الحزم والتذبذب المنهج الإسلامي في اتخاذ القرار

105
10 دقائق
1 رمضان 1447 (18-02-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

مقدمة: الصراع من أجل الحقيقة في عالم الهوى:

في كافة العصور وخاصةً في عصرنا هذا، تصبح الحقيقة أول ضحيةٍ للأهواء البشرية والعواطف والظنون. نحن نعيش في عالم يتم تقدير الآراء الشخصية والمشاعر والتخمينات غالبًا فوق الواقع الموضوعي. إن القدرة على التمييز بين الحقائق والأوهام وبين العلم والظن هي حجر الزاوية لاتخاذ القرارات الحياتية الصائبة من منظور الإسلام.

إنها ليست مجرد تمرين فكري، بل هي انضباط روحي ضروري لاتباع الصراط المستقيم الذي يطلبه المسلمون من ربهم في كل صلاة. فهي ليست دعوة نظرية، بل هي استغاثة يومية عملية للوضوح في تلك القرارات الحياتية نفسها التي سنتحدث عنها. ”الصراط المستقيم” وهو طريق القرارات المبنية على اليقين، لا على الظن.

في هذا المقال سنحدد المنهجية الإسلامية لاتخاذ قراراتنا كمسلمين، تلك التي تُبنى بالبحث عن الحقيقة، والتحكم في العواطف، والحزم بعد التحليل، والتوكل العميق على الله. إنه دليل عملي يساعد الإنسان على اجتياز تعقيدات الحياة، معتمدًا ليس على الأرض المتزعزعة لرغباته الشخصية، بل على أساس متين من العلم والإيمان.

ولفهم هذه المنهجية، يجب أن نبدأ بالمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه: التمييز القاطع بين العلم القطعي والظن المتأرجح.

أساس القرارات: الحقائق فوق الظنون:

ترفض الأخلاق الإسلامية لاتخاذ القرار بشكل قاطع النهج القائم على التخمينات والمشاعر والآراء الذاتية، المعبر عنها بعبارات *أظن*، *أعتقد* أو *أشعر*. إن أهمية الاعتماد على العلم والحقائق القطعية بديهية في الإسلام، ذلك لأن القرارات المبنية على الظن تؤدي إلى الضلال والظلم. فالقرآن يحذر المؤمنين صراحة من اتباع الأكثرية أو اتباع الظنون، لأنها لا تقود إلى الحق.

يقول تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} (سورة الأنعام، 6:116).

ويؤكد تعالى في آية أخرى عجز الظنون المطلقة أمام الحق: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (سورة يونس، 10:36).

هذا الموقف مبني على مفهوم المسؤولية الشخصية للإنسان. فقد وهبنا الله أدوات لإدراك العالم وسيسألنا عن كيفية استخدامنا لها. وهذه الأدوات هي:

السمع: كوسيلة للحصول على المعلومات الموثوقة والمعارف من الآخرين.

البصر: كوسيلة لملاحظة الحقائق وظواهر العالم المحيط.

العقل: كأداة رئيسية للتحليل والتفكير وتركيب المعلومات المستمدة.

يتبع هذا كله قاعدة بسيطة لكنها قوية، يجب أن تكون أساس أي اختيار جاد: *اطلب الحق، حلل الوقائع، واتخذ إجراءات جادة وحازمة*. فلا يمكن الاعتماد على الأوهام أو الإشاعات أو الانطباعات السطحية. يجب أن تكون جادًا وحازمًا في جمع المعلومات والتفكير فيها ثم التصرف متوكلًا على الله.

ولكن حتى مع وجود كل الحقائق، هناك عقبات داخلية خطيرة تقف في طريق القرار الموضوعي، قادرة على تشويه أي صورة حتى تلك الأكثر وضوحًا.

