بين النميمة والنصيحة

609
5 دقائق
28 شعبان 1447 (16-02-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يُروى أن رجلا ذكر لعمرَ بن عبدالعزيز رجلا بشيء، فقال له عمرُ: يا هذا إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: {إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا} وإن كنت كاذبًا؛ فأنت من أهل هذه الآية: {هَمَّاز مَشَّاء بِنَمِيم}، وإنْ شئتَ عفونا عنك، فقال العفو يا أمير المؤمنين، لا أعودُ إليه أبدًا.

وقد يظهر هنا إشكال بين موقفين عند البعض، وخاصة مَن يترأسون الناس ويقودونهم.

الموقف الأول: موقف النصيحة التي يراها واجبة على من تحت إدارته، أو قيادته من الموظفين أو العاملين، إذ يرى أن على كلٍ منهم أن يخبره بكل ما يرى أنه ضار بالمؤسسة الذين هم فيها، أو محل العمل الذين يعملون فيه.

والموقف الثاني: موقف النميمة التي يغفُل عنها كثيرًا ولا ينتبه أو يكترث بها رغبةً في الوصول إلى كل ما يحدث ويدور في مؤسسته إو إدارته. وقد يرى ذلك المدير أو القائد أن فتحه الباب واسعًا لكل من يريد الإسرارَ إليه بحال الناس وعيوبهم هو باب من الحكمة والتفطن مفسرًا ذلك بأنه لا يمكن أن يمنع أحدًا عن الوصول إليه، أو ليس على أحد أن يحجر على أحد في إيصال رأيه للمسؤول، فهو - في ظنه - رجل يفتح بابه للجميع، ويسمع للجميع، أليس ذلك من سمات القائد الناجح؟ أليس من الديانة أن يتواضع لمن تحته ويستمع إليهم؟

والحقيقة أن ذلك من مداخل الشيطان الخفيَّة، وضلالات العقل المستترة؛ إذ يُلبس الباطلَ ثوبَ الحق والدين، فيظن أن الساعي إليه بالحديث عن الناس حريصٌ كلَّ الحرص على شخصه ومؤسسته، ناصح غايةَ النصحِ له، مُؤدٍ ما عليه من واجب ومسؤولية؛ فهو إذن – أي الساعي بالحديث – يستحق الشكر والعرفان، ويستأهل التقدير والاحترام!!

ونسي صاحبنا أو تغافل عن أن للنصيحة آدابًا وشروطًا، كما غفل عن أن الوشاية والنميمة لها علاماتٍ، وللنمَّامِّ القتات رائحة لا تخطئها الأنوف الكريمة، وسيماء تلحظها العيون البصيرة.

ولن نسرد هنا سماتِ النصيحة المخلصة وعلامات الناصح الأمين، بل الأولى أن نؤكد على علامات النمام الأثيم، ليحذره من له عقل أو دين، ويتقيَ مداخله، وكذا للضرر الفادح الذي لا يقتصر على إصابة شخص أو مؤسسة، بل لما قد يجره لسانه السامّ وقلبه العَفِن على مجتمع بأسره وأمةٍ بكِيانها.

من سمات النمَّام أنه:

1- يتطوع – دون تكليف واضح معلن – بنقل الأخبار وكشف الأسرار، فقد ورد في الأثر: كنَّا جُلُوسًا مع حُذَيْفَةَ في المَسْجِدِ، فَجاءَ رَجُلٌ حتَّى جَلَسَ إلَيْنا فقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: إنَّ هذا يَرْفَعُ إلى السُّلْطانِ أشْياءَ فقالَ حُذَيْفَةُ إرادَةَ أنْ يُسْمِعَهُ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ يقولُ: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتّاتٌ".

2- يتنصَّح – أي يُلبس كلامَه ثوبَ النصيحة – في حديثه بتقديم الأدلة والبراهين الدالة على أنه لا يكذب، وكما قال وضّاح اليمن:

لا خير في نثِّ الحديث *** ولا الجليس إذا فَطَِن ()

فاعصي الوُشاة فإنما *** قولُ الوُشاةِ هو الغَبَنْ ()

إن الوُشاةَ إذا أتوكِ *** تَنصَّحوا ونَهَوْكِ عنْ

2- لا يُحب أن يراه أو يسمعه الناس وهو ينقل الحديث، لكن العاقل يعرفهم من لحن قولهم، وإرادتهم السوء.

يقول عبد الونيس زغلول:

احذر حديثًا من نَفَرْ *** متلفتًين كمَن حَذرْ

يسعون في ثوب النقا *** وحديثُهم يصلى سَقَر

يُبدي اللسانُ حلاوةً *** لكِنّ عُقباها الأمَرّ

3- يجعل همه الحديث دون العمل، فهو غالبًا ما يكون حاقدًا مملوءًا غيظًا وقيحًا، ومثل هذا لا يُحب مشاركة المحقود عليه في العمل، فإذا أردت كشف زيفه وحقده؛ فسَلْ عن جهده وتفانيه لتستبين سبيله وتتبين لك حقيقته، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)

- وقال بعض الشعراء:

لا تستمعْ قولَ الوُشاة فإنما *** نقل الحديث إلى الحبيب بضدِهِ.

- ويقول القاضي الفاضل:

لا تَقبَلوا قَولَ الوُشاةِ فَإِنَّهُم *** كانوا لَنا في حُبِّكُم أَعداءَ.

