بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
من موارد الغفلة العجيبة بل الشّنيعة عند بعض المعاصرين، وهي تشيع عند أرباب المقاصد الذين خلطوها بأهواء العصر، أو لم يقفوا من المقاصد على تحقيق وثلَج: كثرة الاضطراب في استعمال المقاصد والتناقض فيها في النص الواحد والحديث الواحد!
والنّظرُ هنا في تصرُّف بعضهم في القاعدة الأصوليّة المقاصدية: (عودُ العِلّة على النَّصِّ بالتَّخصيص)، وهو تصرُّفٌ يعرّفك على ما وراءه من الخلط والخبط في غيرها من القواعد.
- أما كونها قاعدة أصولية؛ فلكونها تذكر في باب العلة من القياس، وكذلك في مخصصات العموم.
- وأما كونها قاعدة مقاصديّة؛ فلكونها راجعة إلى مقصد الخطاب، وحقيقتها: تخصيص الحكم بالمقصد الجزئي. أو: التخصيص بالحكمة.
وحاصل القول في هذه القاعدة:
أنّ للعلة المستنبطة ثلاثة آثار في النصِّ:
١- أن تعود عليه بالإبطال. وهو أثر باطل بالاتفاق.
٢- أن تعود عليه بالتّعميم، وهو أثر جائز بالاتفاق. ومنه ينشعب القياس.
٣- أن تعود عليه بالتَّخصيص، وهو أثر مختلف فيه.
وطريقة الفقهاء قبوله بشرط أن يكون المعنى المستنبط (=المقصد الجزئي) أقوى من ظاهر العموم، على ما عُرف من طريقة المحققين، ثم تقدير الأقوى من العموم والمعنى في محالِّ النظر أمرٌ يتفاوت فيه المجتهدون، ومن هنا ينشا بينهم خلاف كثيرٌ في موارد تقديم اللفظ على المعنى أو تقديم المعنى على اللفظ.
ولا غضاضة في العمل بالأثر الثالث؛ لأنها جادّة مسلوكة، وطريقة مأهولة.
إنما الغضاضة: أن تجد من يأتي إلى حديث ما، فيستنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص، ثم هو لا يجعل هذا المعنى الذي استنبطه عائدا عليه بالتعميم من جهة أخرى، مع أن الثاني سائغ اتفاقا، والأول محلُّ خلاف.
وهذا تناقض من الناظر؛ فإنّ المعنى إذا استُنبط؛ واستُعمل في التَّخصيص، فلا بد أن يستعمل في التَّعميم لزوما، وإلا تناقض.
فالنّاظر هنا-إذا استنبط معنى- ليس له إلا أحد طريقين:
١- أن يستنبط من النصِّ معنى يعمِّمه فقط دون أن يخصِّصه.
٢- أن يستنبط منه معنى يخصِّصُه؛ فلا بد أن يعمِّمه أيضا بذات المعنى.
فأما أن يوجد معنى يستنبط؛ فيعود على النصِّ بالتخصيص دون أن يعود عليه بالتعميم؛ فهذا فساد في النظر، لا يختلف فيه.
إذا تبيَّن هذا؛ فسأمثل له بمثال توضيحي ليس هو محل الإشكال، ثم أعطف عليه بمثال آخر هو محل الإشكال.
▫️المثال الأول:
قال ﷺ: "لا يقضينّ حكمٌ بين اثنين وهو غضبان". رواه عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه مرفوعا، وقد أخرجه الشيخان، وهذا لفظ البخاري.
فاستنبط منه العلماء معنى عاد عليه بالتعميم والتخصيص معا، والمعنى هو: أن النهي عن القضاء حال الغضب لما في الغضب من تشويش الفكر المؤدي إلى اضطراب الرأي والحكم.
وهذا المعنى المستنبط يعود على النصِّ بالتعميم من جهة، وبالتخصيص من جهة أخرى.
- فأما عوده عليه بالتعميم؛ فيقتضي أن يُلحَق بالغضب سائر المشوّشات للفكر المانعة من سداد النظر، كالجوع المفرط، والألم المبرّح، والحر المؤذي، والبرد المزعج؛ إلى غير ذلك.
فالقاضي منهيٌّ عن القضاء في جميع هذه الأحوال؛ لوجود العلة فيها، وهي علة التشويش، مع أن الحديث إنما نصّ على حالة الغضب فقط، لكن لما عرفنا أن الغضب ليس هو العلة في نفسه، بل هو متضمِّنٌ للعلة، ووجدنا هذه العلة متحقِّقة في غير الغضب؛ عمَّمنا الحكم في سائر هذه الموارد.