العقبة الرئيسية: العواطف:

العواطف - الحب والبغض، الغضب والخوف، الميل والنفور – تخلق ”فلترًا” قويًا يعيقنا عن رؤية الواقع كما هو. من منظور علم النفس الإسلامي، هذا شكل من أشكال التشويه المعرفي، حيث تلطخ مشاعرنا الحقائق بألوان مبهرة، مما يجعلنا نبالغ في شيء ونهمل آخر. فالحب أو الميل قد يقود إلى ”تحيز التأكيد” (وهو البحث عن معلومات تدعم مشاعرنا)، والبغض أو النفور قد يقود إلى ”تحيز النفي” (وهو البحث النقدي عن عيوب فيما لا نحبه). لذلك فإن إدارة العواطف والقدرة على فصلهما عن عملية التحليل هي مهارة بالغة الأهمية للإنسان الباحث عن الحقيقة.

تتجلى هذه المشكلة بوضوح من خلال أمثلة من الحياة الواقعية:

مثال من الاستشارات الأسرية: تأتي أخت إلى الاستشارة وهي في حالة غضب، وتصف زوجها بطريقة تجعله شيطان حقيقي في جسد بشري في ذهن السامع. فالكراهية في هذه اللحظة تُشوه إدراكها لدرجة أنها غير قادرة على إعطاء وصف موضوعي له.

نفس الشيء يحدث عندما يُطلق أخ عاش مع زوجته 25 سنة ولديهما سبعة أطفال، في لحظة غضب عليها وصفها ب *الشيطان*. هنا يتبادر سؤال بلاغي: *كيف عِشتَ مع هذا ”الشيطان” لمدة 25 سنة وأنجبتَ منه سبعة أطفال؟* إذن فالعواطف جعلته ينسى كل شيء جيد ويرى الوضع بلون أسود تمامًا.

مثال التحيز: إذا كان شخص ما غير محببٍ لنا، فإننا نبحث لا شعوريًا عن الخطأ في كلماته وأفعاله. وحتى لو كان يقول الحقيقة فإن مقاومتنا الداخلية تمنعنا من الاعتراف بذلك. فنبدأ بالبحث عن أي ذريعة لدحض كلامه، بدلًا من تقييم جوهر ما قيل بإنصاف. مما يدفعنا ليس الرغبة في إيجاد الحق، بل السعي لتأكيد نفورنا.

الخلاصة الأساسية من هذا هي ضرورة تعلم فصل مشاعرنا عن أفعالنا. فالمؤمن لا يتصرف كما ”يريد” في اللحظة، بل كما ”ينبغي” وذلك على أساس العقل والعدل والسعي لرضا الله. ويتطلب هذا المبدأ جهدًا داخليًا مستمرًا وضبطًا للنفس.

النموذج المثالي لمثل هذا التحكم العاطفي والتعقّل من سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي وضح لنا في اكثر من موضع كيف ينتصر الحكمة والهدوء على الغضب والاستفزاز.

المثال النبوي: الهدوء مقابل الغضب:

يمثل النبي محمد وأصحابه نموذجًا للسلوك العقلاني والاستراتيجي والموزون. مثالهم له أهمية عملية هائلة للمسلمين اليوم، لأنه يبين كيف نتصرف في أكثر المواقف تعقيدًا واستفزازًا، مع الحفاظ على وضوح الذهن والوفاء للمبادئ. في الغالبية العظمى من الحالات، كان النبي يتصرف مسترشدًا بالعقل، لا بالعواطف.

تعرض المسلمون أثناء وجودهم في مكة لاستفزازات عديدة من المشركين الذين حاولوا بأي طريقة جرهم إلى معركة. لكن المؤمنين تصرفوا بضبط نفسٍ ووفقًا لخطة، دون الانجرار للانفعالات العاطفية. ويضع الله تعالى في القرآن حالتين متناقضتين تجلتا في تلك اللحظة الحرجة:

{إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (سورة الفتح، 26).

فمن جهة *حمية الجاهلية*، هي الغضب الأعمى غير المنضبط المبني على الكبرياء والجهل. ومن جهة أخرى *السكينة*. ليست مجرد ثبات نفسي؛ بل هي طمأنينة مُنزلة من السماء، (سكينة) تطرد ”حمية الجهل” المتمركزة حول الذات وتجعل الحكم الواضح التقوي ممكنًا. هذه الطمأنينة الداخلية تتيح وضع العداء الشخصي والميول والنفور جانبًا والتصرف بما هو أفضل للدين والجماعة.