5- يُتابع ويُقيّم– متطوعًا – شفاهةً أو كتابةً أعمال غيره، وإن كان مع مَن يُتابعه ويقيمه في خندق واحد، فليس من مهامه المتابعة ولا التقييم.

قال الغزالي في إحياء علوم الدين عن النميمة: *بل حَدُّها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول إليه أو المنقول عنه أو ثالث، سواء كان الكشف بالقول أو بالكتابة،أو بالرمز، أو بالإيماء. و سواء كان المنقول من الأعمال، أو من الأقوال وسواء كان ذلك عيبا ونقصا في المنقول عنه، أو لم يكن. بل حقيقة النميمة إفشاء السر و هتك الستر عما يكره كشفه، بل كل ما رآه الإنسان من أحوال الناس مما يكره، فينبغي أن يسكت عنه، إلا ما في حكايته فائدة لمسلم، أو دفع لمعصية، كما إذا رأى من يتناول مال غيره، فعليه أن يشهد به، مراعاةً لحق المشهود له. فأما إذا رآه يخفى ما لا لنفسه، فذكره فهو نميمة، وإفشاء للسر. فإن كان ما ينم به نقصًا وعيبًا في المَحكِيِّ عنه، كان قد جمع بين الغيبة والنميمة*.

ومن عجب أن يكون من معاني النميمة صوت الكتابة، والكتابة، والهمس، والحركة.

6- لا يتقدم بالنصيحة – كما يزعم – في كل حال، بل يتحين الفرص في أوقات مخصوصة، وأحوال معينة يقصد من ورائها نفعًا شخصيًا، أو دفعًا لمضرة ذاتية محققة.

-عن عبدالله بن بُسر رضي الله عنهما: قال رسول الله : "ليس منِّي ذو حسدٍ، ولا نميمةٍ، ولا كهانةٍ، ولا أنا منه، ثمَّ تلا رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: 58).

وأخرج أحمد عن عبدالرحمن بن غنم رضي الله عنه يبلغ به النَّبِيّ خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله وشر عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون البرآء العنت.

7- يلتمِس العثراتِ والعيوبَ للناس، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله : "إنَّ أَحبَّكم إليَّ أحاسِنُكم أخلاقًا، المُوَطَّؤُونَ أَكْنافًا، الذينَ يَأْلَفونَ ويُؤْلَفونَ، وإنَّ أَبغَضَكم إليَّ المَشَّاؤُونَ بالنَّميمةِ، المُفَرِّقونَ بينَ الأحِبَّةِ، المُلتَمِسونَ للبُرَآءِ العَيْبَ".

علاج النميمة:

1- تربية المجتمع، وبخاصة الأطفال على الحذر من النميمة، وبغض النمامين، وذلك عن طريق المناهج التعليمية، والمنشورات الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة.

2- توظيف وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة في تأصيل الابتعاد عن النميمة والتخويف بالله منها ونشر أضرارها وقبائحها.

3- توظيف الدروس والخطب والمحاضرات عن طريق المساجد والجمعيات، في التعريف بالنميمةومضارها.

4- أن يعلن كل قائد أو مدير في مؤسسته وبين مرؤوسيه أنه لا يقبل النميمة، وأنه يكره النمامين، و ينبغي أن يعلم أن قبول النميمة والإقبال على النمامين ضعفٌ في شخصيته الذاتية ونقص في سماته القيادية.

وقد ذكر الأستاذ الدكتور محمد السيد نوح – رحمه الله – في كتابه النفيس (آفات على الطريق)، عددًا من الإجراءات والخطوات التي رأى أن فيها علاجًا لمرض النميمة، نوجزها فيما يلي:

1- المبادرة بعدم تصديق النمَّام، بل زجره وتخويفه الله والدار الآخرة.

2- بغض النمام في الله بغضًا ينعكس على السلوك، وعلى طريقة المعاملة.

3- تربية ملكة تقوى الله، ومراقبته في النفس.

4- نقاء الوسط الذي يعيش فيه النمام، سواء أكان قريبًا كالبيت، أم بعيدا كالمجتمع.

5- اليقين التام بأن ما عند الله لا ينال ل بالمعصية، والوقيعة أو الإفساد بين الناس، وإنما ينال بالطاعة والاستقامة.

6- دوام النظر في سيرة السلف، ومنهجهم في مقاومة النميمة ومعالجة النمامين.

7- التذكير بعواقب النميمة والنمامين.

8- قيام أولي ا لأمر بواجبهم نحو النمامين، وذلك بزجرهم وتخويفهم، بل وتعزيرهم إن اقتضت المصلحة ذلك.

9- مقاطعة النمام إن أصر على هذا الخلق الذميم، ولم تنفع معه الأساليب المتقدمة.

وفي الختام نذكر بأن النميمة داء خبيث قد يصيب بعض المسلمين، وقد يعود المرء المخطئ ويتوب، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله : "كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ"، ولنذكر أن آية سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، قد نزلت في واحد ممن صاحب النبي ؛ فلا ينبغي إلصاق التهمة دومًا بمن أخطأ ثم عاد، ولكن العبرة بالأفعال الحاصلة.

وقانا الله وإياكم شر النميمة والأدواء المهلكة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق