ وخطأ.
• القراءةُ ليس فيها خطوطٌ حمراء، القرآنُ حدَّث عن قول ألدِّ أعداء الله: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ}، هذه نِصفُ صفحة، وكلُّها من كلام العرب الذين عاش معهم رسولُ الله، والمدهشُ والمُعجِزُ أنهم لم يقولوا له: لِمَ تتحدَّانا بكلامنا؟
• {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}، الكتابُ المكنونُ فيه كلامُ الكَفَرة؛ فكيف أضعُ على لسانِك خُطوطًا حمراء.
• الثقافةُ والمعرفةُ وتكوينُ العقل الإنساني آفاقُها كلها مفتوحة.
• ليس أسْخَى من اللُّغة: كلَّما تدبَّرتَ أعطتَك، كلَّما زِدتَ تدبُّرًا زادتْك عطاءً.
• تعليقًا على قول الفِنْدِ الزِّمَّاني:
شَدَدْنَا شَدَّةَ اللَّيْثِ *** غَدَا وَاللَّيْثُ غَضْبَانُ
قال شيخُنا: يا ليتني عِشتُ في زمانكم، ورأيتُ شَدَّتكم؛ شَدَّةَ اللَّيث واللَّيثُ غضبان، ويا ليتني لم أعشْ في زمان الرَّخاوة والضَّعف و«سِيبْ وأنا أسيب»، وبدلَ أن أعيش تسعين سنةً في «سِيبْ وأنا أسيب» كنت أعيش خمس عشرة سنةً في زمن «شَدَدْنَا شَدَّةَ اللَّيْثِ»، أنعمْ بكم، وبشَدَّتكم، وبزمانكم، وبفُتوَّتكم.
• حين يَمرُّ عليك الشِّعرُ وكلُّ همِّك موطنُ الشاهد، وتترك المعانيَ الجليلة، فأنت تَحرمُ نفسَك.
• تعليقًا على قول النَّابغة:
نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامَا *** وَعَلَّمَتْهُ الكَرَّ وَالإِقْدَامَا
قال شيخُنا: أنعِمْ وأكرِمْ بعصامٍ ونَفْس عِصام. أرأيتَ النَّابغةَ كيف يُعلِّمك! عِصامٌ ليس له مُعلِّم إلا نَفْس عِصام. لا تَقلْ: «أنا ذاهب إلى درس الشيخ أبو موسى». أين نَفسُ عصام؟! اجلسْ في بيتك واستخرجْ مِن ذات عقلك نَفْسَ عِصام التي سوَّدتْ عِصامًا، أي جعلتْه سيِّدًا، وليس هذا فحسب، وإنما جعلتْه شجاعًا. ولا أعلمُ أين ذهبتْ منَّا نَفسُ عِصام! نَفْسُ عِصامٍ ماتت ولم يُولَد عِصامٌ؟ لا، أنا غير مؤمن بهذا، أنا مؤمن بأن سيدنا رسول الله قال: "الخير في أمتي إلى يوم القيامة"؛ ف«عُمر» يجب أن يكون بيننا، «أبو بكر» يجب أن يكون بيننا، و«عِصامٌ» يجب أن يكون بيننا.
• استنطقوا الكلامَ العاليَ يُعْطِكم ما لا يُعطيه لكم إلا هو.
• ختم شيخُنا الدرسَ والكتابَ بقوله: الذي سيأتي بعد ذلك مسائلُ، منها ما هو في قلب علم البلاغة؛ لأنها مسائلُ غيرُ مرتبطٍ بعضُها ببعض، وليست قضايا، ولمَّا فَرَغ الصالحُ الطيِّبُ المُحِبُّ لنا من كتابه بقي مشغولًا بأفكار، فسجَّلها في أوراق، فهذه المسائل سنأخذ منها ما هو داخلٌ في قلب علم البلاغة؛ لأن عبد القاهر لمَّا فَرَغ من الكتاب واستجاب لهواتف عقله كان مِن هواتفه ما يَدخُل في علم الكلام أكثرَ ممَّا يَدخُل في علم البلاغة، وإضاعةُ الوقت في هذا شيءٌ مفيد، لكنَّ عندي ما هو أكثرُ فائدة؛ لأني أريد أن أصِلَ إلى «الرِّسالة الشَّافية»، وأن أقرأها، وأن أَفْرغَ منها قبل رمضان، والله – سبحانه - يُعِيننا جميعًا.