بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن النبي ﷺ قد قال "إن الله لم يبعثني مُعنتًا ولا مُتعنتًا ولكن بعثني مُعلمًا مُيسرًا" رواه مسلم وغيره، والتعنُت هو كلمة واحدة لكن له مقاصد كثيرة ومنها ماهو أقرب للتشدد إذا غضب لصالحه وليس في صالح الحق وأنه أقرب للتعصُب إذا غضب لشيخه وليس للحق فخلاصة الكلام أن كلمة التعنُت هي حالة خاصة ومتعلقة بالغضب أثناء النقاش والحوار من باب الإقرار فقط فيعرف الحق لكنه لا يُقر به فالمُتعنت يبحث عن نصر نفسه ولو على حساب الحق فهو يقبل الحوار لكنه لا يقبل الإعتراف فإن ظهر الحق ثم تركه فهذا تعنُت منه والتعنُت باللهجة الجزائرية يقال له (تغنانت) والتعنُت يُضرب له مثال في الوطن العربي بقولهم (عنزة ولو طارت) يعني رأيي هو الصحيح ولو كنتُ أنا المخطئ فالتعنُت أصحابه لا يعترفون بالحق أبدا والعياذ بالله وهذا أشبه بمقالة اليهود عندما قالوا (محمد حق لكنه رسول الأميين لا جميع العالمين) الجواب الصحيح للشيخ فركوس ص (61/62).
وهذا جزء من الإعتراف وليس كل الإعتراف فاعترفوا له بالأحقية في الرسالة لكنهم تعنتوا في إتباعه لأنه عربي فاعترفوا بالمرسول ولم يعترفوا برسالته التي جاء بها وزعموا أنها لا تخصهم والله يقول في كتابه {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} آل عمران (19).
فبماذا ينفعهم هذا الإعتراف دون الإتباع والله المستعان والإعتراف لا يتم على الوجه المطلوب إلا بقبول الحق كاملا مع العمل به وإن هذا الذي حدث مع اليهود ولازال يحدث هو تعنُت أقرب إلى العناد والحسد لأن النبي ﷺ عربي أصيل وهم يكرهون العرب عامة فلم يتقبلوا أن يكون محمد صلى الله عليهم وسلم عليهم رسولا خصوصا أن أكثر الأنبياء والرسل عليهم السلام كانوا من بني إسرائيل وكذلك لم يقبل إبليس الحق ورفض فِعل ما اُمر به بسبب الحسد تُجاه سيدنا آدم عليه السلام وكان هذا من باب التعنُت أيضا عندما قال {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} الأعراف (12).
فالتعنُت من باب العناد والحسد فهذه حالة خاصة بالإعتقاد فقط فالمُتعنت يجد دائما الحُجة لإقناع نفسه بأنه على حق ولو على حساب الحق ولهذا يقال ”عذر أقبح من ذنب” فالتعنُت عبارة عن سحابة سوداء على القلب تجعله لا يقبل الحق ظنا منه أن الحق أسود كالسحابة التي عليه فيتبع هواه والله المستعان، فالمُتعنت على حقيقته هو مجنون لأنه يُفكر بقلبه ولا يُفكر بعقله ولهذا يقال (العواطف عواصف) وفي الدين إستعمال العاطفة لا يجوز بل الصواب هو”قال الله عزوجل وقال رسول الله ﷺ بفهم سلف الأمة” لأن الدفاع عن الشيء بالتعصب لا يأتي إلا بالسب والشتم وأما الدفاع عن الشيء بالعاطفة فلا يأتي إلا بالتقديس والواجب هو الدفاع عن الحق بالحق من أجل الحق فهذا الذي تعلمناه من صاحب الحق ﷺ.
ولهذا قال الشيخ ربيع المدخلي رحمه الله عن العلماء إذا أخطئوا في مسألة ما (وليس لأحد أن يقلده في خطئه ومن قلده في خطئه بعد ظهور خطئه بالدليل فإنه آثم وقد يُكفر إذا عاند النص من القرآن والسُنة) كشف زيغ التشيع له ص (140)، فهناك من تقول له قال الله وقال رسول الله وهو يقول: ”قال فلان وقال علان” أي يُعظم قول شيخه على قول الله أو قول رسول الله وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبوا بكر وعمر) الملخص في شرح كتاب التوحيد للفوزان ص (311)، فقد يُخطئ شخص ما ويعتقد أنه على الصواب وقد يُصيب فيعتقد أنه على خطأ والإعتراف بالخطأ بعد ثبوته وإصلاحه فهذا هو فخر الإسلام والمسلمين فجذور التعنُت هي التشدد والتعصُب والعناد والحسد وأما العاطفة في الدين فهي مفتاحُ التعصب.