بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
أ- ما الفرق بين الاستنباط عند الأصوليين وعند المناطقة؟
ب- وما محل الاستنباط وأنواعه؟
ج- وما رأيكم بتعريف أبي الخطاب للاستنباط: *أن الاستنباط: قياس واستدلال، والاستدلال: يكون بأمارة أو علة، ويكون بشهادة الأصول والاستدلال بالعلة أو الأمارة هو: المصالح*؟
وهل يغني عن غيره من التعريفات؟
الجواب: حياكم الله أخي الكريم.
أ- الاستنباط له معنيان عند المناطقة وعند الأصوليين:
فالاستنباط عند المناطقة: استنتاج قضية من قضايا أخرى يلزم عنها لزومًا عقليًا.
وهو مرادف ل القياس المنطقي، فهو انتقال من الكلي إلى الجزئي.
مثل قولنا:
كل إنسان فانٍ، وزيد إنسان، إذًا زيد فانٍ. فالنتيجة: *زيد فانٍ* مستنبطة من المقدمتين.
فهو عملية عقلية محضة، ننتقل فيها من الكلي إلى الجزئي.
أما عند الأصوليين فيمكن تعريفه بأنه: استجماع المجتهد آلة الاجتهاد للوصول لحكم شرعي خفي، من نص أو قياس أو استدلال.
وهذا أجمع تعريف للاستنباط.
فالاستنباط متداخل ومتساوق مع الاجتهاد، فهو أحد مراحل الاجتهاد، فعندما يجمع المجتهد القراءات والروايات ويعمل السياق بأنواعه: الحالي والمقالي، ويستحضر دلائل اللغة القريبة والبعيدة، ومعهود العرب في خطابها، ثم يصل إلى الحكم الشرعي، فهذه العملية الاجتهادية الواسعة تسمى استنباطا، فالاستنباط يعتمد على أصلين: جهد وكد ذهني بتسخير المعارف المتحصلة عند المجتهد في معرفة الحكم الشرعي، وقريحة كاملة وذهن متوقد له القدرة على تفعيل الآلات المعرفية المكتنزة في الذهن وتطويعها للوصول إلى الحكم الشرعي، لذا عرف الجرجاني الاستنباط: *استخراج المعاني من النصوص بفرط الذهن، وقوة القريحة*.
ومن هنا تظهر العلاقة بين الاجتهاد والاستنباط من تعريفهم للاجتهاد: ب"بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط"(البحر المحيط).
فجعل الاستنباط آلة وطريق الاجتهاد: فكد الذهن بآلته المعرفية الاجتهادية للوقوف على الأحكام أو معانيها هو الآلة التي عليها الاجتهاد.
وبهذا تظهر الفروق الجوهرية بين عملية الاستنباط المنطقي والأصولي:
فعند المناطقة: الاستنباط علاقة عقلية بين قضايا مرتبة ترتيبا عقليا نبدأ من الكليات إلى الجزئيات.
أما عند الأصوليين: فالاستنباط علاقة اجتهادية بين دليل شرعي وحكم عملي.
فالمنطقي يطلب الصدق العقلي، والأصولي يطلب الصواب الشرعي.
فبالرغم من كون الأصوليين يستخدمون أدوات منطقية، إلا أن الاستنباط الأصولي ليس مجرد تطبيق للمنطق الصوري، بل هو فن مركب يجمع بين النص الشرعي ورواياته، والفهم اللغوي، والبعد المقاصدي، والسياقي والقرائن، وله استقلاله المنهجي والمعرفي الذي يتميز به حتى انضبطت عملية الاستنباط انضباطا تاما.
ب- أما محل الاستنباط وأنوعه: فمحل الاستنباط الذي يؤخذ منه الحكم: النص تارة، أو معنى النص، وهو القياس، أو القواعد العامة وهو ما يعرف بالاستدلال، ومن أجلاها المصلحة المرسلة، فالاستدلال: كل دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس، قال الزركشي: *لأن الاستدلال: دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس؛ فيشمل كل الأدلة المختلف فيها، فإطلاقه على نوع معين منها وهو المصالح المرسلة، من باب إطلاق الكل على البعض*(تشنيف).