- وأما عوده عليه بالتخصيص؛ فيقتضي إخراج بعض صور الغضب من الحديث، فالحديث عامٌّ في كل غضب، وذلك أن لفظ: «غضبان» نكرة وردت في سياق النفي؛ فتفيد العموم في كل غضب.
لكننا بملاحظة المعنى المستنبط -وهو التشويش- أخرجنا الغضب اليسير؛ لأن هذا الغضب لا يفضي إلى تشويش الفكر، فهو محلٌّ تخلفت عنه العلة؛ فلم يجرِ فيه حكمها.
وهذا المحل -الغضب اليسير- يتنازعه ظاهر اللفظ والمعنى المستنبط، فعموم لفظ الحديث يقتضي إدخاله في النهي، والمعنى المستنبط يقتضي إخراجه من النهي
- فمن غلّب جانب اللفظ؛ قضى بأن يسير الغضب ككثيره؛ داخلٌ في عموم النهي.
- ومن غلّب جانب المعنى؛ أخرج يسير الغضب من عموم النهي؛ نظرًا إلى العلّة (= الحكمة).
وأنت ترى أن القائل هنا أحد اثنين:
١- من عمم الحديث بالمعنى المستنبط لكنه أبى تخصيصه، فألحق بالغضب ما في معناه من المشوشات كالجوع والعطش والألم والحزن. ولم يخرج من الغضب صورة دون صورة، وهذا امتناع من التخصيص بالمعنى.
٢- من عمم الحديث بالمعنى المستنبط وخصصه به أيضا، فألحق غير الغضب مما هو في معناه به، وأخرج صورا من الغضب لا يوجد فيها علة النهي.
- فلو جاء ثالث وقال:
أنا أخصِّص النص؛ فأخرج الغضب اليسير منه، ولا أعمِّمه؛ فلا ألحق به ما كان في معنى الغضب من الجوع المفرط والألم المبرّح والبرد المزعج والحر المؤذي؛ لكان هذا متناقضا تناقضا فاحشا، لأن معنى التخصيص هو القول بالعكس: (أن تتخلَّف العِلَّة؛ فيتخلف الحكم)، ومعنى التعميم هو القول بالطَّرد: (أن توجد العلة؛ فيوجد الحكم)؛ فلا يصحُّ منه القول بعكس العلَّة دون طردها!
إذا تبيّن هذا؛ فقد تهيّأ المقام لإيراد المثال الثّاني المقصود بهذه التوطئة الطويلة؛ فلنمضِ على ذكره قُدُمًا.
▫️المثال الثاني:
قال ﷺ: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" وهو في الصحيحين -بهذا اللفظ- من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفي غيرهما من حديث ابن عمر وأبي سعيد الخدري وغيرهما، بألفاظ متقاربة، وفي بعضها ذكر الأيام.
وحاصل النّظر في هذا الحديث:
أن العلماء فيه وفي أمثاله على اتجاهين:
١- القول بظاهر العموم.
٢- التخصيص بالمعنى.
➿فمن قال بظاهر العموم؛ منع المرأة من السفر بغير محرم مطلقا، أي: سواءٌ كان السّفرُ آمنا أم غير آمن؛ لأن ظاهر اللفظ العموم، وهو عموم مستفادٌ من ذكر فعل السفر: «لا تسافر» -وهو نكرة- في سياق النفي؛ فأفاد العموم في جميع الأسفار.
➿ومن خصّصه بالمعنى؛ قال بجواز سفر المرأة بغير محرم مع الأمن، وحرمة سفرها بغير محرم مع عدم الأمن.
وحقيقة هذا المسلك: أنه استُنبط من النصِّ معنى يعود عليه بالتخصيص.
وذلك المعنى هو: أنَّ المقصود من النهي في الحديث حفظ المرأة من التعرُّض والأذى، فيقتضي هذا: أن النهي لا يشمل جميع الأسفار، بل يقتصر على الأسفار التي يخشى فيها من التعرض والأذى، فيخرج من عموم الحديث: السفر الآمن، مع أن ظاهر الحديث كما تقدم عامٌّ في جميع الأسفار. فهذا وجه التخصيص هنا بالمعنى المستنبط.
وإذا تبيّن هذا؛ فالقائل هنا بالتخصيص بالمعنى المستنبط يلزمه أن يقول بالتعميم بعين المعنى في نفس الحديث أيضا، وإلا تناقض.
ومعنى التعميم هنا: أنه يجب وجود المحرم مع المرأة في كل حالةٍ لا تأمن فيها على نفسها، ولو لم تكن هذه الحال حال سفرٍ.