يتبع من هذا المثال استنتاج في غاية الأهمية: أن على المؤمن أن يبحث دائمًا عن ”التقوى” وما يرضي الله. ويجب أن تتنحى المشاعر والعواطف الشخصية محل التحليل الموضوعي والسعي للهدف الأسمى. ترتبط هذه القدرة على الحفاظ على الهدوء والتصرف بعقلانية ارتباطًا مباشرًا بالمنهجية العملية لاتخاذ القرارات الصعبة.

المنهجية العملية: من التحليل إلى التوكل:

غالبًا يكون الاخيار في الحياة صعبًا وليس واضحًا دائمًا. فكثيرًا ما يتعين علينا الاختيار كما يقول المثل: *بين شرين*، والطريق الأصوب ليس دائمًا الأكثر متعة. نظرًا لأن عواطفنا تخلق فلترًا مشوهًا قويًا، فإن ممارسة الشورى ليست مجرد توصية؛ بل هي آلية تصحيحية في غاية الأهمية، مصممة لمواجهة تحيزاتنا الذاتية الفطرية. يقدم الإسلام خوارزمية واضحة تساعد على اتخاذ القرار الأكثر توازنًا.

هذه العملية، المستندة إلى التوجيه القرآني في سورة آل عمران الآية 159:

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.

يمكن تقسيمها إلى أربع خطوات متتابعة:

1. جمع الحقائق والتحليل: يجب دراسة الموقف في هذه المرحلة بإنصافٍ ودون تأثير العواطف. وجمع كل المعلومات المتاحة، وموازنة جميع الإيجابيات والسلبيات، مع تقييم العواقب المحتملة لكل خيار.

2. الشورى (المشورة): بعد التحليل يجب استشارة حكماء وعلماء وأصحاب خبرة تثق بهم. فإن نظرتهم من الخارج قد تساعد على رؤية ما فاتك وتعطي منظورًا قيمًا.

3. اتخاذ القرار الحازم (العزم): بعد جمع الحقائق والشورى، يحين الوقت لإظهار الحزم (العزم). فالتردد والشكوك في هذه المرحلة ضد الإنتاجية. لذا يجب اختيار طريق واحد والوقوف عليه بثبات.

4. التوكل (الاتكال على الله): بعد اتخاذ القرار وبدء التنفيذ يجب التوكل الكامل على مشيئة الله العليا. فالإنسان يفعل كل ما في وسعه، والنتيجة النهائية بيد الله. هذا يجلب الطمأنينة للقلب ويُخلّص من القلق على المآل.

مثال صارخ على هذه المنهجية هو موقف ما قبل غزوة أحد:

كان النبي صلى الله عليه وسلم بخبرته العسكرية، يرى أن أفضل استراتيجية هي الدفاع داخل المدينة. لكن الشباب المتحمسين من الصحابة أصرّوا على الخروج لملاقاة العدو في أرض مفتوحة.

أخذ النبي بعد المناقشة برأي الأكثرية وأظهر حزمًا، فذهب وارتدى درعه.

تغير قرار الرسول بعد عرض عليه الصحابة، مدركين أنهم ربما مارسوا ضغطًا عليه، وأجابهم بقولته المشهورة: *ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه*.

درس هذا الحدث كبير. رغم أن القرار الجماعي أدى إلى هزيمة عسكرية، إلا أن مبدأ اتباع الشورى وإظهار الحزم لا يُذَمّ من قبل الله بل على العكس، القرآن يوصي النبي بعد ذلك بمشاورة أصحابه. فلا توجد قرارات مثالية، لكن هناك عملية صحيحة لاتخاذها.

هذا النموذج الحازم والمنظم للسلوك هو النقيض التام للتردد المُشلّ الذي يُدين الإنسان للجمود وضياع الفرص.

رذيلة التردد: الخوف والتشاؤم وفرص ضائعة:

التردد هو حالة مدمرة تولد من المخاوف والتشاؤم والتفكير اللانهائي على نمط ”ماذا لو”. والإنسان الذي يستولي عليه التردد يخسر المعركة حتى قبل أن تبدأ. فمخاوفه المتخيلة ومشاكله الافتراضية تشُل إرادته، مانعةً إياه من اتخاذ حتى الخطوة الأولى. فهو يهدر كل طاقته في تحليل تهديدات غير موجودة، بدلًا من التصرف في العالم الحقيقي.