فمعنى استنباط الحكم بالاستدلال: أن الحكم تارة يستنبط من المصلحة المرسلة، أو الاستحسان أو التلازم أو سد الذرائع أو الأعراف أو نحوها من الأصول العائدة في غالبها إلى المصلحة المرسلة، وكله داخل في الاستنباط.
والاستنباط على نوعين: يكون للأحكام، ويكون للعلل والمعاني لأن العلل منها المنصوص والمجمع عليه، ومنه العلل الخفية، وهي ما عرفت علته بالاستنباط بمسالك العلة المعروفة (تشنيف).
كما أن الاستنباط: قد يكون صحيحا إذا كان المجتهد فقيه النفس مطبوع فيه الفقه، ولديه إحاطة بآلة الاجتهاد كاملة، واستعان بالله عز وجل في كل أحواله.
وقد يكون الاستنباط خاطئا، كما قال عليه الصلاة والسلام: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"، قال ابن حزم: *الاستنباط إخراج الشيء المغيب من شيء آخر كان فيه، و هو في الدين إن كان منصوصا على جملة معناه فهو حق، و إن كان غير منصوص على جملة معناه فهو باطل لا يحل القول به*(الإحكام). لكن لا يخفى أن الاستنباط قد يكون صحيحا حتى لو لم ينص عليه، بل استنبط بلوازم أو إشارات أو معان خفية.
ج- تعريف أبي الخطاب: إذا نظرنا في تعريف الاستنباط عنده نجده أخذه عن أبي الحسين البصري في المعتمد بنصه غالبا: فقد عرفة أبو الحسين البصري، بقوله: *والاستنباط ضربان: قياس واستدلال، والاستدلال بالقياس يفتقر إلى الاستدلال بالظواهر، فاذا ذكرنا الاستدلال بالقياس دخل فيه الاستدلال بالظواهر، ونحن نبتدىء بذكر ذلك فنقول: يجب أن يكون المستدل بالقياس غير عارف بحكم الفروع ويكون عارفا بالأصل وبحكمه وظانا بعلته وعالما بثبوتها في الفرع أو ظانا لذلك عالما بأنه قد تعبد بالقياس عارفا بشروط القياس وإنما وجب اشتراط جميع ذلك لأن القياس هو إثبات حكم الأصل في الفرع لاجتماعهما في علة الحكم.
وأما الاستدلال الذي ليس بقياس: فإنه إن كان استدلالا بعلة وأمارة، فلا بد من الاستدلال عليها، وإن كان استدلالا بشهادة الأصول من غير اعتبار علة وصح ذلك: فإنه يفتقر فيه إلى مثل ما ذكرناه في القياس، إلا الاستدلال على العلة*(المعتمد).
ومعنى كلام أبي الحسين البصري: أن الاستنباط قسمه إلى قسمين: الاستنباط بالقياس: وهذا يدخل فيه الاستدلال بظواهر النصوص لأن ما من قياس إلا أصله النص فلا بد من فهم النصوص فهما كاملا كي يتم الاستدلال بالقياس لأن القياس شرطه العلة، والعلة لا تقوم إلا بالاستنباط إذا لم تكن منصوصة، ثم بعد ذلك يقوم الاجتهاد باستنباط حكم الفرع من حكم الأصل المعلوم وهذا يحتاج إلى نظر ودقة لتوافق وتطابق علة الأصل علة الفرع، أما إذا حصل التفاوت.الخ ما ذكر بعد ذلك واضح.