وذلك: أن المعنى المستنبط هنا وهو (حفظ المرأة من الأذى) له وظيفتان:
- إخراج بعض الأسفار من لزوم المحرم؛ إذا كانت آمنة. فهذه وظيفة التخصيص.
- إلحاق غير الأسفار بالأسفار في لزوم المحرم؛ إذا كانت غير آمنة. وهذه وظيفة التعميم.
فالعلة هنا يجب القول بها طردا وعكسا.
- فطردُها يقتضي: أن المحرم يجب في كل حالة لا تأمن المرأة فيها على نفسها، ولو لم تكن سفرًا.
- وعكسها يقتضي: أن المحرم لا يجب في كل حالة تأمن فيها المرأة على نفسها، ولو كانت سفرا.
فإذا تبيّن هذا؛ فالقائل هنا أحد اثنين لا ثالث لهما:
▫️الأول: يستعمل المعنى المستنبط في تعميم الحديث دون تخصيصه.
وحقيقة قوله في التعميم: أنه كما وجب على المرأة المحرمُ في السفر؛ لعلة الأذى؛ فإنني ألحق بالسفر كل موطن تخاف فيه على نفسها الأذى، وإن لم يكن سفرا، لوجود العلة فيه.
ولكنني لا أقول بتخصيص بعض السفر دون بعض؛ وفاء بحق العموم في الحديث، فلا أخصه بالمعنى المستنبط.
فأنا أقول بالتعميم بالمعنى المستنبط، ولا أقول بالتخصيص به.
فهذا مسلك صحيح، وهو نظير المسلك الذي مثّلنا عليه في حديث الغضب، فيمن ألحق غير الغضب بالغضب لوجود المعنى فيه، وأبى إخراج الغضب اليسير أو الغضب لله تعالى من عمومه؛ وفاءً بحق عموم اللفظ في الحديث. فهو قائل بالتعميم دون التخصيص.
وهذا التعميم هو مقتضى كلِّ قائل بالقياس أو تنقيح المناط؛ فهو موضع متفق عليه.
▫️الثاني: يستعمل المعنى المستنبط في تعميم الحديث وتخصيصه معا.
وحقيقة قوله: أنه إذا كان النهي عن سفر المرأة بغير محرم معللا بصيانتها من الأذى والخوف عليها من التعرُّض، فإنني أستعمل هذا المعنى في تعميم الحديث وتخصيصه:
- فأما تعميمه؛ فكلُّ موضع ليس بسفرٍ؛ خافت فيه المرأة على نفسها الأذى والتعرض؛ أوجبت عليها المحرم.
- وأما تخصيصه؛ فكلُّ سفر لا تخاف المرأة فيه على نفسها؛ لم أوجب عليها المحرم.
فهذان القولان السائغان في المسألة، ولا يسوغ غيرهما.
وأنت ترى أن القول بالتعميم هنا متفق عليه بين القولين؛ فإلحاق ما سوى السفر بالسفر إن وجدت فيه العلة هو موضع متفق عليه بين القائلين.
وإنما يختلفان في جانب التخصيص؛ أي: في إخراج بعض الأسفار من الحديث:
- فالأول يغلّب ظاهر اللفظ؛ فيوجب المحرم في جميع الأسفار؛ وفاء بحق العموم.
- والثاني يغلّب جانب المعنى؛ فيخص بعض الأسفار دون بعض، فيخرج السفر الآمن من عموم الحديث؛ فلا يوجب فيه المحرم.
▫️المسلك الثالث الشاذّ:
فإذا جاء قائل ثالث وقال:
أنا أستنبط من الحديث معنى يعود عليه بالتخصيص ولا يعود عليه بالتعميم؛ كان مبطلا متناقضا باتفاق.
وحقيقة قوله: أنه يُخرج بعض الأسفار من العموم؛ بدلالة المعنى، فيقول: السفر إذا كان آمنا، فلا يشترط فيه المحرم.
ويأبى أن يلحق بالسفر كل موطن لا تأمن فيه المرأة على نفسها من الأذى؛ فلا يشترط المحرم في هذه الحالة!
وهذا تناقض عظيم جدا، لا يفوه به محصِّل، وهو نظير من قال: أنا أخرج الغضب اليسير من عموم حديث الغضب، لعدم وجود العلة فيه، وهي تشوش الذهن، ولكنني لا ألحق بالغضب غيره مما يجامعه في العلة، كالجوع الشديد والألم المبرح، والحر المؤذي، والبرد المزعج!
وبهذا تعلم تناقض قول من يقول: «المحرم واجب في حال السفر غير الآمن دون حال السفر الآمن، وأما غير السفر؛ فلا يجب المحرم فيه ولو عدم الأمن!».