أمثلة من حياتي:

قصة تسجيل الجمعية: عندما عُرض على الجماعة الإسلامية في مدينة X التسجيل رسميًا للحصول على مقر والتطور، خاف الكثيرون وبدأوا في بناء قائمةٍ من المخاوف المتخيلة: *ستعرف عنا الأجهزة الأمنية إذا سجلنا، ثم ستأتي إلينا، وتغلق أعمالنا وتعتقلنا جميعًا*. هذه المخاوف، التي لم تكن لها أساس واقعي، منعتهم من اتخاذ الخطوة الضرورية.

أيضًا قصة *آلان ديلون*: رجل بلغ الخمسين من عمره ولم يتزوج بعد، رغم بحثه عن زوجة منذ كان عمره 17 سنة. كان يجد في كل مرشحة عيبًا: هذه طويلة جدًا، وتلك قصيرة، وثالثة ذكية جدًا، ورابعة غير متعلمة بما يكفي. كما قال له أصدقاؤه بمزاح: *ولست أنت أيضًا آلان ديلون يا أخي*. بسبب دقته المفرطة وتحليله اللا متناهي، ضيّع كل الفرص وبقي وحيدًا.

قصة صديق الأب: كان صديق والدي وهو طالب شاب، يتردد طويلًا في الزواج. وفي النهاية اتخذ والداه القرار نيابةً عنه وأرسلا له عروسًا. رغم أنها لم تعجبه في البداية، فأظهرت هي الحزم الذي افتقده هو. أدركت تردده فأخذت جواز سفرها ومزقته قائلة: *الآن لا عودة إلى الوراء*. هذه الخطوة الحازمة، وإن كانت تحت ضغط، أدت إلى إنشاء حياة أسرية مستقرة وطويلة، بينما لم يؤدِ بحثه الدائم اللامتناهي إلى شيء.

الاستنتاج من هذه القصص. أن الله تعالى يعاقب المترددين غير الحازمين، بحرمانهم من معونته والفرص التي يرسلها لهم.

أحد الأدوات التي يُساء فهمها واستخدامها غالبًا لتبرير التردد، هو صلاة الاستخارة.

توضيح الاستخارة: صلاة بعد القرار، لا بدلًا عنه:

الفهم الصحيح لصلاة الاستخارة له أهمية استراتيجية هائلة، لأن تطبيقها الخاطئ يؤدي إلى الجمود والسلبية وحتى الخرافات. يظن الكثير من المسلمين خطًا أن الاستخارة هي طقسٌ سحريٌ ما للحصول على إجابة جاهزة من السماء، ذلك عندما يكونون هم أنفسهم عاجزين عن الاختيار.

وفي البداية، يجب التمييز بوضوح بين ما ليست عليه الاستخارة:

- هي ليست وسيلة لمعرفة المستقبل أو الحصول على تلميح عندما تكون في حيرة تامة أو *لا تعرف ماذا تفعل إطلاقًا*.

- ليست انتظارًا لحلم صادق، أو علامة خاصة، أو ”إلهام” داخلي سيشير إلى الطريق الصحيح.

يبدو الترتيب الصحيح لأداء الاستخارة، المستند إلى السنة، كما يلي:

1. يفكر الإنسان أولًا: يستخدم عقله، ويحلل الموقف، ويجمع الحقائق، ويزن جميع الإيجابيات والسلبيات.

2. ثم يستشير (الشورى): يلجأ للحكماء والعلماء وأصحاب الخبرة طالبًا النصيحة.

3. بعد ذلك يتخذ قرارًا محددًا وحازمًا: مثلًا: *قررت الزواج من فاطمة* أو *قررت قبول عرض العمل هذا*.

4. فقط بعد اتخاذ القرار يصلي الاستخارة: يلجأ إلى الله طالبًا منه أن يبارك ويسهل هذا الأمر إن كان فيه خير، أو يصرفه إن كان فيه شر.

معنى دعاء الاستخارة يكمن في الاعتراف بقصور عِلمنا وإحالة النتيجة النهائية لعلم الله الكلي. الإنسان يقول: *اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ. فَإِنَّكَ تَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ*.