ثم يذكر القسم الثاني من الاستنباط: الاستدلال، ويعني به الاستدلال غير القياسي، ويدخل فيه: الأمارات، ويقصد به القرائن والسياق، وكذا الاستدلال بالعلة، يعني استنباط الحكم من علة معنية، فهذان النوعان: أطلق عليها أبو الخطاب*المصالح*، أي مرجع استنباط الأحكام بهما: جلب مصلحة أو دفع مفسدة، فيجب الاستدلال عليهما بظواهر النصوص إذ لا يستقيم ادعاء قرينة يستنبط منها الحكم ليس عليها دليل، وكذا العلة يجب وجود دليل عليها، ومثله شهادة الأصول: وهي المصالح التي شهدت لها الأصول كالضروريات الخمس من حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال، فهذه أيضا يشترط ما يشترط له القياس لأن هذه هي المصالح المرسلة، ولا بد من أجل استنباط الأحكام منها وجود دليل لأصلها بشهادة الأصول، وألا يكون الحكم منصوصا عليه فلا يكون داخلا في حقيقة المصلحة المرسلة.
فإذا قارنا تعريف أبي الخطاب للاستنباط الذي أخذه من أبي الحسين البصري: *أن الاستنباط: قياس واستدلال، والاستدلال: يكون بأمارة أو علة، ويكون بشهادة الأصول والاستدلال بالعلة أو الأمارة هو: المصالح*.
وعند مقارنة: تعريف الأصوليين بتعريف أبي الخطاب:
نجد تعريف الأصوليين اتجه إلى ماهية الاستنباط، أما تعريف أبي الخطاب فاتجه إلى التعريف بالتقسيم، والتعريف بالتقسيم أحد أنواع التعريف عند المناطقة، ولا يغني واحد عن الآخر، بل يتكاملان، كل واحد يكمل الآخر ويوضحه أكثر لأن التعريف بالماهية متضمن للتعريف بالتقسيم، والتعريف بالتقسيم موضح للتعريف بالماهية.
ولو شرحنا تعريف أبي الخطاب ليظهر لنا معناه، الذي أخذه عن أبي الحسين: *أن الاستنباط: قياس واستدلال، والاستدلال: يكون بأمارة أو علة، ويكون بشهادة الأصول، والاستدلال بالعلة أو الأمارة هو: المصالح*.
فقسم الاستنباط إلى قسمين: يكون بالقياس تارة فنستنبط حكما خفيا وهو حكم الفرع من حكم الأصل لاشتراكهما في العلة، والعلة تحتاج إلى استنباط إذا لم تكون منصوصة، فيكون في القياس أكثر من عملية استنباط: استنباط العلة، واستنباط الحكم.
وتارة يكون الاستنباط بالاستدلال، والاستدلال: كل دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس، كما سبق.
وأعظمه: الاستدلال بالمصلحة المرسلة، ومنه سد الذرائع والاستحسان والعرف وغيرها من الأدلة المختلف فيها.
فنستنبط الحكم من المصالح، والمصالح المعتبرة ما حافظ على مقصود الشارع، وهو حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال، مثل الأنظمة المعاصرة كنظام المرور مثلا يحفظ: النفس ويحفظ المال، وكذا أنظمة وزارة الصحة وغيرها من الأنظمة التي تحفظ بها المصالح فنستنبط الحكم من كونها تحفظ مصلحة معينة.
فإذا وصلنا إلى أمارة معنية أي قرينة من القرائن أو علة من العلل وكانت هذه الأمارة أو العلة تحفظ مصلحة من الضرورات الخمس فهي صحيحة، وكذا إذا شهدت لها الأصول أي النصوص الشرعية وقواعد الشريعة فالاستنباط يكون صحيحا، فهذا معنى كلام أبي الخطاب.
فتعريف الأصوليين له أهمية من جهة ذات الاستنباط.
وتعريف أبي الخطاب له أهميته من جهة ذكره أنواع الاستنباط، والتعريف بالتقسيم لا يغني عن التعريف للماهية فكل نوع له فائدته المستقلة. والله أعلم.