على سبيل المثال، إذا استخار شخص للزواج من فتاة معينة، ثم انفسخت الخطوبة في اليوم التالي، فإنه يتقبل ذلك بهدوء. لا يحزن لأنه هو نفسه طلب من الله أن يصرف هذا الأمر إن لم يكن فيه خير. فهو يثق بعلم الله العلي الذي وقاه من شر محتمل.

دين الإسلام نظام جاد وموضوعي، يتطلب من الإنسان مسؤولية وتحليلًا وحزمًا. فالاستخارة ليست وسيلة لتحميل المسؤولية، بل هي فعل توكل عميق على حكمة الله بعد أن أدى الإنسان جزءه من العمل.

طريق الحكمة: الموضوعية والاعتراف بالأخطاء:

ترتبط القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة ارتباطًا وثيقًا بالأمانة الفكرية. هذه الأمانة الفكرية في الإسلام لها اسم محدد - المحاسبة، أو ممارسة محاسبة النفس والتفكر. فالحكمة إذن تأتي لمن هو مستعد لأن يحاكم نفسهُ بنفسِ الصرامة التي يحاكم بها الآخرين، ويعترف بأخطائه ويتعلم منها. كما يجب على الإنسان أن يُحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله يوم القيامة.

ومن المهم للغاية التخلي عن عادة تشويه الحقائق دفاعًا عن الذات، باستخدام حجج مثل *هو نفسه هكذا* أو *هي بدأت أولًا*. هذا صراع كوني مع النفس (النفس الأمارة بالسوء) والتي بغض النظر عن الثقافة، تقاوم الاعتراف بالذنب. والاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل قوة كبيرة وعلامة على النضج العقلي.

القدرة على قول”آسف”هي أساسية. مثال الزوج الذي اعترف بخطئه لكنه رفض الاعتذار بسبب الكبرياء، يَظهر مدى عمق هذه المشكلة بتبريره ”والدي لم يعلمني ذلك” الذي لا وزن له، فالنبي علمنا أن نعتذر إذا أخطأنا.

ويجب أن يكون المعيار الرئيسي لنجاح لمؤمن هو رضا الله سبحانه وتعالى لا استحسان الناس. أما ماذا سيقول المحيطون إذا اعترفت بالخطأ؟ هذا لا يهم.

فقول كل العالم لا يساوي شيئًا إذا رضي الله. الاعتراف بالخطأ يعني إظهار الحكمة، وتحرير النفس من قيود الكبرياء الزائفة، والوقوف على طريق التطوير الذاتي الحقيقي.

خاتمة: جعل الحقيقة هدفك الأسمى:

المنهج الإسلامي في اتخاذ القرار هو نظام متكامل قائم على الوضوح والمسؤولية والإيمان. تشمل المبادئ الأساسية لهذا الطريق أولوية الحقائق على الظنون، والتحكم الصارم في التأثير المشوه للعواطف، وإظهار الحزم (العزم) بعد التحليل الدقيق والشورى، وكذلك الفهم الصحيح للاستخارة كفعل توكل على الله (التوكل) وليس وسيلة لتفادي المسؤولية. ويُكمل هذا النظام انضباط الأمانة الفكرية ومحاسبة النفس (المحاسبة).

النداء الرئيسي الذي يتردد اليوم، هو نداء العودة إلى القيم الأساسية. لا يجب أن نسير على طريق أولئك الذين يجعلون الباطل حقًا والحق باطلًا. يجب أن تصبح الحقيقة والصواب مرة أخرى القيمة الرئيسية الثابتة في حياة كل مسلم، محددة أفكاره وكلماته وأفعاله.

نسأل الله تعالى أن يرينا الحق ويرزقنا اتباعه. ونسأله أن يغفر ذنوبنا، ويمنحنا الحكمة في اتخاذ القرارات، ويجعلنا من الذين يتوكلون عليه دائمًا، ويذكرونه ويرون آياته في كل شيء.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

*تم إعداد المقال على أساس خطبة ألقيت في 3 مايو 2024 في موسكو.


مقالات ذات صلة


أضف تعليق